غثاء السيل (*)
لا زلت في كل مرة أتعجب العجب كله من حال أمتنا الإسلامية البائسة و لا أجد لها وصفا يصدق فيها و يلبسها كما تلبس القفازَ اليدُ كالغثائية لما هي عليه من هوان و ذلة و مسكنة، ثم أتذكر ما وصف به النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الأمة كما ورد في الحديث الشريف:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" قالوا: "أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟" قال:"بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل" ثم أتعجب من تعجبي ذاك، إذ كيف يغفل المسلم عن تشخيص دقيق صادر عن الصادق المصدوق ؟
نحن فعلا كالغثاء الذي ليس له وثاق يربطه إلى أصله أو يقره في مكانه، نحن كالقش الضئيل الهش الذي تجري به السيول في كل اتجاه حسب هواها ثم تنتهي منه بإلقائه في نهر جار أو طرحه في جرف هار أو لفظه في بحر هادر.
استثناء
فهذه الأمم من حولنا تتهافت على الشعوب الإسلامية شرقيها و غربيها، عربيها و أعجميها، بدون استثناء كتهافت الأكلة الجياع الملهوفين الشرهين المنهومين على المأدبة الفاخرة أو المائدة الزاخرة.
انظروا إلى استخفاف الأمم اللئيمة بالمسلمين رغم تعدادهم الهائل (مليار و مئتا مليون نسمة) و كيف يُعتبَرون كما مهملا لا وزن له يُفزِع و كلمة تُسمَع و هذه ألوف الأحداث في العصر الحديث وحده تفقأ العيون و تصم الآذان و تزكم الأنوف تدلنا بأوضح بيان و أصدق لسان عن حالنا.
إن كثرة المسلمين لم تعنهم شيئا و لم تشفع لهم عند الغرب رغم ما ينامون عليه من ثروات باطنية هائلة يستطيعون تركيع العالم كله بها لو يحسنون التصرف أو يملكون نصيبا من الشجاعة أو الجرأة أو كانت لهم أنوف ! و رغم ما تزخر به بنوك العالم من أموالهم و ما يوفرونه من ثراء فاحش للمرابين و المحتكرين و السماسرة هناك، فرغم هذا كله فهم ألوف الأولف لكنهم كالدفوف تقرعهم الحلوف (بضم الحاء و يمكن قراءتها بفتحها والمقصود معروف).
يمكن للأمة الإسلامية لما يتوفر فيها من طاقات مادية و موارد بشرية و مالية و علمية و ما تملك من رصيد حضاري أصيل استعادة قيادة العالم الضائع في جاهليته الحديثة فتعيده إلى حظيرة البشرية، لكن، و يا أسفي على الـ"لكن" هذه بل توظفو كيف صارت لا تستعمل الأخطاء أو استكمال النقائص بل توظف لتعميق الكلوم و توسيع الثلوم و تحيير الحلوم، ما نراه و ما نسمعه و ما نشعر به يوميا هو أننا فعلا غثاء كغثاء السيل يتلاعب بنا الغرب حسب هواه و يرينا الويل في كل حين و ما ذلك إلا بسبب انحرافنا عن سواء السبيل: الإسلام !
_____________
(*) نشرت هذه المقالة على صفحات جريدة "الفجر" الجزائرية، العدد 307 ليوم الخميس 11 أكتوبر 2001 الموافق 24 رجب 1422، في ركن "قيم اجتماعية" الذي كنت أكتبه ثلاث مرات في الأسبوع، و قد أعدت كتابتها كما كتبت أول مرة إلا ما اقتضت الضرورة تصحيحه للتوضيح.
تعليق