كانت أجمل من رأيت .. مثالية في كل شيء .. لا يشوب تصرفاتها شائبة .. حتى فتحت فمها وقالت : أنا عندي بنت من طليقي الأول ..
أففف ..
تأففت رغما عني .. وازداد وجهي الكئيب جهامة وحزنا .
هذا ما كان ينقصني .. طفل آخر يقرفني في عيشتي ، ويوقظني مبكرا كي أطعمه وألبسه واذهب به إلى المدرسة .. ثم أعيده منها .. ثم أذاكر له واغسل ملابسه وأنظف غرفته ، وألاحقه بعدها في الأسواق كي اشتري له مثل القميص الذي كان يرتديه زميله .. أو الحذاء الذي شاهده في قدم مطربه المفضل .
طفل آخر لا يعرف سوى الشكوى والتململ ، والمقارنة والتحسر ، والبكاء في الليل والنهار على فراق أمه ، مع أنها تعمل عندهم في المدرسة ، وتسكن في المبنى المجاور مع زوجها الجديد.
طفل آخر لا يمنعه من الهرب من وجهي .. سوى انه لا يعرف أين يذهب كعادة الصغار .
طفل آخر ينضم إلى الأربعة الأغبياء الذين أنجبتهم .
لكنه طفلة هذه المرة وليست طفل .. يعني نوع جديد ومختلف من المصائب .
المهم .. إني تجاهلت الموضوع مؤقتا .. لم تعد أعصابي تحتمل المزيد وخاصة بعد وفاة أمي الله يرحمها .. وزواج أختي الوحيدة وسفرها إلى قارة أخرى .. وتلك الخادمة التي لم تكن تتحرك من تلقاء نفسها ، لابد ان القي عليها الأوامر كي تفعل ذلك وتقوم بذاك .. ثم تظل تحوم حولنا بدون هدف حتى يخطر لنا أمر آخر نكلفها به .
انا لم أكن اعرف كيف كانت أمي الراحلة تتحملها وتتعامل معها .. ذهبت بها لمدة أسبوع عند صديقي وزوجته كي يصلحوا حالها .. وعادت كما هي .. رغم أنهم قالوا أنها عادية وليست كما وصفتها .. المهم إني تركتها لهم في النهاية وأصبحت أقوم بكل الأعمال وحدي .. حتى أنهد حيلي تماما وأصبحت ابحث بإصرار عن زوجة فدائية تتحمل هذا العذاب وتريحني منه .
وانتهى بي المطاف إلى منزل ( نهلة ) .. وخالها الأستاذ ( نبيل ) الذي يعمل معي في نفس الشركة .. كنت قد جئت لهم عن طريق الخاطبة .. وعمل تعارفنا المسبق على إزالة كل الحواجز ، وتسهلت الأمور بيننا .. وبعد أسبوعين كنت متزوجا .. ووحدي في المنزل بعد ان تكفل الخال النبيل بإيواء العفاريت الأربعة في منزله العامر .
************************
حتى جاء اليوم الذي قالت فيه ( نهلة ) أنها ستذهب إلى منزل أهلها في الصباح ، كي تحضر ابنتها وبقية حاجيتها هناك .. وأخذت مني ربع مدخراتي تقريبا بحجة أنها تحتاج لمصروف للبيت وشراء المؤن ..
وعندما عدت بعد الظهر إلى المنزل مع الأولاد .. كانت زوجة خالها موجودة أيضا .. وهناك غرفة جلوس جديدة في المنزل .. وتلفاز اكبر حجما يفرح القلب الحزين .. والعمل يجري على قدم وساق في غرفة مكتبي المهجورة لتحويلها إلى غرفة نوم الطفلة الجديدة التي لا اعرف اسمها .
***********
كانت فتاة بريئة تشبه أمها .. ولم أجد أنها تشكل خطر علي في ذلك الوقت.
************
حين قفزت الصغيرة واسمها ( رنا ) عندي ، وألصقت في وجهي الدفتر الذي أهداه لها ولدي الأصغر .. كان قد كتب اسمها الكامل عليه بخطه الزخرفي .. وألصق داخله مئات الصور الملونة لحيوانات كرتونية وصور التلوين .
وكانت تثرثر وتحكي قصص متداخلة .. وأشياء رأتها في التلفاز .. ثم سحبت جهاز التحكم من يدي وقلبت في القنوات حتى وصلت لقناتها المفضلة .. ثم اخفت الجهاز خلف ظهرها وهي تحكي لي قصة الفيلم الذي تراه .
