"همُّ يوسفَ"، عليه السلامُ، قد كان تهديداً

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عطية زاهدة
    أديب وكاتب
    • 05-12-2008
    • 6

    "همُّ يوسفَ"، عليه السلامُ، قد كان تهديداً


    "همُّ يوسفَ"، عليه السلامُ، قد كان تهديداً!



    توطئة:
    يا أيُّها الطيّبُ الكريمُ، إنك لَتعلم قولَ الله تعالى في قصة يوسف، عليه السلام: "ولقدْ همَّتْ بهِ وهمَّ بها لَوْلا أنْ رأى بُرهانَ ربِّهِ كذلكَ لِنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِن عبادِنا المُخْلَصينَ"، ولنْ تجدَ لكَ أبداً دليلاً على أنَّ المفسِّرينَ قدْ تجادلوا جدالاً حامياً في شيءٍ منَ القرآنِ الكريمِ يفوقُ مُجادَلَتَهم الحاميةَ في أمرِ الهمِّ المذكورِ في الآيةِ عاليةِ الذكرِ؛ فالاختلافات بين المفسرين في شِأنه تشكل "أمَّ المعارك" في ميدان التفسير، حتّى كادَ بعضُهم بسببها يأخُذُ بعضاً أخذاً وَبيلاً: تكفيراً، أوْ تفسيقاً، أو تجهيلاً، أو ترذيلاً.
    وإنّكَ لَتعلمُ أيضاً أنَّ المفسِّرينَ طُرّاً قدِ احتاروا في "الهمِّ"، وفي "البرهانِ" أيضاً. وقدْ جاءَ هذا البحث، والفضل لله تعالى وحده، آملاً أن يوقفَ الحيْرة، ليسَ باختيارِ قولٍ ممّا قالوا في "الهمِّ"، وانتقاءِ رأيٍ ممّا رأوْا في "البُرهان"، بلْ منَ استخراجِ الحلِّ السديدِ لكلٍّ منهما، من خلال تفكُّرٍ عميقٍ، وتدبُّرٍ دقيقٍ.
    المنطلَقات والممهِّدات
    أولاً - المنطلَقات:
    1) لقد حصلَ صرْفان عن يوسف متعلّقان بالسوء والفحشاء، وهما:
    أ‌- صرفٌ للسوء والفحشاء نفسيْهما، أي صرفه الله تعالى عن مقدّمات الزنا، وعن الزنا نفسه؛ إذ استعاذ به فأعاذه.
    ب‌- وصرفٌ للتهمــــــــــــــة بإرادة السوء والفحشاء، أي صرف الله تعالى عنه الاتهام الذي اتهمته به امرأة العزيز بأنه أراد بها السوء والفحشاء.
    2) يوجد في حدث امرأة العزيز مع يوسف، عليه السلام، ثلاثة مواقف، وهي:
    أ‌- موقف ما قبل الاستعصام، أي موقف المراودة وانتهائها باستعصام يوسف، عليه السلام: "وراودته التي هو في بيتِها عن نفسِه وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ هيْتَ لكَ قالَ معاذَ اللهِ إنّه ربّي أحسنَ مثوايَ إنه لا يفلحُ الظالمونَ". وأسمّي هذا الموقف: موقف التقاوم.
    ب‌- موقف بين ما بعد الاستعصام، وبين بدء استباق الباب لفتحه للعزيز:
    "ولقدْ همَّتْ بهِ وهمَّ بها لولا أنْ رأى بُرهانَ ربِّهِ كذلكَ لِنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِنْ عبادِنا المُخْلَصينَ". وأسمّي هذا الموقفَ: موقف التَّهامُم.
    ت‌- موقف ما بعد فتح الباب للعزيز: "واستبقا البابَ وقدَّتْ قميصَهُ منْ دُبُرٍ وألفيا سيّدَها لدى البابِ قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ؟.. قالَ: هيَ راودْتني عنْ نفسي. وشهدَ شاهدٌ منْ أهلِها إنْ كانَ قميصُهُ قُدَّ منْ قُبُلٍ فصدقتْ وهوَ منَ الكاذبينَ وإنْ كانَ قميصُهُ قُدَّ منْ دُبُرٍٍ فكذبتْ وهوَ منَ الصادقينَ. فلمّا رأى قميصَهُ قُدَّ منْ دُبُرٍ قالَ: إنَّهُ مِنْ كيْدِكنُّ إنَّ كيدَكُنَّ عظيمٌ. يوسُفُ، أعرضْ عن هذا واستغفري لذنبِكِ؛ إنَّكِ كنتِ منَ الخاطئينَ". وأسمّي هذا الموقف: موقف التخاصم.
    3) يجب التركيز والتأكيد على أن قولَ الله تعالى: "ولقد همّتْ به وهمَّ بها"، يتعلّّقُ بالموقف الثاني،أي موقف بين ما بعد الاستعصام، وبين بدء استباق الباب لفتحه للعزيز، ولا يتعلّقُ بما قبل الاستعصام. وإن لم نأخذ بهذا الاعتبار، فسيظلُّ "الهمَّان"، أو "الهمَّتان"، في قصة يوسف، عليه السلام، مهموماً بهما المفسرون إلى يوم الدين.

