حينما فتحت باب سيارة الأجرة و هبطت برجلي اليسرى ولأول مرة في لندن ..استقبلني طقسها الواجم ..الأرصفة الرمادية المبتلة بالمطر .
ورشاش المطر الذي يتساقط على كل شيء.
موسيقى الجاز الكلاسيك المنبعثة من المقاهي التي تتنشر حول الطرقات ..المكتبة الصغيرة المواجهة للطريق العام ..بار في نهاية الطريق .. كانت الساعة تشارف على الرابعة صباحا.
استرقت النظر في مدخل البار, انتابني فضول هفهاف لأرى ما داخل الحانة.
لعل كأساً من الويسكي المزدوج سيحل الكثير من عقد الكون او كأس فاخراً من الشمبانيا سيعقد صفقة رابحة ..العديد من السكارى والكثير من المترنحين .
اسكرتني رائحة الخبز الفرنسي تنبعث من المخبز المحاذ.. دكان الأجبان يعرض على مقدمة محلة أحسن واغلى طرز الأجبان الفرنسي .
لفقتني موجة صقيع صغيرة فطويت معطفي على جسدي جيداً ..ثم أعطيت لسائق التكسي اجرته وأخفضت له قبعتي وتشكرته على احتمالي طيلة هذا الطريق من المطار وتحمله مشقة البحث عن عنوان صديقي الذي أنتقي السكن في احياء لندن الضيقة .
و قفت منتصباً قابضا حقيبتي الكبيرة في سط طريق لندن الكبير متأملاً الضباب الفاتر الذي أحاط بالأحياء جمعها فشعرت وكأني أنزوي في كرة ثلج مطوقا بالمطر والضباب.
سحبت ورقة كانت في جيبي القيت عليها نظرة سريعة ورددتها بسرعة بعد ان بللها رذاذ المطر .
غادرت الطريق بسرعة متوجة الى عمارة قاتمة جراء تبللها بالغيث والضباب فصارت كعمارات البؤساء في الرواية الفرنسية الشهيرة للكاتب فكتور هوجو وشعرت بأن الشرطي فرانسوا فيدوك يلاحقني.
عندئذ ما لبث الرذاذ البارد الا ان تكاثر في الهطول فبللني بشدة فصرت وكأني بطة تعوم في شوارع لندن.. وتبلل حذائي الجديد وجورباي وبناطلي .
ركضت بعجالة.
وثبّت أصابعي الرطبة أزرار الأجراس ورحت أقرع الأجراس بلا تنظيم فجاء الجواب من سيدة فرنسية.
التفت في بادئ الأمر .. وكأنما صوتها يخرج من أسطوانة قديمة ..ذكرني صوتها بإديت بياف التي طالما سمعت غناها مرارا وتكرار رغم انفي.
ولطالما سألت والدي عن فحاوى ما تلفظه .. غير إن رد والدي المعتاد : وانت ويش عليك اسمع وانت ساكت .
لفظت شيئاً بالفرنسية .. فتلبسني الشعور بالغباء حينها .. بالكاد اتحدث الإنجليزية كيف بي وأنا قبالة الفرنسية ..جربت أن اشرح لها ما تصبو إليه نفسي غير إنها أخذت في الصريخ ولمست وقتها انها تشتمني وطالما تذكرت ألفاظ الشتام من الأفلام الغربية فأفأت بأول ما جاء على لساني أو ما كنت أغضبه.
غضبت السيدة وأقفلت الجرس .
تجولت في الأحياء أجر خلفي حقيبتي الكبيرة وقررت أن أعود مجددا إلى طريق لندن ابحث عن سيارة أجرة ودعيت الله ان يتحدث سائقها الإنجليزية.
أوقفت سيارة أجرة.. وذهبت أرى سائقها فإذا هو هندي الجنسية.. فابتسمت وقلت له فرحاً : هو انتون ورانا ورانا حتى في لندن.
