أضحكتني النكتة ، ثانية ، حين تذكرتها ، فابتسمت ؛ لم أقهقه كالمرة الأولى ، فقط ابتسمت ؛ نعم ، ابتسمت بحيث بانت أسناني الأمامية، خلت للحظة أنها لمعت ، بل أكاد أجزم ، اعتمادا على قول الطبيب الذي فحصني ذات مرة و أخبرني أن أسناني عاجية ، أنها لمعت ؛ فالعاج، و كما تعرفون ياسادة ، لماع، و إلا لم يقتل الإنسان الفيلة ؟ لم يتعب نفسه في تعقبها ؟ أقصد : تعقب أنيابها ..و أنتم تعلمون أن الأنياب كلمة مخيفة ، فقد حذرنا الشاعر من مغبة الاعتقاد أن الليث إذا أظهر أنيابه أنه يبتسم ، فهذا الظن ورطة قاتلة. لكن أنياب الفيلة لا تخيف ، إنها مغناطيس تجذب إليها المغامرين ، كما أنها منجم للأسنان المضيئة ، و صانعة الضحكة الحلوة و الجذابة ، و مدرة لليورو و الدولار..
المهم ، تبسمت فأضاءت أسناني فمي ، لحظتها شعرت برعشة نشوة عجيبة.
غير أنه، و لسبب ما زلت أجهله ، وجدتها تسقط أمامي تباعا مشفوعة باندهاشي الفسيح ، ثم رأيت جمعا من الناس يتزاحمون حول ما تناثر من درري المتساقطة كالغيث في أرض جذباء قهرها السواد. لم يجد عليها التنقيب بخير فانفضت سريعا قبل أن يرتد إلي طرفي ، و تركتني وحيدا و قد أسقط في يدي ، لا أعرف ما جرى و ما يدور...
في تلك اللحظة التي ذاب فيها الجمع و ترك فمي كوة مفتوحة على الخراب، و عشا للغربان، انتابني شعور بالألم، ألم ممض، جاء ليذكرني بوجودي ؛ و علمت في ذلك الحين أني كائن موجود، و مرغوب في أسنانه. و خرجت بالاستنتاج الديكارتي الجديد : إني ذو أسنان عاجية ، إني كائن موجود ! لكن الدوخة التي اعترثني ، و أفقدتني توازني ، كسرت الاستنتاج المنطقي ، أو المنطق الأسناني الخاص بي ، و لم تترك له فرصة الإيناع حتى يبلغ درجة القاعدة العامة، بحيث تنطبق على الجميع من دون استثناء. فقد ترنحت ، ثم سقطت أرضا مغشيا علي ، فقد كان الألم شديدا لم يستطع جسدي النحيف ، هذا الجسد الذي حرصت على أن يظل عود بان ، بأن مارست عليه شتى طقوس التجويع حتى يخس ، أن يتحمله. لم تكن رغبة التخسيس من أجل الحصول على قوام جميل ، أبدا ، ما ذهب ظني هذا المذهب، بل كان رغبة في سلوك اتجاه السلم، فقد عاهدت نفسي أن أكون مسالما ، و ألا أرفع يدي على أحد معتمدا قانون : من صفع خدك الأيمن ، فمد له خدك الأيسر، و ذلك منذ أن أسقطت رجلا بقبضة يدي الحديدية.فكان أن فقد نعمة التنفس إلى الأبد.
عرف أبي أني عنيف ، و قد رآني ، ما مرة ، أصب جام غضبي على أخواتي و أبناء الجيران ، و تقاطرت عليه الشكاوى من الجيران و الأبعدين ، فقرر تسجيلي في ناد للملاكمة ، و خيرا فعل ، فقد كان مثالي الأعلى ، محمد علي كلاي ، و كان حلمي أن أصير بطلا .كنت معجبا بحركاته وسط الحلبة ، و كيف يراقص الخصم إلى أن يتعبه و من ثم ينقض عليه بالضربة القاضية ، كنت أتابع جولاته على شاشة التلفاز باللونين الأبيض و الأسود ، فالتلفاز الملون لم يكن له حضور ، في ذلك الوقت ، على الأقل لدى الأسر بسيطة الدخل.
لما اشتد ساعدي ، و اكتسبت المهارات المطلوبة ، صرت أعجن الوجوه و أطحن الأشخاص بضرباتي القويةو الشديدة ، كنت أنقض على الخصوم انقضاض الوحوش الجائعة ، فأعصرها عصرا ، و أنهكها إنهاكا ، ثم أسقطها أرضا مرة واحدة ، لا تستيقظ منه إلا بعد وقت طويل.
مرة ، ذهبت إلى حانة للاستمتاع بانتصاري الساحق على خصم عنيد، فأقبلت علي فتاة جميلة تريد أن تقاسمني فرحتي ، فرحبت بها ، و تجاذبنا أطراف الحديث . ثم أقبل علينا شاب مفتول العضلات خلت أنه جاء ليهنئني على انتصاري ، لكنه جذب الفتاة من ساعدها ، و أمام رفضها الذهاب معه ، و تشبثها بالبقاء معي جعلني أتدخل بالحسنى ، ساعيا إلى ثنيه عما يفعل ، لكنه أطلق علي لكمة تجنبتها بسرعة ، و أتيته بضربة ما انتظرها ، و ما كان ليتصورها في حلمه حتى.فقد على إثرها وعيه ، فهربت ، فالحانة ليست حلبة ، و إسقاط الناس أرضا فاقدي الوعي يعد جريمة لا بطولة.