    ثانياً- الممهِّدات:

    1- قد حدثنا القرآن المجيد أن السوء والفحشاء، بمعنى: مقدمات الزنا من لمس وتقبيل وما إلى ذلك، والمواقعة الجنسيّة نفسها، كانا قد صُرِفا عن يوسف، عليه السلام؛ إذ استعصم مستعيذاً بالله تعالى: "وراودتْه التي هوَ في بيتِها عن نفسِهِ وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ: هيْتَ لكَ قالَ: معاذَ اللهِ؛ إنّهُ ربّي أحسنَ مثوايَ؛ إنّهُ لا يفلحُ الظالمونَ". فهذا هو الموقف الأول، أو الجولة الأولى. وبهذا فقد تقرر صرف السوء والفحشاء عنه، فما لمس، ولا لامَس، ولا لابَس. وما دام يوسف قد استعصم مستعيذاً بالله تعالى، فليس هناك لِما همَّ به، أيْ من بعدِ الاستعصام، أيُّ ارتباط بأيِّ أمرٍ يمكن أن يكون فيه مساس بعرضه، عليه السلام؛ إذ إن هذا الهمَّ قد جاء بعد استعاذته بالله تعالى. ولا ريْبَ أن الله تعالى قد أعاذه، وعصمه يومئذٍ منها، وحالت رحمته بينه وبين وساوس الشيطان.
    2- إذاً، فما الذي صُرِفَ عنه في قول الله تعالى: "كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنّهُ مِن عبادِنا المُخلَصينَ"؟ الذي صُرفَ عنه هنا هو التهمــــــــــــــة بإرادة السوء والفحشاء بامرأة العزيز، هذه التهمة هي التي صرفها الله عنه بأن رأى برهان ربّهِ، وهي التهمة التي قد جاءت في قول امرأة العزيز: "ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجنَ أوْ عذابٌ أليمٌ"؛ إذ إن قولَها هذا هو تلك التهمة. فالصرف المراد في :"لنصرفَ عنه السوءَ والفحشاءَ"، هو الصرف لما همّتْ به، هو صرف لما هددته به من السبق إلى العزيز لاتهامه عنده بالسوء والفحشاء.
    3- ومن حقّنا أن نأخذ الواو في "ولقد" من قول الله تعالى: "ولقد همّت به وهمَّ بها"، أن نأخذها بأنها تفيد الترتيب. وهذا الوجه يجب أن لا نهمله.
    4- ومن خلال أنَّ هذه الواو العاطفة في "ولقد"، هي واوٌ مفيدةٌ للترتيب، فإن الهمَّ يكون تابعاً أو مشكّلاً لموقف جديدٍ حاصلٍ من بعد موقف مراودة امرأة العزيز ليوسف، ومن بعد الاستعصام الذي حصل منه، عليه السلام.
    5- وماذا حصل من بعد أن أفلت يوسف، عليه السلام، من الوقوع في السوء والفحشاء، أي بعد أن استعصمَ؟.. حصل موقف جديد، هو موقف التهديد، تهديد له من امرأة العزيز مبادأةً، وتهديد منه لها مجاوبةً.
    6- فهل في القرآن المجيد ما يفيد أن "الهمَّ" هو التهديد؟..
    نعم، ومن أجل أن نبيّن أن معنى "همّت به" هو: هدّدته وتوعّدتْه، وأن "همَّ بها" معناه أيضاً: هدّدها وتوعّدها، يجب أن نستعرض ما جاء من هذا الفعل ومشتقاته في القرآن المجيد، وهو آتٍ ضمن اللزوم، بعد سطور معدوداتٍ.

    وباختصارٍ، كانَ حدثُ امرأةِ العزيزِ معَ يوسُفَ منْ ثلاث جولات، أو ثلاثة مواقف.
    لقد كانَ هناكَ موقف المراودةِ، وكانَ هناكَ موقفٌ ثانٍ بعدَ انتهائِها من خلال استعصامِ يوسفَ، وموقف ثالثٌ حين وصل العزيز وألْفياه لدى الباب. إذاً، فالقرآنُ الكريمُ يتحدّثُ عنْ موقفٍ قبلَ الاستعصامِ، وموقفٍ بعدَ الاستعصامِ من قبل مجيء العزيز، وموقف حين وصل العزيز. ومن هنا، فالهمُّ في ترجيحي، بلْ في اقتناعي، يتعلّقُ بموقفِ ما بعدَ الاستعصامِ، أي بما قبل استباق الباب لفتحه للعزيز، ولا يتعلّقُ بالموقف قبل الاستعصام. وبعدَ أنِ استعصمَ يوسُفُ همّتْ بهِ امرأةُ العزيزِ لتسبقَهُ إلى سيّدِها حينَما يجيءُ، ولتفضحَهُ عندَهُ، ولتشيَ بهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يجعلَها مُكْحُلةً لمِرْوَدِهِ، وقفلاً لمفتاحِهِ. وهمَّ يوسُفُ بها ليسبقَها إلى العزيزِ في لحظةِ وصولِهِ، ليخبرَهُ أنَّها قد راودتْهُ عنْ نفسِهِ. وحصولُ الاستباقِ "واستبقا البابَ" هوَ نفسُهُ دليلُ أنَّهُ قدْ سبَقَهُ تهديدٌ بالسبقِ، فهو استباق للباب جاء تنفيذاً لما هدّدَ به كلٌّ منهما الآخرَ، أيْ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما كانَ قدْ تهدَّدَ الآخرَ أنْ يسبقَهُ إلى العزيزِ عندَ وصولِهِ البيتَ ليتهمَه لديْه، وأنه قد أخذ أهبتَه ليسارع إلى الباب حينما يقدم العزيز من دوامه الرسميّ، فيكون هو البادئَ بالوشاية والشكاية.

    الهـــمُّ في سُطورٍ وسطورٍ!