ركبت مسرعا وعاونني السائق في رفع حقيبتي الكبيرة وحينما سألني إلى اين ؟
لا أدري إلى إين فقط خذني من هنا .
وأخيراً الدفء يتسرب إلى جسدي المبتل .. لا ارغب في مغادرة السيارة. يطرق سمعي غناء بإديت بياف فأفتح عيني مفزوع ولأول مرة عندي قرار الاختيار ان لا استمع الى غنائها .. أمرت السائق أن يرفع الصوت, لم أكن ادرك لماذا؟.. لكن صوتها يذكرني بالوطن.
أخرجت الورقة من جيبي ودسستها إلى السائق وسرعان ما عدت إلى عمارة البؤساء .
الباب مغلق والأجراس مغلقة ماعدا جرس السيدة الفرنسية.
سأطالب منها هذه المرة بلطف أن تسمح لي بالولوج الى العمارة فقط .
جاء صوتها مجدداً تمنيت لو أن تدوم تلغو بصوتها الذي يبوء قلبي إلى الوطن : افتحي الباب فقط يا سيدتي أمضيت يوماً في العراء و العتمة على وشك الحلول والبرد قارص .
غضبت بشدة هذه المرة لكنها حققت لي أمنيتي.. وبقت ترغي كثيراً قبل أن تقفل السماعة
أحسست باليأس فجلست فوق الرصيف وأخذت أسحب ما في جيبي بدون سبب, صورة طفلتي كم اشتقت إلى يديها الناعمتين ووجنتيها العبقتين, وملاحظات زوجتي لحاجيات المنزل الناقصة.. والورقة البيضاء ورقة العنوان , رميت بورقة زوجتي على الأرض.
فبدأت تتخبط تحت قدمي حتى استقرت على ظهرها , فتذكرت فجأة لقد كتبت العنوان خلف ظهر ورقة ملاحظات زوجتي , رفعت الورقة البيضاء اتفحصها اذاً ما هذه ؟ انه رقم هاتف صديقي مع فتح الخط صادف انه مشابه تماما إلى عنوان عمارة البؤساء .
حواء الأزداني.
ورشاش المطر الذي يتساقط على كل شيء.
موسيقى الجاز الكلاسيك المنبعثة من المقاهي التي تتنشر حول الطرقات ..المكتبة الصغيرة المواجهة للطريق العام ..بار في نهاية الطريق .. كانت الساعة تشارف على الرابعة صباحا.
استرقت النظر في مدخل البار, انتابني فضول هفهاف لأرى ما داخل الحانة.
لعل كأساً من الويسكي المزدوج سيحل الكثير من عقد الكون او كأس فاخراً من الشمبانيا سيعقد صفقة رابحة ..العديد من السكارى والكثير من المترنحين .
اسكرتني رائحة الخبز الفرنسي تنبعث من المخبز المحاذ.. دكان الأجبان يعرض على مقدمة محلة أحسن واغلى طرز الأجبان الفرنسي .
لفقتني موجة صقيع صغيرة فطويت معطفي على جسدي جيداً ..ثم أعطيت لسائق التكسي اجرته وأخفضت له قبعتي وتشكرته على احتمالي طيلة هذا الطريق من المطار وتحمله مشقة البحث عن عنوان صديقي الذي أنتقي السكن في احياء لندن الضيقة .
و قفت منتصباً قابضا حقيبتي الكبيرة في سط طريق لندن الكبير متأملاً الضباب الفاتر الذي أحاط بالأحياء جمعها فشعرت وكأني أنزوي في كرة ثلج مطوقا بالمطر والضباب.
سحبت ورقة كانت في جيبي القيت عليها نظرة سريعة ورددتها بسرعة بعد ان بللها رذاذ المطر .
غادرت الطريق بسرعة متوجة الى عمارة قاتمة جراء تبللها بالغيث والضباب فصارت كعمارات البؤساء في الرواية الفرنسية الشهيرة للكاتب فكتور هوجو وشعرت بأن الشرطي فرانسوا فيدوك يلاحقني.
