بطولة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    بطولة

    أضحكتني النكتة ، ثانية ، حين تذكرتها ، فابتسمت ؛ لم أقهقه كالمرة الأولى ، فقط ابتسمت ؛ نعم ، ابتسمت بحيث بانت أسناني الأمامية، خلت للحظة أنها لمعت ، بل أكاد أجزم ، اعتمادا على قول الطبيب الذي فحصني ذات مرة و أخبرني أن أسناني عاجية ، أنها لمعت ؛ فالعاج، و كما تعرفون ياسادة ، لماع، و إلا لم يقتل الإنسان الفيلة ؟ لم يتعب نفسه في تعقبها ؟ أقصد : تعقب أنيابها ..و أنتم تعلمون أن الأنياب كلمة مخيفة ، فقد حذرنا الشاعر من مغبة الاعتقاد أن الليث إذا أظهر أنيابه أنه يبتسم ، فهذا الظن ورطة قاتلة. لكن أنياب الفيلة لا تخيف ، إنها مغناطيس تجذب إليها المغامرين ، كما أنها منجم للأسنان المضيئة ، و صانعة الضحكة الحلوة و الجذابة ، و مدرة لليورو و الدولار..
    المهم ، تبسمت فأضاءت أسناني فمي ، لحظتها شعرت برعشة نشوة عجيبة.
    غير أنه، و لسبب ما زلت أجهله ، وجدتها تسقط أمامي تباعا مشفوعة باندهاشي الفسيح ، ثم رأيت جمعا من الناس يتزاحمون حول ما تناثر من درري المتساقطة كالغيث في أرض جذباء قهرها السواد. لم يجد عليها التنقيب بخير فانفضت سريعا قبل أن يرتد إلي طرفي ، و تركتني وحيدا و قد أسقط في يدي ، لا أعرف ما جرى و ما يدور...
    في تلك اللحظة التي ذاب فيها الجمع و ترك فمي كوة مفتوحة على الخراب، و عشا للغربان، انتابني شعور بالألم، ألم ممض، جاء ليذكرني بوجودي ؛ و علمت في ذلك الحين أني كائن موجود، و مرغوب في أسنانه. و خرجت بالاستنتاج الديكارتي الجديد : إني ذو أسنان عاجية ، إني كائن موجود ! لكن الدوخة التي اعترثني ، و أفقدتني توازني ، كسرت الاستنتاج المنطقي ، أو المنطق الأسناني الخاص بي ، و لم تترك له فرصة الإيناع حتى يبلغ درجة القاعدة العامة، بحيث تنطبق على الجميع من دون استثناء. فقد ترنحت ، ثم سقطت أرضا مغشيا علي ، فقد كان الألم شديدا لم يستطع جسدي النحيف ، هذا الجسد الذي حرصت على أن يظل عود بان ، بأن مارست عليه شتى طقوس التجويع حتى يخس ، أن يتحمله. لم تكن رغبة التخسيس من أجل الحصول على قوام جميل ، أبدا ، ما ذهب ظني هذا المذهب، بل كان رغبة في سلوك اتجاه السلم، فقد عاهدت نفسي أن أكون مسالما ، و ألا أرفع يدي على أحد معتمدا قانون : من صفع خدك الأيمن ، فمد له خدك الأيسر، و ذلك منذ أن أسقطت رجلا بقبضة يدي الحديدية.فكان أن فقد نعمة التنفس إلى الأبد.
    عرف أبي أني عنيف ، و قد رآني ، ما مرة ، أصب جام غضبي على أخواتي و أبناء الجيران ، و تقاطرت عليه الشكاوى من الجيران و الأبعدين ، فقرر تسجيلي في ناد للملاكمة ، و خيرا فعل ، فقد كان مثالي الأعلى ، محمد علي كلاي ، و كان حلمي أن أصير بطلا .كنت معجبا بحركاته وسط الحلبة ، و كيف يراقص الخصم إلى أن يتعبه و من ثم ينقض عليه بالضربة القاضية ، كنت أتابع جولاته على شاشة التلفاز باللونين الأبيض و الأسود ، فالتلفاز الملون لم يكن له حضور ، في ذلك الوقت ، على الأقل لدى الأسر بسيطة الدخل.
    لما اشتد ساعدي ، و اكتسبت المهارات المطلوبة ، صرت أعجن الوجوه و أطحن الأشخاص بضرباتي القويةو الشديدة ، كنت أنقض على الخصوم انقضاض الوحوش الجائعة ، فأعصرها عصرا ، و أنهكها إنهاكا ، ثم أسقطها أرضا مرة واحدة ، لا تستيقظ منه إلا بعد وقت طويل.
    مرة ، ذهبت إلى حانة للاستمتاع بانتصاري الساحق على خصم عنيد، فأقبلت علي فتاة جميلة تريد أن تقاسمني فرحتي ، فرحبت بها ، و تجاذبنا أطراف الحديث . ثم أقبل علينا شاب مفتول العضلات خلت أنه جاء ليهنئني على انتصاري ، لكنه جذب الفتاة من ساعدها ، و أمام رفضها الذهاب معه ، و تشبثها بالبقاء معي جعلني أتدخل بالحسنى ، ساعيا إلى ثنيه عما يفعل ، لكنه أطلق علي لكمة تجنبتها بسرعة ، و أتيته بضربة ما انتظرها ، و ما كان ليتصورها في حلمه حتى.فقد على إثرها وعيه ، فهربت ، فالحانة ليست حلبة ، و إسقاط الناس أرضا فاقدي الوعي يعد جريمة لا بطولة.
    حدثتني نفسي الأمارة بالخوف أن الرجل قد مات ، و سارت بي الظنون في اتجاهات كلها مظلمة، فقررت تغيير ملامحي.علي أرتاح ، و أتجنب السقوط في حبال الشرطة و المطاردين. ثم إنها فرصة لإزالة كدمات الصراعات الكثيرة..
    ها إني اليوم قد شخت ، أتكئ على عصاي المعقوفة ، أنكش الأرض بحثا عن درري الضائعة ، عساني أعيد إلى فمي ابتسامته المفقودة...خلفي يقف الأطفال مستهزئين ، احاول صرفهم بعصاي من دون جدوى.
  • أم عفاف
    غرس الله
    • 08-07-2012
    • 447