    قالَ اللهُ تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ". وفي تفسيرِ هذا الهمِّ ثارتِ اختلافاتٌ بينَ المفسّرينَ، وصلتْ ببعضِهم أنِ كفّرً بعضاً آخرين لآرائِهم في همِّ يوسُفَ، بما ادَّعوهُ عليهِ منْ أنَّهُ قدْ حلَّ تِكّةَ السروالِ بعدَ أنِ استلقتِ امرأةُ العزيزِ على سريرِها، وقعدَ منها مقعدَ مَنْ يريدُ جعلَ المِرْوَدِ في المُكْحُلةِ. وقدْ تعجبُ عجباً كُبّاراً إذا ما علمتَ أنَّ القولَ بحلِّ التكّةِ، في بعض أمهات التفاسير، منسوبٌ لابنِ عبّاسٍ، وعلماءَ كبارٍ مثلِ مجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جُبيْرٍ. وكلٌّ – عندي – في ذلكَ ممن لم يحالفِ الصوابُ رأيَه. ولمْ يقفْ ولا أيُّ مفسِّرٍ، منْ قبلِ هذا البحث، على جليّةِ ذلك الهمِّ؛ إذْ إنهم جميعاً قد ربطوه بالمراودةِ، أيْ بما قبلَ الاستعصامِ، وكانَ هذا الربطُ هوَ سببَ الابتعادِ بهمْ عنِ الصحيحِ الصحيحِ؛ إذ إنه قد جعلهم يدورون في حلقةٍ مفرغةٍ، كالباسط كفّيْه إلى الماء ليبلغَ فاه، أو كالذي يطارد إوزاً برّيّاً، مثَلهم في ذلك كمثَلِ امرأة العزيز راودت يوسف عن نفسه، وإنَّ يوسفَ لَحصنٌ حصينٌ لو كانت من الراشدين.
    وما الصحيحُ الصحيحُ إلّا أنَّ ذلكَ الهمَّ مرتبطٌ بما بعدَ الاستعصامِ، أيْ هوَ يخصُّ موقفاً تالياً للاستعصامِ، وأنَّ هذا الهمَّ يحملُ معنى التهديدِ والوعيدِ.
    فهل في القرآن الكريم ما يؤيّد أن التهديد والوعيد من معاني الهمِّ؟ نعم، فإليك ذلك:

    1- "وهمّتْ كلُّ أمّةٍ برسولِهم ليأخذوهُ" (غافر- 5)؛ فما مِنْ قومٍ إلّا قدْ قالوا للرُّسُلِ مهدِّدينَ لهم: "لَنُخرِجَنَّكم منْ أرضِنا أوْ لتعودُنَّ في ملّتِنا" (إبراهيم - 13)؛ إذ إن همَّهم بهم لم يكن وساوس نفسٍ أو أحاديثها، بل كان قولاً صريحاً يهدّدهم على رؤوس الأشهاد.
    2- وقد هدّدَ أهلُ مدينَ أخاهم شعيباً إذ: "قالَ الملأُ الذينَ استكبروا من قومِهِ: لَنُخرجنَّكَ يا شعيبُ والذين آمنوا معكَ من قريتِنا أو لتعودُنَّ في ملتِنا، قالَ: أوَلوْ كنّا كارهينَ؟!" (الأعراف:88)، فهذا التهديدُ هوَ الهمُّ الذي همَّه قومُ شعيب بشعيب، وبالذين آمنوا معه.
    3- ولقدْ قصَّ عليْنا القرآنُ الكريمُ كيفَ أنَّ المنافقينَ في عهدِ الرسولِ، عليهِ السلامُ، وعلى رأسِهم عبدُ اللهِ بنُ أبي سلول، قدْ كانوا: "يحلفونَ باللهِ ما قالوا، ولقد قالوا كلمةَ الكفرِ بعدَ إسلامِهم وهمّوا بما لم ينالوا.." (التوبة - 74)؛ فالأمرُ المقصودُ بالهمِّ هنا ليسَ من خواطر النفسِ بل هوَ قولٌ صرّحوا بهِ وأسمعوهُ لغيرِهم، أيْ أنّهم قد همّوا بإخراجِ الرسولِ، أيْ تهدّدوا وتوعّدوا بإخراجِ الرسول منَ المدينة في قولٍ صريحٍ، وهو: "يقولونَ: لَئنْ رجعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ" (المنافقون – 8). وما من ريْبٍ أن هذا تهديد صريح مشفوع بالقسم.
    4- وقدْ سبقَ أنْ هدّدتْ قريشٌ الرسولَ، عليْهِ السلامُ، بالإخراجِ من مكّةَ قبلَ الهجرةِ: "وإذْ يمكرُ بكَ الذينَ كفروا ليثبتوكَ أو يقتلوكَ أو يخرجوكَ، ويمكرونَ ويمكرُ اللهُ، واللهُ خيرُ الماكرينَ" (الأنفال: 30)؛:"ألا تقاتلونَ قوماً نكثوا أيْمانَهم وهمّوا بإخراجِ الرسولِ وهمْ بدأوكم أوّلَ مرّة... " (سورة التوبة: 13)، فقد هدّدَت قريشٌ أن تُخرجَ الرسولَ من مكةَ لو جاءَ منَ المدينةِ وحاول دخولَها للحجِّ أو العمرةِ؛ إذ لم يكن ذلك حديثاً في النفس، بل كان وعيداً وتهديداً، جهاراً نهاراً. وقدْ بيّنَ الرسولُ، عليْهِ السلامُ، قبلَ الهجرةِ، أنَّ قومَهُ لا بدَّ مُخرجونَهُ منْها كما أخرجَ كلُّ قومٍ رسولَهم، وهذا ما يدلُّ على أنَّ الهمَّ الذي همّتْ بها كلُّ أمّةٍ برسولِها ليسَ خواطرَ نفسٍ، بلْ إنّه تهديدٌ صريحٌ، وتوعُّدٌ شديدٌ، وربَّما معَ قَسَمٍ في تعقيدٍ وتأكيدٍ: "لَنُخْرِجنَّكم". ولا ريْبَ أنَّ قولهم: "لَنُخْرِجنَّكم"، هو تهديدٌ مشدّدٌ، ووعيدٌ مؤكّدٌّ.