عندئذ ما لبث الرذاذ البارد الا ان تكاثر في الهطول فبللني بشدة فصرت وكأني بطة تعوم في شوارع لندن.. وتبلل حذائي الجديد وجورباي وبناطلي .
ركضت بعجالة.
وثبّت أصابعي الرطبة أزرار الأجراس ورحت أقرع الأجراس بلا تنظيم فجاء الجواب من سيدة فرنسية.
التفت في بادئ الأمر .. وكأنما صوتها يخرج من أسطوانة قديمة ..ذكرني صوتها بإديت بياف التي طالما سمعت غناها مرارا وتكرار رغم انفي.
ولطالما سألت والدي عن فحاوى ما تلفظه .. غير إن رد والدي المعتاد : وانت ويش عليك اسمع وانت ساكت .
لفظت شيئاً بالفرنسية .. فتلبسني الشعور بالغباء حينها .. بالكاد اتحدث الإنجليزية كيف بي وأنا قبالة الفرنسية ..جربت أن اشرح لها ما تصبو إليه نفسي غير إنها أخذت في الصريخ ولمست وقتها انها تشتمني وطالما تذكرت ألفاظ الشتام من الأفلام الغربية فأفأت بأول ما جاء على لساني أو ما كنت أغضبه.
غضبت السيدة وأقفلت الجرس .
تجولت في الأحياء أجر خلفي حقيبتي الكبيرة وقررت أن أعود مجددا إلى طريق لندن ابحث عن سيارة أجرة ودعيت الله ان يتحدث سائقها الإنجليزية.
أوقفت سيارة أجرة.. وذهبت أرى سائقها فإذا هو هندي الجنسية.. فابتسمت وقلت له فرحاً : هو انتون ورانا ورانا حتى في لندن.
ركبت مسرعا وعاونني السائق في رفع حقيبتي الكبيرة وحينما سألني إلى اين ؟
لا أدري إلى إين فقط خذني من هنا .
وأخيراً الدفء يتسرب إلى جسدي المبتل .. لا ارغب في مغادرة السيارة. يطرق سمعي غناء بإديت بياف فأفتح عيني مفزوع ولأول مرة عندي قرار الاختيار ان لا استمع الى غنائها .. أمرت السائق أن يرفع الصوت, لم أكن ادرك لماذا؟.. لكن صوتها يذكرني بالوطن.
أخرجت الورقة من جيبي ودسستها إلى السائق وسرعان ما عدت إلى عمارة البؤساء .
الباب مغلق والأجراس مغلقة ماعدا جرس السيدة الفرنسية.
سأطالب منها هذه المرة بلطف أن تسمح لي بالولوج الى العمارة فقط .
جاء صوتها مجدداً تمنيت لو أن تدوم تلغو بصوتها الذي يبوء قلبي إلى الوطن : افتحي الباب فقط يا سيدتي أمضيت يوماً في العراء و العتمة على وشك الحلول والبرد قارص .
غضبت بشدة هذه المرة لكنها حققت لي أمنيتي.. وبقت ترغي كثيراً قبل أن تقفل السماعة
أحسست باليأس فجلست فوق الرصيف وأخذت أسحب ما في جيبي بدون سبب, صورة طفلتي كم اشتقت إلى يديها الناعمتين ووجنتيها العبقتين, وملاحظات زوجتي لحاجيات المنزل الناقصة.. والورقة البيضاء ورقة العنوان , رميت بورقة زوجتي على الأرض.
فبدأت تتخبط تحت قدمي حتى استقرت على ظهرها , فتذكرت فجأة لقد كتبت العنوان خلف ظهر ورقة ملاحظات زوجتي , رفعت الورقة البيضاء اتفحصها اذاً ما هذه ؟ انه رقم هاتف صديقي مع فتح الخط صادف انه مشابه تماما إلى عنوان عمارة البؤساء .
حواء الأزداني.
تعليق