إنه في الأربعين من عمره، وهو فعلاً كما يقول من سادة العرب في البر الفارسي. وكان قد وقع في غرام أميرة فارسية أسمها تارا شقيقة أحد النبلاء الفرس وهو جمشيد حاكم ميناب. لكن هذا الأخير رفض تزويجه إياها، ثمّ لمّا هاجمت جموع من الكرد ميناب وكادوا يطيحون بجمشيد وحاصروا قصره أرسل هذا الأخير يستعين بأبي داود ومن معه من العرب، ووعده إن هو استطاع فكّ الحصار أن يزوجه شقيقته الحسناء تارا.
حاول أبو داود تجييش قومه من العرب لنصرة جمشيد، لكنّه لم يكن يحضى بدعم قبيلته بعدما بدد الثروة التي ورثها عن أبيه في أقل من سنة على غرامياته. كما أنهم يعرفون أن جمشيد لن يعطيهم من الغنائم إن هم حاربوا معه. وهكذا رفضوا كلهم الخروج مع أبو داود الكحلي. لكن ذلك لم يكن ليثنيه عن عزمه على تخليص جميلته تارا فلبس عدّة الحرب وركب بعيره باتجاه ميناب.
طوال يومين في الطريق كان يفكّر في خطّة يستطيع بها فكّ الحصار عن القصر. وأخيراً استقرّ أمره على أن يتسلل في الليل لقمّة الجبل المواجهة لبوابة القصر الكبيرة، وعند أول خيط نور سيهبط ببعيره مسرعاً نحو البوابة شاهراً سيفه. فكّر أن منظره وهو هابط كالصخرة من أعلى الجبل سيخيف من يحاصرون البوابة، وحين يصل هناك سيقاتلهم من على جمله برمحه الطويل. كان يتخيّل كيف أنّه بعد ذلك سيدخل ساحة القصر معلناً النصر، وستطل تارا من نافذتها وتلوّح له بيدها الجميلة.
وفعلاً نجح أبو داود في التسلل لقمّة الجبل المواجه للبوابة، وبات يراقب منتظراً أول خيط نور ليختار طريقاً مناسباً للإنقضاض عليهم من أعلى. وحين حانت الساعة قام وأخرج صرّة نشوقه وأخذ منها وجبة كبيرة استعداداً للهجوم. قبل أن يركب بعيره لاحظ على بعد خطوات بصيصاً من نور رقيق يتسلل من بين كومة أحجار جمعت على بعضها. أزاح الأحجار فإذا بما يشبه البيضة الكبيرة تشعّ بنورٍ قمريٍ بارد. لم يعرف ما هي لكنّه تخيلها كخدِّ حبيبته تارا واعتبرها فألاً حسناً. ثمّ خطرت له فكرة.....فكّر لو أنّه ثبّتها في عمامته ستزيد من هيبته في قلوب أعدائه.
ما حصل بعد ذلك كان عجيباً فعلاً. فمع انطلاقه من فوق الجبل على ظهر بعيره كالصخرة المتردية نحو البوابة بدأ من يحاصر القصر بالصراخ والفرار. حتى هو لم يتوقع هذه النتيجة السريعة، وعندما اقترب من البوابة لم يكن بقي منهم أي أحد. لكن السيء في الأمر أنّه لم يستطع إيقاف البعير المنطلق بسرعة كبيرة، وانتهى الأمر به أن يصطدم رأسه بسقف البوابة المنخفض ويسقط ويغمى عليه.
حقيقة ما حصل، وما لم يلاحظه أبو داود في حينه، هو أن ذلك الشيء المضيء الذي يشبه البيضة الذي وضعه في عمامته كان لؤلؤة ضخمة تخصّ غولاً طائراً. وكما كان معروفاً عن الغول الطائر فهو يبقي لؤلؤته في جوفه طول الوقت. لكنّه إذا أراد أن يأكل تعيّن عليه أن يلفظها ويخفيها في مكان ما ثم يعود لابتلاعها مرّة أخرى. حين عاد الغول يبحث عن لؤلؤته ورآها في عمامة أبو داود. كان يطير خلفه فارداً جناحيه الجلديين يريد استعادتها. وجود الغول فوق رأس أبو داود كان كفيلاً بإخافة مدينة كاملة، وهذا ما حصل للذين كانوا يحاصرون القصر. الغول استطاع أختطاف لؤلؤته والطيران بعيداً قبل أن يصطدم أبو داود ويقع.