    وماذا في المعاجم عن الهمِّ؟

    قد بات واضحاً أن القرآن الكريم يؤيّد أن التهديد هوَ واحدٌ من معاني الهمَّ. فهل في لسان العرب ما يُحمّلُ الهمَّ "تهديداً"؟ هل في المعاجم ما يعزّزُ أن أحد معاني الهمِّ هو التهديد؟ قال ابن منظور في "لسان العرب": همَّ بالشيءِ يهُمُّ همّاً: نواه وأرادَه وعزمَ عليه. فالهمُّ هو العزم على الشيءِ، أي عقد النيّةِ على فعلٍ، أو وضعُ أمرٍ في البالِ على إرادةِ فعلِه. فهل التهديد هو عزمٌ على شيءٍ؟ هل التهديد هو وضع أمرٍ في البالِ على إرادة فعله؟ نعم، إن التهديدَ هو عزمٌ على فعل شيءٍ، بل هو الإعلان أو التفوّه عن إرادة شيءٍ، مع العزم عليه على سبيل الوعيد والتخويف. ومن هنا، فالتهديد بهذا، هو معنىً من معاني الهمِّ. وحتّى في اللغة الدارجة نجد أن الهمَّ يأتي بمعنى التهديد؛ وذلك كما هو في قول أحدِنا: سمعتُ فلاناً يتهمّمُ على فلان، أي يتهدّد عليه ويتوعّده. ومن ذلك أيضاً: تركت فلاناً يتهمّمُ بفلان، أو: تركت كلَّ واحدٍ وهو يتهمّمُ بالآخر. ونقول، مثلاً، عن حال أناس بينهم شجار وتبادل تهديدات: سمعناهم يتهاممون. وعلاوة على ما سبق، فإن الهمَّ في استعمال العرب يحمل معنى التصويت، أي إطلاق الصوت على زمجرة، أو كأن فيه دويّاً. ومن هنا، فإن "ولقد همّت به وهمَّ بها"، هو أنها قد صوّتّت به، صوّتـتْ فيه، صرّختْ عليه، وإنَّ "همَّ بها" هو أيضاً أنّ يوسفَ، عليه السلام، قد صوّتّ بها، صوّت فيها، صرّخَ عليها. والهديد في العربية هو الصوت، وهو الوعيد أيضاً. ومن هنا، فإن التهديد هو التصويت، أو إطلاق الوعيد، أي التصويت بالوعيد. وعلى هذا، فمن الممكن اعتبار أنَّ الهمَّ قد يأتي في بعض الاستعمالات مرادفاً للتهديد؛ إذ كلاهما يحمل معنى التصويت، وكلاهما يُستعمل في حقِّ الرعد تعبيراً عن دَويِّه. ولا ريْبَ أنَّ التصويت المتبادل، أو التصريخ المتبادلَ، وبخاصّةٍ في حالة الشجار، هو في المألوف تهديدٌ ووعيد. وليس بعيداً أن يكون ذلك هو ما أجاءَ بالعزيز في غير موعده الرتيب؛ إذ ربما سمع حارسُ القصر بالهمهمةِ؛ إذ كانت الأبواب والنوافذ مغلّقةً، فسارع إلى سيّده، وربما كان مكتب الأخير غيرَ بعيد، فسارع إليه يخبره بحدوث أصواتٍ غير عاديّةٍ داخل بيته، فجاء ولمّا تنته التهديداتُ، فهمهم في نفسها ما همهمَ، وقرع البابَ فقرع سمعَه كلامٌ كذّابٌ: "ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكِ سوءاً"؟!.

