بقدر ما كنت أعلم أن المرور بالشيخوخة سنة من سنن الحياة، كنت أجهل أن الله سيرزقني بحفيدة اسمها نور. أصبحت منذ الأسبوع الفارط جدا. لم أبحث عن التجاعيد في وجهي، هي موجودة لا محالة، لكني شققت صدري، و دفعت بيدي داخل قلبي،أتحسس زهرة الفرح التي انبثقت فيه فجأة، و عطرت أرجاءه بأريجها الفواح.
ركبت القطار إلى مراكش. استعجلت ذلك الحصان الحديدي،و حرضته على الركض ، لأن تباريح الشوق ، غلبت صبري. كلما أطال الوقوف في محطة لعنته ...
لست أدري لماذا بدأت الحكي من هذه النقطة بالذات، مادام حظي العاثر، قد أطلق سهم حزن عميق على فرحتي، كان علي أن أبدأ مباشرة من المشهد الذي فطر قلبي،و حول رحلتي إلى جحيم لا يطاق. يمكن للقارئ أن يستغني عن كل ما سلف ذكره،و يبدأ القراء مما يلي:
ما أن غادر القطار مدينة القنيطرة، حتى وقف بباب مقصورتنا طفل صغير يطلب الصدقة بلكنة شامية.
- مهجرون من سوريا...
علمته الحاجة،و غدر الزمان كيف يسوق مأساته. اعتكر وجه الجميع. دسوا أيديهم في جيوبهم مرتبكين، يرزحون تحت شدة الصدمة. مددت يدي للفتى بما قسم الخالق. انهارت سدود الدمع في عيني.أحسست بصدري يضيق،و أنفاسي تكاد تتوقف. استبد برأسي، و عيناي صداع حاد، و جفت حنجرتي. شربت ماء كثيرا لأطفئ الحرائق التي أشعلها الفتي في أعماقي. ربما كان سيد حارته في الشام،و زعيم أقرانه،و هو اليوم شريد بلا وطن... بلا أمل... بلا متاع.
غادرت المقصورة بحثا عن نافذة لأعب هواء يسعفني في التنفس. احتجت إلى وقت طويل لكي تتوقف دموعي، و تنتظم أنفاسي.
وصلت البيت،و استعطاف ذلك الفتى مازال يتردد في أذني. لم أفلح في التخلص منه. سكنني ورفض أن يبارح.
أعتذر للقارئ الكريم، إن عدت إلى الحديث عن حفيدتي،لأن الفرحة كانت قوية. عانقتها، و كل كياني يشكر الله على واسع كرمه.وجدت بعض السلوى في لقائها. أنعمت النظر في وجهها. تمنيت لو كان بالإمكان أن نحتفظ ببراءة الأطفال طول حياتنا.
بعد أن أخذت قسطا من الراحة،قررت أن أزور ساحة "جامع الفنا".عند باب المنزل، دنت مني امرأة، تسحب خلفها طفلا، عندما تأملته، وجدته مريضا، متعبا. سألتني المرأة عن المسجد بلكنة غير مغربية. أشرت بأصبعي إلى صومعة قريبة ، دون أن أنبس بكلمة. بادرتني بالكلام:
- أنا سورية مهجرة...من إدلب ...
فهمت المراد من كلامها. دسست في يدها ورقة نقدية. اقترب مني طفلها المتعب. صافحني ببراءة مزقتني، لم يكتف بذلك. عانقني ، و تعلق برقيتي يريد أن يقبل رأسي. أحسست بحرارة تشتعل في جسدي،و الأرض تنهار تحت أقدامي. ركبت السيارة مسرعا لكي أتخلص من منظر الطفل، و من نظراته.
- يا ألله . ما كدت أنسى فتى القطار، حتى ألبت علي هذه المرأة و طفلها المريض المواجع.
وظفت كل طاقتي لأمنع الدموع من الانهمار،وقد عاودني صداع الرأس. وصلت "جامع الفنا". وجدته هذه المرة مختلفا. بهجته باهتة،و الفرجة لا طعم لها،و الطعام لا مذاق فيه. بدت لي كل الوجوه حزينة، و إن كانت تجاهد لافتعال ضحكات مقتضبة سرعان ما تختفي خلف الشفاه.
عدت إلى البيت على عجل. جلست قرب حفيدتي.أنعمت النظر في وجهها الملائكي.لكن عيني، حلقتا بعيدا،تستطلعان الأوضاع. كم يتيما...كم لطيما رأتا في حارات الشام ؟؟؟؟؟ شاهدتا القتلة،و المحرضين على القتل. عادتا إلي فزعتين. أدركتُ أنهما رأتا مشاهد يشيب لرؤيتها الولدان. امتدت يدايا تلقائيا إلى حفدتي. عانقتها بحرارة،و أنا أردد:
سلمت يا صغيرتي
من شر الفتن.
سلمت ممن أصيبوا بعمى الألوان.
مراكش.الجمعة 7 مارس ( آذار)2014
أحداث القصة واقعية حدثت لي يوم الحمعة في طريقي إلى مراكش، لحضور عقيقة حفيدتي - نور -
اليتيم من مات أحد أبويه.
اللطيم من مات أبواه كلاهما.
جامع الفنا. ساحة مشهورة بمراكش ، و هي عبارة عن مسرح كبير في العراء تقدم فيه مختلف أنواع الفرجة.
اللطيم من مات أبواه كلاهما.
جامع الفنا. ساحة مشهورة بمراكش ، و هي عبارة عن مسرح كبير في العراء تقدم فيه مختلف أنواع الفرجة.
تعليق