لحظات وكان أبو داود ممدداً في ساحة القصر الداخلية يحيط به الخدم والحرّاس على شكل دائرة. نزل الأمير جمشيد تتبعه شقيقته تارا، وكلما أسرعت لتنظر لحبيبها أمسكها جمشيد بيدها وغرس مسامير عينيه في رأسها. حين وصلا أفسح لهما الجنود والخدم ليقفا على رأس الفارس الممدد. لم تتمالك تارا أمرها وكادت تلقي بنفسها على أبو داود لولا جذبة عنيفة من أخيها جمشيد، ثمّ صرخ في وجهها
-هل جننتِ؟!
-ماذا فعلت لتتهمني بالجنون؟!....ألم ينقذنا ويخاطر بحياته من أجلنا!!.
قالت ذلك وأطرقت بعينيها لأسفل وانسابت على رموشها الطويلة دمعتان رقيقتان كاد كل من في القصر أن يسمع وقعهما على الأرض.
ثم استدركت القول
-ثمّ إنّي كنت أنوي أن أخرج صرّة التبغ من جيبه وأضع له بعض النشوق في أنفه ليفيق.
ردّ جمشيد بدهشة خبيثة
-وما أدراكِ أنّه يضع صرّة نشوق في جيبه؟!
أخذت عينا تارا المسكينة تدور في رأسها تبحث في حيرتها عن إجابة دون جدوى ..... فوجئ الجميع بعطسة قوية من أبو داود جعلت كل من حوله يتراجع للخلف. كان أحد الحراس قد أخرج صرة نشوقه ووضع منها في أنفه.
قام أبو داود بقامته الطويلة وسط دهشة وذهول الجميع إلا تارا التي كانت تقفز وتضم يديها لصدرها من الفرح. وهو رغم كثرة الواقفين حوله إلا أنّه لم يرَ سواها. اندفع نحوها واندفعت نحوه، وكادا يلتقيان لولا وقوف جمشيد بوجهه المتجهم بينهما. هنا استعاد أبو داود وعيه وجدّيته، قال لجمشيد
-ها قد خلّصتك وأنقذت قصرك، وأنت وعدتني بأن تزوجني تارا إن فعلت ذلك. والآن أنتظر أن تفي بوعدك.
استدار جمشيد في اتجاه تارا ودفعها بيده بضع خطوات للوراء ثم استدار مرّة أخرى ليواجه أبو داود عاقداً يديه خلف ظهره ومبتسماً بشفتين باردتين.....قال
-وأنا عند وعدي يا أبا داود. لكنك تعلم جيداً كيف هو قدر تارا عندي وعند شعبي. إنها نجمة ميناب ونورها......لذلك تستحقّ أن يكون مهرها غالياً. أنا لن أطلب منك أشياء كثيرة، سأطلب منك شيئاً واحداً فقط، وهو كما اتضح لنا اليوم بسيط جداً بالنسبة لك.....لن أطلب منك سوى لؤلؤة غول طائر واحدة.
-ماذا؟!؟!؟!؟.....ماذا تقول يا جمشيد؟!؟!؟....ومن يستطيع أن يأتي بلؤلؤة غول طائر؟!!!!
-أنت يا أبو داود الوحيد القادر على ذلك. لقد كنت تضع واحدة في عمامتك وأنت هابط نحو القصر حتى استعادها منك الغول الذي كان يطير فوقك.....كفاك تواضعاً يا سيّد العرب فقد رأينا كل شيء.