    التهديدات المتبادلة بعد استعصام يوسف


    ومع أن العائب هائبٌ بالطبع، إلّا أن أسلوبَ التهديدِ بفضحِ البريءِ بالصراخِ المصطنعِ، وما إلى ذلكَ، هوَ حيلةٌ تلجأُ إليْها النسوانُ لاضطرارِ مَنْ يراودْنَهُ محصوراً، مغلّقةً عليه الأبواب، لاضطراره إلى تلبيةِ ما يُرِدْنَ في محاولة أخيرة ترمي فيها إحداهنّ بآخر سهم في جعبِتِها، فإنْ لمْ يكنِ الذي يراودنَه يقتربُ رَغَباً في الجنسِ والسفاحِ، فربّما ينجذبُ قسراً، رَهَباً منَ الحبْسِ والانفضاحِ. ولكنَّ يوسُفَ لم يكن لِيأبَهَ لكلامِ امرأة العزيز بوعيده وتهديده، ولا يخضعُ لها، بلْ كان يُشعرُها، ردّاً عليْها، متهدّداً بأنَّهُ هوَ الذي سيفضحُها للعزيزِ، ويقصُّ عليْهِ حقيقةَ ما حدثَ. أجلْ، انتهتِ المراودةُ، ووصلَ الحالُ بيوسُفَ إلى الاستعصامِ، وهنا أخذَ كلٌّ منهما يهمُّ بالآخرِ مُنذراً بالانتقامِ، أيْ يتهدَّدُهُ ويتوعَّدُهُ وهوَ مَغيظٌ، إضماراً لأشياءَ، وإظهاراً لأشياءَ، من خلال التهديد بالسبقِ إلى العزيزِ حينَ قدومِهِ، والوشايةِ بهِ، وفضحِهِ عندَهُ. وكما نقولُ في العاميّةِ: هيَ قدْ "تحلَّفتْ لهُ"، أيْ تهدّدتْهُ وتوعّدتْه أنْ تسبقَهُ إلى العزيزِ للوشاية به أنه قد أرادها بالسوء والفحشاء، يظنّها بغيّاً. وهوَ قدْ "تحلَّفَ لها"، أيْ تَهدَّدَها وتوعّدها بالسبقِ إلى العزيزِ، وأنْ يقولَ لهُ: إنها قد راودته عن نفسه تريده أن يقضيَ لها وطراً جنسيّاً. ومنْ هنا أدخلَ كلٌّ منهما في نفسِهِ وجوبَ سبقِ الآخرِ، مهدِّداً لهُ أنْ يشيَ بهِ ويفضَحَهُ، أيْ متوعّداً لهُ بالاتِّهامِ لهُ لدى العزيزِ نفسِهِ. وكما سبق، فالذهابُ إلى التهديدِ معنىً للهمِّ، يجدُ لهُ مؤيّداتٍ منَ القرآنِ الكريمِ: "وهمَّتْ كلُّ أُمَّةٍ برسولِهم لِيأخذوهُ" (غافر: 5)، توعّدوا وتهدّدوا، جِهاراً وإسراراً، أنْ يأخُذوهُ بالعذابِ أوِ الرجمِ أوِ النفيِ. وما منْ قومٍ إلّا تهدَّدوا الرُّسلَ مُقسمينَ أنْ ُيخرجوهُم منْ بينِهم: "وقالَ الذينَ كفروا لِرُسُلِهم لَنُخْرِجَنَّكُمْ منْ أرضِنا أوْ لَتعودُنَّ في ملّتِنا فأوحى إليْهم ربُّهم لَنُهلِكنَّ الظالِمينَ" (إبراهيم: 13). والنصُّ الكريمُ منَْ "سورةِ غافر" يساعدُنا للتذكيرِ بالوجهِ الثاني الممكنِ أنْ نفهمَ بهِ الهمَّ على أساسِ أنَّهُ يتعلَّقُ بموقفِ ما بعدَ الاستعصامِ، أيْ يمكنُ أنْ نفهمَ: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ" هكذا: {ولقدْ هددّتْهُ وتوعّدَتْهُ بالسبقِ للوشايةِ بهِ لزوجِها، وفي مقابلِ ذلكَ، فإنَّ يوسفَ نفسَه قدْ تَهدَّدَها وتوعَّدَها أنْ يسبقَها، وأنْ يشيَ بها لسيّدِهِ، ولكنْ كانت هي التي سبقته بالشكاية والوشاية إليه، ولوْلا أنْ رأى يوسُفُ برهانَ ربِّه لَكانَ هو الذي سبقََ بهما إليه}. وبعبارات أخرى: {ولقدْ هددّتْهُ وتوعّدَتْهُ أن تسبقه إلى العزيز زوجِها حينَ قدومِهِ، لتتهمه عنده بأنه أراد بها السوءَ والفحشاءَ، وهوَ الآخرُ قد ردَّ عليها فتَهدَّدَها وتوعَّدَها أنْ يسبقَها إليه، وأنْ يشيَ بها بأنها راودته عن نفسِهِ. ولكنها هي التي سبقته إلى الاتهام مُمضيةً تهديدَها: "قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ؟!"، ولولا أنَّ يوسف قد رأى برهان ربِّه لَكان هو الأسبقَ منها إلى العزيز بالوشاية والشكاية تنفيذاً لتهديده:"قالَ:هيَ راودتْني عنْ نفسي"}. فكلٌّ منهما قد نفّذَ تهديدَه، ولكنها كانت هيَ الأسبقَ منه في القولِ إلى العزيز، وذلك لسبب أنّ يوسفَ، عليه السلام، كان قد رأى برهانَ ربّه، ممّا جعله يعطيها الفرصةَ لسبقِه بذلك القول. لقدْ همّتْ هيَ بيوسُفَ، أيْ أخذتْ تهدِّدُهُ لتسبقَهُ، ولتقولَ للعزيز زوجِها قولَها المتَّهمَ لهُ بالسوءِ، وقد همَّ هوَ الآخرُ بها، أيْ أخذَ يتهدَّدُها ليسبقَها، وليقولَ للعزيزِ سيّده: إنَّها قد راودتْهُ عنْ نفسِهِ. هي هددته أن تتهمه عند العزيز، لكن بماذا هددته؟ لقد هدّدته بالسجن أو العذاب الأليم، وهو ما طلبته من سيّدها عقوبة له: " قالتْ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلّا أنْ يُسجَنَ أوْ عذابٌ أليمٌ"، وهو التهديد نفسه الذي قالته لاحقاً أمام النسوة اللاتي قطعن أيديّهن يومَ المتّكأِ، وعلى مسمع من يوسف نفسِه: "ولئنْ لمْ يفعلْ ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ ولَيكوناً منَ الصاغرينَ". ومن الواضح أنها قد هدّدتْه من أجل أن يرضخ لتلبية مجامعتها، وكأنّي بها تقول له: ولئن لم تفعل ما آمرك به من جماعي لأقولّن للعزيز: إنك حاولت اغتصابي فاستعصمتُ، ولأجعلنَّه يسجنك ويعذبك عذاباً أليماً. وقد يكونُ مفيداً في سياقِ تكريرِ الحديثِ عن الهمِّ، أنْ نستشهدَ ببيتٍ منَ الشعرِ يقولُ فيهِ عُمَيْرُ البرجميُّ، حينَما داسَ في بطنِ الخليفةِ المقتولِ عثمانِ بنِ عفّانَ وكسرَ ضلعَهُ:
    همَمْتُ ولمْ أفعلْ وكـِدْتُ، وليْتَني تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُهُ
    فمنَ الواضحِ أنَّ هذا الأحمقَ الأثيمَ كانَ قدْ تهدَّدَ بأنْ يقتلَ الخليفةَ الراشدَ عثمانَ بنَ عفّانَ، رضي الله تعالى عنه، وكادَ يقتلُهُ لولا أنَّ غيرَهُ قدْ سبقَهُ إلى تلك الجريمةِ النكراء.