حدثتني نفسي الأمارة بالخوف أن الرجل قد مات ، و سارت بي الظنون في اتجاهات كلها مظلمة، فقررت تغيير ملامحي.علي أرتاح ، و أتجنب السقوط في حبال الشرطة و المطاردين. ثم إنها فرصة لإزالة كدمات الصراعات الكثيرة..
ها إني اليوم قد شخت ، أتكئ على عصاي المعقوفة ، أنكش الأرض بحثا عن درري الضائعة ، عساني أعيد إلى فمي ابتسامته المفقودة...خلفي يقف الأطفال مستهزئين ، احاول صرفهم بعصاي من دون جدوى.
المهم ، تبسمت فأضاءت أسناني فمي ، لحظتها شعرت برعشة نشوة عجيبة.
غير أنه، و لسبب ما زلت أجهله ، وجدتها تسقط أمامي تباعا مشفوعة باندهاشي الفسيح ، ثم رأيت جمعا من الناس يتزاحمون حول ما تناثر من درري المتساقطة كالغيث في أرض جذباء قهرها السواد. لم يجد عليها التنقيب بخير فانفضت سريعا قبل أن يرتد إلي طرفي ، و تركتني وحيدا و قد أسقط في يدي ، لا أعرف ما جرى و ما يدور...
في تلك اللحظة التي ذاب فيها الجمع و ترك فمي كوة مفتوحة على الخراب، و عشا للغربان، انتابني شعور بالألم، ألم ممض، جاء ليذكرني بوجودي ؛ و علمت في ذلك الحين أني كائن موجود، و مرغوب في أسنانه. و خرجت بالاستنتاج الديكارتي الجديد : إني ذو أسنان عاجية ، إني كائن موجود ! لكن الدوخة التي اعترثني ، و أفقدتني توازني ، كسرت الاستنتاج المنطقي ، أو المنطق الأسناني الخاص بي ، و لم تترك له فرصة الإيناع حتى يبلغ درجة القاعدة العامة، بحيث تنطبق على الجميع من دون استثناء. فقد ترنحت ، ثم سقطت أرضا مغشيا علي ، فقد كان الألم شديدا لم يستطع جسدي النحيف ، هذا الجسد الذي حرصت على أن يظل عود بان ، بأن مارست عليه شتى طقوس التجويع حتى يخس ، أن يتحمله. لم تكن رغبة التخسيس من أجل الحصول على قوام جميل ، أبدا ، ما ذهب ظني هذا المذهب، بل كان رغبة في سلوك اتجاه السلم، فقد عاهدت نفسي أن أكون مسالما ، و ألا أرفع يدي على أحد معتمدا قانون : من صفع خدك الأيمن ، فمد له خدك الأيسر، و ذلك منذ أن أسقطت رجلا بقبضة يدي الحديدية.فكان أن فقد نعمة التنفس إلى الأبد.
عرف أبي أني عنيف ، و قد رآني ، ما مرة ، أصب جام غضبي على أخواتي و أبناء الجيران ، و تقاطرت عليه الشكاوى من الجيران و الأبعدين ، فقرر تسجيلي في ناد للملاكمة ، و خيرا فعل ، فقد كان مثالي الأعلى ، محمد علي كلاي ، و كان حلمي أن أصير بطلا .كنت معجبا بحركاته وسط الحلبة ، و كيف يراقص الخصم إلى أن يتعبه و من ثم ينقض عليه بالضربة القاضية ، كنت أتابع جولاته على شاشة التلفاز باللونين الأبيض و الأسود ، فالتلفاز الملون لم يكن له حضور ، في ذلك الوقت ، على الأقل لدى الأسر بسيطة الدخل.
لما اشتد ساعدي ، و اكتسبت المهارات المطلوبة ، صرت أعجن الوجوه و أطحن الأشخاص بضرباتي القويةو الشديدة ، كنت أنقض على الخصوم انقضاض الوحوش الجائعة ، فأعصرها عصرا ، و أنهكها إنهاكا ، ثم أسقطها أرضا مرة واحدة ، لا تستيقظ منه إلا بعد وقت طويل.
مرة ، ذهبت إلى حانة للاستمتاع بانتصاري الساحق على خصم عنيد، فأقبلت علي فتاة جميلة تريد أن تقاسمني فرحتي ، فرحبت بها ، و تجاذبنا أطراف الحديث . ثم أقبل علينا شاب مفتول العضلات خلت أنه جاء ليهنئني على انتصاري ، لكنه جذب الفتاة من ساعدها ، و أمام رفضها الذهاب معه ، و تشبثها بالبقاء معي جعلني أتدخل بالحسنى ، ساعيا إلى ثنيه عما يفعل ، لكنه أطلق علي لكمة تجنبتها بسرعة ، و أتيته بضربة ما انتظرها ، و ما كان ليتصورها في حلمه حتى.فقد على إثرها وعيه ، فهربت ، فالحانة ليست حلبة ، و إسقاط الناس أرضا فاقدي الوعي يعد جريمة لا بطولة.
حدثتني نفسي الأمارة بالخوف أن الرجل قد مات ، و سارت بي الظنون في اتجاهات كلها مظلمة، فقررت تغيير ملامحي.علي أرتاح ، و أتجنب السقوط في حبال الشرطة و المطاردين. ثم إنها فرصة لإزالة كدمات الصراعات الكثيرة..
ها إني اليوم قد شخت ، أتكئ على عصاي المعقوفة ، أنكش الأرض بحثا عن درري الضائعة ، عساني أعيد إلى فمي ابتسامته المفقودة...خلفي يقف الأطفال مستهزئين ، احاول صرفهم بعصاي من دون جدوى.
تعليق