    #2
    ها إني اليوم قد شخت
    ليتك لم تكتب هذه الجملة وتركت للقارئ أن يتخيّل كيف ستتنكّر
    تنكّرا حقيقيّا
    كنت أتمنى لو أنّك دمجت بين النّهاية والهروب من قبضة الشّرطة بالتّنكر
    كانت النّهاية ستكون مدهشة ورائعة
    قصّة رائعة حقيقة
    كلّ التقدير أخي عبدالرّحيم

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أم عفاف مشاهدة المشاركة
      ها إني اليوم قد شخت
      ليتك لم تكتب هذه الجملة وتركت للقارئ أن يتخيّل كيف ستتنكّر
      تنكّرا حقيقيّا
      كنت أتمنى لو أنّك دمجت بين النّهاية والهروب من قبضة الشّرطة بالتّنكر
      كانت النّهاية ستكون مدهشة ورائعة
      قصّة رائعة حقيقة
      كلّ التقدير أخي عبدالرّحيم
      أختي المبدعة البهية ، أم عفاف
      أشكرك على تفاعلك السار ، و على ملاحظتك السديدة.
      فهمت حذف الجملة الأخيرة ، غير أمي لم أفهم دمج التنكر بالنهاية ، فهل أوضحت قليلا ؟
      بوركت
      مودتي

      تعليق

      • أم عفاف
        غرس الله
        • 08-07-2012
        • 447

        #4
        سيّدي الكرالمقصد واحد
        حين تحذف الجملة ربّما تتدخّل تدخّلا بسيطا للربط
        ويحصل دمج التنكر بالنّهاية التي يجد الرّجل فيها نفسه شيخا بلا حول غير العصا بعد فقدان القبضة الحديدية
        تقديري

        تعليق

        • بسباس عبدالرزاق
          أديب وكاتب
          • 01-09-2012
          • 2008

          #5
          قص ممتع و جميل جدا

          أخي عبدالرحيم كان ملاكم؟؟؟
          -شوف خويا اضرب بعيد أنا بو وليدات و الكاركاس ديالي روفورمي-

          أسعدني هذا النص كثيرا
          تعرف رايي جيدا في جنون أفكارك الجامحة

          محبتي استاذي
          السؤال مصباح عنيد
          لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الزميل القدير
            عبد الرحيم التدلاوي
            جميل أنت
            نص بدأ بابتسامة وانتهى تراجيديا تكتبها الحياة بهدوء مر
            هل قلت هدوء مر والله هذه العبارة جميلة سأدونها كي لا أنساها
            أحب ماتكتب حقيقة لأنك تقتلع الإبتسامة رغما عنا
            كنت هادئا وكأنك تحدثني وأنت أمامي هكذا أحسست
            جميلة بكل تفاصيلها وللذهبية سأرشحها وليتك تحل محلي وتأخذ على عاتقك بعض النصوص عزيزي
            محبتي وغابة ورد
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • ادريس الحديدوي
              أديب وكاتب
              • 06-10-2013
              • 962

              #7
              نص بهي ..مضحك..حزين .. و وسيم هههه
              تحياتي لنصك الجميل و الخفيف على النفس .. رغم ثقل فحواه
              سرد ممتع و شيق
              مودتي

              ما أجمل أن يبتسم القلم..و ما أروعه عندما تنير سطوره الدرب..!!