    آراء المفسرين في الهمّ


    1- انطلاقاً منْ تفسيرِ الهمِّ على أنَّهُ منَ العزمِ على الفعلِ دونَ تحقيقِهِ، ذهبَ بعض المفسرين إلى أنَّ امرأة العزيز قدْ نزعتْ ثيابَها وقعدتْ ليوسف، عليه السلام، مستلقيةً مقعدَ الزوجةِ لزوْجِها تقولُ لهُ: "هيْتَ لكَ"، وأنَّهُ هوَ قد أخذَ في الاستجابَةِ، وحلَّ تكّةَ سروالِهِ، وقعد منها مقعدَ الزوجِ لِزوْجتِهِ من أجل المجيء بأطفاله.
    2- وأيضاً انطلاقاً منْ تفسيرِ الهمِّ على أنَّهُ منَ العزمِ على الفعلِ دونَ تحقيقِهِ، ذهبَ آخرونَ إلى أنَّها هيَ قدْ همّتْ بهِ لتقتلَهُ، وأنَّهُ هو قدْ همَّ بها ليقتُلَها.
    3- ومن المنطلق السابق أيضاً، فقد فسّرَ بعضُهمُ الهمَّ المذكورَ بأنَّهُ منْ حديثِ النفسِ والخواطرِ التي تخطرُ على البالِ، أوْ منْ ميْلِ الطباعِ البشريّةِ لحبِّ الشهواتِ من النساء.
    1) همُّها هيَ بهِ كانَ عزماً معَ الإصرارِ على فعلِ الفاحشةِ، وهمُّهُ هوَ بها كانَ خاطراً دونَ إصرارٍ.
    2) وفي تفسير الجلاليْن: قصدت إلى جماعه، وقصد إلى جماعها.
    3) مالتْ إليْهِ وطمعتْ فيهِ وهمّتْ بمخالطتِهِ، ومالَ إليْها وطمعَ فيها وهمَّ بمخالطتِها، وذلكَ بمُقتضى الطبيعةِ البشريّةِ والجبِلَّةِ الخلْقيّةِ.
    4) أخذت تجذبُهُ إليْها، وأخذ يدفعُها ويبعدُها عنهُ.
    5) أخذت تضربُ، وأخذ يهرب.
    6) شرعَ في الهربِ منها يريدُ الخُروجَ من البابِ، فقامتْ هيَ تجري لِلْإمساكِ بهِ منَ الثيابِ.
    7) المقصودُ منَ الهمِّ في حقِّ يوسُفَ ليسَ حصولَ فعلِ الهمِّ منهُ، بلْ مقاربتُهُ.
    8) تمنته عشيقاً، وتمنّاها زوجة.
    9) وذهبَ عددٌ منَ المفسرينَ إلى عدمِ وقوعِ أيِّ همٍّ منْ يوسُفَ البتّةَ، معتبرين أنَّ هناكَ تقديماً وتأخيراً وحُذوفاً، أيْ إنَّ هؤلاءِ النفرَ قدْ فهموا قولَ اللهِ تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لولا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ" - فهموهُ - هكذا: (ولقدْ همّتْ بهِ ولوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ لَهَـمَّ بها كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ)؛ وقدْ لجأوا إلى هذا انطلاقاً منَ اعتبارِ أنَّ "لوْلا" هيَ حرفُ امتناعٍ للوُجودِ، أيْ أنَّ الهمَّ منْ يوسُفَ قدِ امتنعَ لوجودِ البرهانِ.