-وهل كان ذلك الشيء لؤلؤة غول؟!؟!؟!.
-انتهى الأمر يا أبو داود. إما أن تحضر اللؤلؤة أو لن تتزوج تارا.
ومضى جمشيد تاركاً الساحة وهو يدفع تارا المسكينة أمامه للداخل وهي بعد لم تملأ عينيها من حبيبها. وانفض الجميع عن أبو داود الذي ظل مذهولاً لا يعرف ماذا يفعل. لم يصحو من صدمته حتى نهرته إحدى وصيفات الأميرة ليفسح الطريق أمام ثلاثة من الخدم يحملون سجادة كبيرة لخارج القصر لإصلاحها كما يبدو. خرج بعدها يبحث عن بعيره، وبعدما وجده قصد أحد البيوت التي تعوّد أن يزورها كلّما جاء لميناب. حين فتح الباب كانت تقف ذات الوصيفة التي نهرته في ساحة القصر صباحاً. ألقى في يدها كيساً مملوءً بالدراهم وأدخلته للبيت، وبعد قليل خرجت السجادة الكبيرة من البيت يحملها الخدم الثلاثة وتتقدمهم الوصيفة عائدين بها للقصر ولجناح الأميرة تارا بالذات. كاد أحد حراس البوابة أن يتشكك في الأمر حين سمع ما يشبه صوت العطس من داخل السجادة، لكن شغلته الوصيفة حين إلتوت رجلها وسقطت بقربه، وكان عليه أن يحملها بيديه لداخل القصر.
في صباح اليوم التالي خرج أبو داود من القصر كما دخل إليه مطوياً في سجّادة. وقضى بعدها شهراً كاملاً يسأل أين يمكن أن يجد غولاً طائراً ليأخذ لؤلؤته. أجمع كل من سألهم أن تلك تعتبر مهمة شبه مستحيلة، لأن الغيلان الطائرة لا تأكل إلا مرّة واحدة كل بضعة أشهر، وحينها فقط تخرج اللؤلؤة من جوفها. وحين تفعل ذلك تحرص على إخفائها في مكان مرتفع وآمن.
آخر من سأله أبو داود عن الغيلان كانت فتاة حسناء رائعة الجمال، لم يستطع أن يقاوم الاقتراب منها، كان الحزن الجميل يملأ عينيها، وكأنها بلا وعي تعبث بثلاثة أحجار فيروز زرقاء في راحة يدها. لم يتوقع أنّها تعرف شيئاً عن الغيلان، لكن لم يخطر له شيء آخر ليبدأ معها الحديث. لكن تملّكه العجب حين ضجّ وجهها بالسعادة والفرح حين سألها، وبدت متأكدة من كلامها. أخبرته أنّ الغيلان لها موسم تزاوج، ومن أجل ذلك تجتمع في وادي عظيم في جزيرة العرب يقع في قلب الصحراء يسمى الوادي الأحمر بسبب لون الكثبان التي تحيط به. وقع كلامها من قلبه موقع التصديق، وودّعها وليس بين عينيه سوى الذهاب للوادي الأحمر في جزيرة العرب.
لم يكن قد تبقى عند أبو داود أي مال بعدما أعطى كل ماله لوصيفة تارا. احتار كيف سيتدبر أمر رحلته، غير أنّه ليس بالذي توقفه الحيرة في مكان، بل مضى يحث جمله على السير نحو الميناء وحيرته تلهث خلفه.
بعد ثلاثة أيام من السير الحثيث كان أبو داود يتهادى فوق بعيره في الميناء جيئة وذهاباً، كان يتفحص الوجوه والأشياء ويتصيّد الكلمات الطائرة لعلّه يجد وسيلة ما ليركب سفينة ما إلى حاضرة جلفار على برّ العرب.