              تعليق

              • عبير هلال
                أميرة الرومانسية
                • 23-06-2007
                • 6758

                #8
                نص مدهش

                أصوت عليه

                للذهبية

                بوركت أديبنا القدير
                sigpic

                تعليق

                • حسن لختام
                  أديب وكاتب
                  • 26-08-2011
                  • 2603

                  #9
                  هاهاهاها هههه قص شيّق ورشيق، رصد السارد من خلاله حياة..و عمرا بأكمله
                  شكرا لك، عبد الرحيم القاص الجميل على الإمتاع
                  محبتي الخالصة

                  تعليق

                  • عبدالرحيم التدلاوي
                    أديب وكاتب
                    • 18-09-2010
                    • 8473

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أم عفاف مشاهدة المشاركة
                    سيّدي الكرالمقصد واحد
                    حين تحذف الجملة ربّما تتدخّل تدخّلا بسيطا للربط
                    ويحصل دمج التنكر بالنّهاية التي يجد الرّجل فيها نفسه شيخا بلا حول غير العصا بعد فقدان القبضة الحديدية
                    تقديري
                    أختي البهية ، ام عفاف
                    أشكرك على التوضيح ، قمت بحذف الجملة ، من دون إحداث أي تغيير ، فقد قبل النص ذلك، و رأيته مشرقا.
                    بوركت
                    مودتي

                    تعليق

                    • عبدالرحيم التدلاوي
                      أديب وكاتب
                      • 18-09-2010
                      • 8473

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                      قص ممتع و جميل جدا

                      أخي عبدالرحيم كان ملاكم؟؟؟
                      -شوف خويا اضرب بعيد أنا بو وليدات و الكاركاس ديالي روفورمي-

                      أسعدني هذا النص كثيرا
                      تعرف رايي جيدا في جنون أفكارك الجامحة

                      محبتي استاذي
                      هههههه لا تخف ، أخي البهي ، السي عبدالرزاق ، فلست ملاكما ، و قبضتي رخوة ، لن تستطيع تحطيم أي شيء.
                      كن مطمئنا ، فالمسالم لا يؤذي.
                      أشكرك على تعليقك الطيب و متابعتك الداعمة.
                      لدي نصوص غارقة في الشطط ، كتبتها منذ مدة ، و تهيبت نشرها ، تحمل هلوساتي ، فهل سيتحملها القارئ ؟
                      بوركت.
                      محبتي

                      تعليق

                      • عبدالرحيم التدلاوي
                        أديب وكاتب
                        • 18-09-2010
                        • 8473

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                        الزميل القدير
                        عبد الرحيم التدلاوي
                        جميل أنت
                        نص بدأ بابتسامة وانتهى تراجيديا تكتبها الحياة بهدوء مر
                        هل قلت هدوء مر والله هذه العبارة جميلة سأدونها كي لا أنساها
                        أحب ماتكتب حقيقة لأنك تقتلع الإبتسامة رغما عنا
                        كنت هادئا وكأنك تحدثني وأنت أمامي هكذا أحسست
                        جميلة بكل تفاصيلها وللذهبية سأرشحها وليتك تحل محلي وتأخذ على عاتقك بعض النصوص عزيزي
                        محبتي وغابة ورد
                        أختي المبدعة الراقية ، عائده
                        أولا ، لن أستطيع الحلول محلك ، لن أكون في المستوى ، لضعف تعليقاتي ، و سطحيتها.
                        ثانيا ، أشكرك على تعليقك الذي زان نصي ، و أنعش قلبي.
                        بوركت.
                        دمت شامخة.
                        مودتي

                        تعليق

                        • حنان عبد الله
                          طالبة علم
                          • 28-02-2014
                          • 685

                          #13
                          رائعة سرحت مع قصتكم الجميلة التي شدتني من أول حرف
                          بوركت أخي عبد الرحيم التدلاوي والشيء من مأتاه لا يستغرب
                          تحياتي

                          تعليق

                          • فايزشناني
                            عضو الملتقى
                            • 29-09-2010
                            • 4795

                            #14
                            أحببت أن تتابع حتى النهاية كما كنت في البداية
                            شعرت قبل أن أكمل أنني سأتابعك بتسلسل ومضات وأفكار كما بدأت
                            من النكتة إلى أسنانك والعاج والفيلة وقتلها بوحشية وأنياب الليث وبيت الشعر
                            والمغناطيس و الضحكة المدرة لليورو والدولار ...
                            أعجبني هذا التناغم والوصل المتعمد بين الصور والأفكار
                            أما عن اليد المفرطة بالقوة فهذه نعمة علينا استثمارها في الخير
                            أنا قبضتي مسالمة ولكنني أتحاشى التعامل مع الأشياء الناعمة
                            آخر مرة خسرت جوالي
                            أجمل ما في نصوصك الجميلة لغتك الأجمل
                            كن بخير صديقي
                            هيهات منا الهزيمة
                            قررنا ألا نخاف
                            تعيش وتسلم يا وطني​

                            تعليق

                            • عبدالرحيم التدلاوي
                              أديب وكاتب
                              • 18-09-2010
                              • 8473

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة ادريس الحديدوي مشاهدة المشاركة
                              نص بهي ..مضحك..حزين .. و وسيم هههه
                              تحياتي لنصك الجميل و الخفيف على النفس .. رغم ثقل فحواه
                              سرد ممتع و شيق
                              مودتي

                              أخي الغالي ، السي إدريس
                              و الأجمل لمستك القرائية البديعة.
                              شكرا لك.
                              محبتي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X