    رأيٌ ليس للاعتماد

    ولوْ أنّني كنت أعتبرُ أنَّ الهمَّ مرتبط بجولة ما قبل الاستعصام، وكنت لا آخذ بالسياق والقرائن، فإنني كنتُ سأضيف إلى هذه القائمة رأياً جديداً متّكئاً على معنى من معاني الهمِّ غفل عنه المفسرون. فما هو ذلك المعنى؟ هو أن الهمَّ في لغتنا العربية يأتي بمعنى: التسييل، أو الإسالة. وإن لم تكن لي في هذا من المصدّقين، فاستشر ابن منظور، أو من شئتَ من المعجميّين. ويجب أن نتذكّر أن يوسف، عليه السلام، لم يكن يوم المراودة نبيّاً، أي كان حينَئذٍ بشراً غيرَ معصوم. ومن هنا، فإنه نتيجة المراودة والإغراءات والإثارات، ربما تأثّر قليلاً فسال مذيُه، أي إنه قد سيّلَ، أو أمذى بسببِها؛ إذ ليس مستبعَداً أنها ربما فاجأته عاريةً مبْرِزة قد تعطّرت وأخذتْ زينتَها كأنها العروس ليلة زفافها. وأمّا هي، امرأة العزيز، فقد كانت ثائرةً فائرةً جنسيّاً فحصل عندها تسييل من قبلِه، أي قد أمذتْ بسببه، وربّما بمجرّد التفكير فيه. وانطلاقُ المذْيِ من الرجل أمام المغريات الجنسيّةِ هو أمرٌ جِبِلّيٌ، هو فعل انعكاسيٌّ، وهو في الغالب انطلاقٌ غيرُ إراديّ. وأمّا القولُ: إن الحال قد وصل به إلى حلِّ التكِّةِ، وقعد منها مقعد الرجل من زوجته، فما هو بقول رشيد. وعلى كلِّ حالٍ، فلئن كان يوسف في منظر جمالِه كأنه ملَكٌ، إلّا أنه كان جسداً يرى النساء: "وإنْ لم تصرفْ عنّي كيْدَهنَّ أصبُ إليْهنَّ وأكنْ منَ الجاهلينَ"، فما كان يوسف حجراً، ولكن كان بشراً. ولقد قال الله تعالى في حقِّ النبيِّ محمدٍ، عليه السلام : "لا يحِلُّ لكَ النساءُ من بعدُ ولا أنْ تبدَّلَ بهنَّ من أزواجٍ ولوْ أعجبَكَ حُسْنُهنَّ"(الأحزاب: 52). والذهاب إلى التسييل معنىً للهمِّ، يؤيّده اللسان العربيُّ. ويسمّي العرب المطر اللين الدقيق، الرقيق القطرات، باسم: الهميمة. ولا ريْبَ أنَّ المذْيَ هو سائلٌ ليّن القطرات، بل هو قطرات مليّنة. ومن الممكن أن نعتبر أن الباء في: "ولقدْ همّت به" زائدة، وكذلك في: "وهمَّ بها"، فيكون كلٌّ منهما قد أسال من الآخر ما أسالَ. وفي هذه الحالة من الممكن أن نفهمَ قول الله تعالى: "ولقدْ همّتْ بهِ وهمَّ بها لوْلا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ كذلكَ لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاءَ" على هذا النحوِ: ("ولقدْ أسالتهْ وأسالها، ولوْلا أن اللهَ تعالى أراهُ البرهانَ استجابةً لاستعاذته به، لَأََجابها إلى دعوتِها في قولها: "هيْتَ لك"، وبهذا الإيراء فقد صرفْ الله تعالى عنه مقدّمات الزنا جميعَها، والزنا نفسَه). وفوق هذا كلّه، فإن انطلاقَ المذْيِ من يوسف، عليه السلام، لو أنه قد حصل، لا يعني حدوثَ أيِّ عزمٍ منه على الاستجابة لها جنسيّاً، ولا يعني أيضاً حدوثَ أيّ خاطرٍ في باله لتلك الاستجابة خضوعاً للميول الجبلّيّةِ في اشتهاء النساء؛ لأن الإمذاءَ نفسَه فعلٌ انعكاسيٌّ. فإن كان قد حصل منه بوادرُ استجابةٍ، فهي بوادر أوليّةٌ انعكاسيّة عن غير إرادة، وعن غير نيّة. وعلى كلِّ حالٍ، فالمذْيُ لا يعني بالضرورة أنه مرتبط بالعزم على أيّة ممارسة جنسيّةٍ، أو إرادة ما هو من مقدّماتها، أو من الانخراط فيها، أو مباشرة ما هو أدنى من ذلك، من اللمس أو التقبيل أو ما شابه.

    وبعدَ اليومِ: لا همَّ منَ "الهمِّ"!

    لا ريْبَ عندي في أنّ الهمّيْنِ، أو الهمّتيْنِ، همَّ امرأةِ العزيزِ بيوسُفَ، وهمَّ يوُسفَ بها، هما ممّا يرتبطُ بما بعدَ الاستعصامِ، وهما من نوعٍ واحدٍ، أي لهما المعنى نفسه، وهو التهديد. وعندما تريدُ امرأةٌ مُختليةٌ جرجرة رجلٍ على أنْ يقضيَ لها رغبةً جنسيّةً، فإنَّها في العادةِ تتبّعُ معهُ حيلةَ المُراودةِ أوّلاً، ثمَّ إذا ما فشلتْ، واغتاظتْ، فإنَّها تلجأُ إلى الحيلةِ الاحتياطيّةِ، تالياً، ألا وهيَ محاولة الاستكراهِ منْ خلالِ التهديدِ بفضحِ أنَّهُ حاولَ اغتصابَها، ثأراً منْ عدمِ الاستجابةِ لندائِها، وتضميداً لجراحِ كبريائِها، أوْ سعياً وراءَ أنْ تورّطَهُ حتّى تحتاطَ أنْ لا يفضحَ هوَ أنَّها قدْ راودَتْهُ عنْ نفسِِهِ، ظنّاً منَ المرأة أنَّها بهذا تُدخلُ في نفسِهِ أنَّهُ قدْ تورّطَ فعلاً، وأنَّ الفضيحةَ قادمةٌ لا محالةَ، وأنَّهُ رهباً منَ الفضيحةِ، إنْ لمْ يكنْ رغباً في الجنسِ، لم يعُدْ أمَامَهُ إلّا أنْ يستجيبَ لها. وما كانَ أمرُ امرأةِ العزيزِ معَ يوسُفَ إلّا منْ مثلِ هذا. وفيِ الختامِ، أرجو اللهَ تعالى، حامداً لهُ حمداً كثيراً، أنْ يدرك المسلمونَ: أنَّ الهمَّ الذي همَّ بهِ يوسُفُ، وهمّتْ بهِ مراوِِدتُهُ، قدْ جاءَ بمعنى: التهديد والوعيد، وأنه قد حصل بعد جولة المراودة والمطاردة، وبعد استيئاسها من استجابته بعد أن استنفدت واستفرغت كل محاولات الإغراء موصلةً لها إلى الاستلقاء عارية، والتصريح بطلب الاستعلاء راجية. ولا ريْبَ عندي أنَّ هذا هوَ الحلُّ السليم الذي غفلَ عنهُ المشتغلونَ في تفسيرِ القرآنِ المجيدِ لأربعةَ عشرَ مئةٍ سنينَ والمزيدِ. أجلْ، إنَّها كلمةٌ، ولكنْ!.. ولكن، حانَ اكتشافها، وما هو إلّا اكتشاف من القرآن الكريم نفسه. ومنْ يعرفُ كمَ صرفَ المفسّرونَ منْ أوقاتٍ وخلافاتٍ في همِّ امرأةِ العزيزِ بيوسُفَ، وهمِّ يوسُفَ بها، فإنَّهُ قدْ يصرفُ عنّي كلَّ لوْمٍ على بعض التطويلِ والتكريرِ، ولوِ استغرقَ ما أرى منَ الآراءِ مجلَّداً، معَ أنه ممكنُ التلخيصِ في سطرٍ، بلْ في كلمتيْنِ. وبهذا الفضل من الله تعالى، آمل أن أُريحَ المسلمينَ مِنْ هُمومِ هذا الاختلافِ الذي تجرجرَ مجرجراً لهمُ أزماناً وحُقُباً حتّى كفّرَ بعضُهم بعضاً، أوْ قد همَّ بعضُهم بتكفيرِ بعضٍ إن لم يرجع عن رأيه. وما مِنْ مسلمٍ قرأَ قصَّةَ يوسُفَ إلّا وتلهَّفَ إلى فكِّ لغزِ "الهمِّ"، وحلِّ سرِِّ "البرهانِ"، والخلاصِ منْ همِّهِما. وكلُّ لغزٍ وإنْ طالَ انستارُهُ لا بدَّ يوماً أنْ ينكشفَ.