مضى نصف اليوم عليه دون فائدة، والأسوأ هو أن صرّة نشوقه باتت فارغة مما عكّر مزاجه. وهو على تلك الحال إذا بمجموعة من الرجال والنساء القرويين يتبعهم بعض الصبية قادمين من ناحية الجبل. كانوا جميعاً يتشاركون أمارات التعب ويتهامسون بقلق. وقف ينظر لهم حتى عبروا من أمامه وهم صامتون كأنهم لايريدون أحداً أن يعرف ما يدور بينهم. تملّكه الفضول الشديد فمد عصاه من فوق بعيره أمام أحد الصبية في المؤخرة وسأله
-ماذا هناك أيها الفتى؟!.....أخبرني ماذا حدث.
-إنها بنت خالي أكرم. اليوم زفافها لكنّها هربت خوفاً من الزواج. منذ الصباح ونحن نبحث عنها في الجبل وكلما رأتنا فرّت بعيداً حتى تعبنا من ملاحقتها.
قال الصبي ذلك وانطلق مسرعاً ليلحق بالبقية. ولحق بهم أبو داود أيضاً بعد أن أثاره الأمر. تقدم أمام أكرم ومن معه من الرجال والنساء وقال
-لقد عرفت ان ابنتكم هربت للجبل خوفاً من الزواج، أنا مستعد لأن أجدها واقناعها بالرجوع.
-لقد حاولنا معها كثيرا، وإن استطعت أن تعيدها لنا فأنت تستحق مكافأة.
مكافأة.....ذلك ما كان يبحث عنه أبو داود. ترك بعيره عندهم وقصد الجبل ماشياً. دخل أول وادي صادفه بعدما ظنّ أنّه مكان مناسب للإختباء وأنها ربما فكّرت بالمثل. سار لبعض الوقت حتى أحسّ بالعطش والتعب. حاول العودة لكن يبدو أن عدم وجود النشوق والعطش قد أثّرا على إدراكه للجهات وانتهى به الأمر من شدّة الإجهاد أن تزل قدمه ويسقط وهو يحاول تسلّق إحدى الصخور. أغمي عليه لبعض الوقت، وعندما أعاد فتح عينيه كان رأسه في حجر فتاة حسناء تقطّر في فمه الماء بيدها المنقوشة بالحناء. للحظة اعتقد أنّه مات ودخل مباشرة للجنّة وأن تلك الفتاة هي إحدى الحور العين خصوصاً وأنها كانت ترتدي ثوب زفاف. لكن عاد له إدراكه حين كلّمته الفتاة قائلة
-كدت تموت يا هذا. مالذي جاء بك للجبل بدون ماء أو طعام؟!.....هل أنت هارب من أحد؟!.
أجابها بعد لحظة تفكّر
-نعم.....أنا هارب.....يريدون أن يزوجونني وأنا خائف.....أرجوكِ لا تخبري أحداً أنّكِ رأيتني.
-ماذا؟!؟!؟....أنت مثلي إذن!!!....هل تصدّق أني أنا أيضاً هاربة خوفاً من الزواج.
وجلس الهاربان يتحادثان وكل منهما مستأنس بالآخر. وحين غربت الشمس بحثا عن كهف ليبيتا فيه. كان ليل الجبل موحشاً وعواء الذئاب مخيفاً. ومن شدّة خوفهما التصقا ببعضهما حتى الصباح. حين استيقظا قال لها.....
-هل تعلمين أنّ ما فعلناه البارحة هو الزواج؟!!.
-حقاً؟!؟!؟!.....أهذا هو الزواج؟! كان رائعاً.
-تريدين الصدق، إني أفكر بالعودة. لقد كنت مخطئاً، لا شيء يدعو للخوف.
وهكذا نزل أبو داود الكحلي من الجبل تتبعه العروس الجميلة وهي تقفز من الفرح، وتقديراً لجهده الذي استمرّ ليلة كاملة أعطاه أبوها عشرة دراهم مكافأة له. من تلك الدراهم العشرة دفع أبو داود تسعة أجرة نقله مع بعيره في السفينة للبر العربي وبقي له درهم واحد اشترى له به عامر صرّة نشوق.
(مقطع من روايتي "أبو داود")
تعليق