أطفأتُ التلفاز منفعلا على نداء مفتي القدس:
وامسلماه...
لم أقو على سماع ندائه إلى آخره. سيكون ذلك قاسيا على قلبي، و سيشعرني بالخزي و العار. وضعت رأسي الذي أمسى ثقيلا على وسادة، لعل الكرى يخيط جفون عيني. فجأة ، رأيت هالة من نور ساطع. هرعت نحوها. كان القدس بكل جلاله، و قداسته يمشي إلى حيث لا أدري. صحت سائلا:
- إلى أين يا أقصى؟
تجاهلني،و غذ السير، لحقت به، و كررت السؤال، و كفيلسوف حكيم واجه سؤالي بسؤال يعرف جوابه:
- كم عدد المسلمين على وجه البسيطة؟
تنحنحت، و أجبت:
- لا أعلم عددهم على وجه التحديد، لكن المسلمين أمة عريضة،يقدر عددها بالملايين.
حدجني بنظرات حادة،و زفر زفرة حرى، ثم خاطبني:
- ما بالي أشعر بالغربة بينهم؟لماذا تخلفوا عن الذود عني، بلسانهم،و سيوفهم، إلا ثمانون نفرا يعتصمون بجوفي؟ أين باقي هذه الأمة العريضة؟
شعرت بامتزاج الغضب و الحزن في كلامه. تقدمت نحوه،و أجبته:
- إنهم مشغولون يا أقصى. لكن لا تحزن،و لا تغضب. لقد وعدوني أنهم سيتحدثون عن الخطر الذي يتهددك، عندما تفرغ ألسنتهم من فضح سوءات بعضهم، و سيهبون لنجدتك بالسلاح حين يفرغون من قتل بعضهم.و سيحاسبون العدو على ما اقترفت يداه،حين يهدمون دولة الباطل ،و يقيمون دولة الحق. فقط أمهلهم بعض الوقت.
ضحك الأقصى ضحكة صفراء، و سمعته يقول بحنق شديد:
- لقد قرأوا كتاب الله بالمقلوب، فصاروا أشداء فيما بينهم، رحماء بالكفار، و بمن لعنوا في كل كتاب.
هز رأسه بحزن. التفت نحوي، و سألني:
- ألم يبق في هذه الأمة، فقيه رشيد؟...
قاطعت الأقصى،و لم أتذكر أكنت ضاحكا ، أم باكيا:
- أعزك الله يا أقصى. فقهاؤنا تحولوا بأمر من ملوك العشائر ، إلى علماء كبار في الجينات البشرية، و هم الآن مشغولون بفحص الحمض النووي للمسلمين ، حرصا على نقاء العشيرة، و حمايتها من المندسين، فإذا استوت العشيرة صافية، لا شية فيها، كروا على العدو، لينالوا فضل السبق في تحريرك.
لم أمهله الوقت الكافي للكلام، و واصلت حديثي:
- كنت أنوي المرور بمضاربهم المتعددة، لأقنعهم بفكرة محاربة العدو كافة، تحت راية واحدة، فخفت ألا يسمعوا كلامي. لكن إن رافقتني ربما يشعرهم وجودك بالحرج...
بعد لأي، و جهد جهيد، سلموا أمرهم، و أعدوا العدة. وقفت الجيوش قبالة العدو. كل يرفع رايته. تقدم القادة...نظروا إلى بعضهم... رفعوا السيوف إلى الأعلى...صاحوا: الله أكبر
و تناحروا.
غدَّ الأقصى السير صعقا، و هو يردد:
- لن تنسى حليمة عادتها القديمة. هل تنسى حليمة عادتها القديمة؟
مراكش 2014/3/7
مراكش 2014/3/7
تعليق