    من كتاب "التفسير الغائب"
    تأليف: عطية زاهدة

    التعديل الأخير تم بواسطة عطية زاهدة; الساعة 13-03-2014, 08:12.
  • مباركة بشير أحمد
    أديبة وكاتبة
    • 17-03-2011
    • 2034

    #2
    بداية أشكرك يا عطية ،على جهودك المبذولة لتنوير العقول .
    ثانيا ،علماء التفسير ماثبت قط ،أنهم اختلفوا لدرجة تكفير بعضهم بعضا ،،،بل يعتقدون على الدوام في الإختلاف رحمة.
    ثالثا ،معنى الهم لايدلل على أنه هو" التهديد" ،،، أو"الإسالة "كما تحسب،ثم أن النبوة ليست شهادة تقدير، يتحصل عليها النبي في يوم محدود ،إنما النبوة يغشى بريقها أنفاس النبي ،وبصيرته منذ لحظة ميلاده ،فالأنبياء لهم سلوكات تميَزهم عن غيرهم من بني آدم ،ويتمثل ذلك في سماحتهم ،صدقهم ،بعدهم عن المنكرات ،عدم سجودهم لغير الله ....فكيف لمن عصمه الله ، يختلي بامرأة و تغلبه" الإسالة" يا أخي ؟؟
    ***********
    الآية واضحة ،وضوح الشمس عند إشراقتها ،فلماذا نرحل بعيدا بأفكارنا ؟
    زوليخاكانت مختلية به ،وذائبة في عشقه ،فكيف تهدده بزوجها ،،،في لحظة "رومانسية" ،تسيطر عليها الغريزة ؟
    همَت به زوليخة ،أي أرادته ،وعزمت على احتضانه - إن صح القول - أما هو ،فلقد رأى برهان ربَه ،لهذا لم يهمَ بها " لولا أن رأى برهان ربَه "وبعد ذلك استبقا الباب : بمعنى أنه كان يسعى إلى خلاصه منها بفتح الباب ،أماهي ،فكانت تحاول منعه مما هو مقدم عليه" أي غلق الباب" .،وفجأة ألفت سيَدها عند الباب .وكان ماكان.

    كيف رأى يوسف عليه السلام برهان ربَه ؟؟

    يقول الله تعالى :" وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همَت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"
    ما نفهمه من سياق هذه الكريمة أن امرأة العزيز قد همَت بيوسف أي أقبلت عليه، وعزمت على المعصية، بيد أنه كان سيهم هو الآخر بها لولا أن رأى برهان ربه ، الحجة القاطعة، والتي مابعدها من شك والمتمثلة في علمه بجزاء الظالمين في الحياة الدنيا والآخرة . وبما أن البرهان يستوجب الرؤية قصد التحقق ،فإن الفعل " رأى" قد دل على أن يوسف عليه السلام كان على يقين من النتيجة المخزية التي سيؤول إليها لو عصى ربه واقترف ذنبا في حق نفسه بخيانته لسيَده الذي أحسن مثواه . وهذا يفند ماجاء به بعض المفسرين على أن يوسف قد همَ بامرأة العزيز، وجلس على مقربة منها كما الزوج من زوجته . وهنا يتشكل السؤال : كيف رأى يوسف عليه السلام برهان ربه ،إذا لم يمرَ بتجربة سابقة، وهو المقدَر له أن يعيش في بيئة تتنفس أرضيتها تحت وطأة الكفر والوثنية ؟
    و يتفرع الجواب إلى احتمالين :إما أن يوسف قد رأى ذلك بفضل من ربه ببصيرته ،ووفقا لمداركه التي منَ الله بها عليه كرجل صالح ،ونبيَ لتلك الأمَة ،أوجاءت على سبيل المجاز لتوضح أنه قد خاف الولوج في المعصية وكأنه رأى نفسه مقيدا بحبال الذنب بين يدي ربه . ففي كلتا الحالتين ،نستشف مما سبق ذكره أن يوسف عليه السلام قد نفر من معصية الخيانة، وماهمَ بزوليخا أبدا،إنما هرب منها رغم الأبواب الموصدة بإحكام .
    وكيف له أن يفعل ذلك،ورؤية عقوبة المعصية ونتائجها الوخيمة تنفي وقوعها ،وما يؤدي إليها من خطوات ،وكذلك فإن الله عزوجل قد ألقى في قلبه نور المعرفة والإيمان، واجتباه وفضلَه على كثير من خلقه ،وكان من عباده المخلصين، الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ؟
    يقول تعالى : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين "

    والله أعلم

    التعديل الأخير تم بواسطة مباركة بشير أحمد; الساعة 13-03-2014, 13:01.

    تعليق

    يعمل...
    X