انا في هذا اللحظة كان تركيزي منصب على اسم والدها الثلاثي .. وفكرت .. لماذا لا ابحث عنه في الفيس بوك كما في فعلت في الماضي مع أسماء أصدقائي .. انها فكرة جيدة .. كنت قد اتفقت مع ( نهلة ) ان لا نتحدث مع بعض عن حياتنا السابقة إلا للضرورة القصوى .. والفضول غلبني أمام هذا الاسم الذي بدأ لي مألوفا .. لكن لأتأكد .
بحث .. كتابة .. نقر هنا وهناك .. هذا هو .. نفسه وجه ابنته وعينيها وشعرها المتلف الخصلات .. وأنا كنت اعتقد أنها تشبه أمها .. أنها نسخة طبق الأصل من والدها الذي ملأ صفحته بصوره .. وتعليقاته التي تزداد كل دقيقة .
شي يغيظ ..
وجهت الشاشة الصغيرة ناحية ( رنا ) فحدقت فيها للحظات .. ثم غادرت مكانها وأكملت اللعب مع الباقين دون كلمة أو ردة فعل .
وعندما ألتفت جهة ( نهلة ) لم أجدها .. ووصلتني ضجتها المعتادة في المطبخ .
لا داعي لإثارة مشكلة بدون داعي .. الخال ( نبيل ) حكي لي القليل عن الرجل ، وقال انه غير متزن وأخلاقه شرسة ، ولم يروه على الإطلاق منذ ثلاث سنوات وأكثر .. وأن كان والده يتكفل بإرسال مصروف ( رنا ) بانتظام كل شهر ..
المهم .. ملأت صور هذا الرجل رأسي .. أصبحت اشتعل غيظا بدون وعي .. انه يبدو مثالي في كل شيء .. كلامه المنمق .. ردوده الأنيقة .. شكله المهذب الذي يدل على انه ابن ناس ولم يضرب ذبابة من قبل .
هل ابعث له طلب صداقة ؟ .. لا .. سيفتضح أمري فيما بعد لأن والده يعرف من انا ..
اعمل لي صفحة جديدة بأسم آخر ومن هذا القبيل ؟ .. لا أيضا .. هذا لف ودوران وأنا لم افعله أيام الصبا والطيش حتى افعله الآن بعد الشيب والعيب.
ما علينا ..
يجب ان أتجاهله وامسح اسمه من الوجود ..
فجأة قفزت ( رنا ) عندي وهي تصيح : ماما .. تعالي وشوفي صورة جدي .
ووضعت إصبعها بإصرار على صورة الجد الموجودة بين صور أصدقاء والدها .
جاءت ( نهلة ) وهي تتساءل عن أي جد تتحدث ابنتها .
أغلقت الشاشة بسرعة وأنا ابعد إصبع ( رنا ) العنيد ثم احملها وأضعها في الأرض عند الباقين .. ولذت بالصمت متجاهلاً تساؤلات أمها عن ما حدث .. والتي راقبت وجهي المتهجم لدقيقة ثم عادت لمطبخها.
*********
- : ماذا ؟ .. هل أنت متأكد ؟ .
- : نعم .. ان صوتها وصل لنا في الصالة .
كان الكل مجتمعين أمامها وهي تبكي مخفية رأسها بين ذراعيها على الطاولة .. حتى انا تجمدت في مكاني لأني أشاهد دموعها لأول مرة .. لكنها هدأت تماما بمجرد ان مسحت على رأسها .. ورفعته قائلة أنها متضايقة قليلا فقط .. فاقترحت ان نخرج جميعا لتناول العشاء في احد المطاعم كي نريحها من الطهي .. فتقافز الأولاد من الفرح وتسابقوا إلى غرفهم كي يستعدوا للخروج .
قضينا وقتا جميلا ثم عدنا للبيت .. ولم نناقش الأمر بعدها .. وأنا أصلا لم أكن اعرف كيف سأناقشها أو اشرح لها ما حدث .. سأكتفي بالصمت كعادتي .. لقد وافقت على بقاء الصغيرة معنا من البداية .. ولم أفكر أنها ستضايقني .. أنها مرحة وظريفة واندمجت مع أولادي بسرعة .. وهذا يكفي في الوقت الحالي .. هي في حالها وأنا في حالي .. المهم ان لا يظهر والدها فجأة ويفسد حياتنا .
*********
- : لكن لديك غرفة جميلة يا ماما .. وفيها سريرك الذي اشتريناه سويا .
- : لا أريد .
كانت ( نهلة ) المرهقة تترنح في وقفتها .. ولا توجد لديها طاقة كافية للجدال والتفكير في أساليب للمراوغة والتحايل ، وحالتي انا لم تكن أحسن منها .. لكن ابني الكبير .. أطال الله في عمره .. حل المشكلة .. وجعل الصغيرة تنام في سريره .. ونام هو في غرفة عمته .. وارتحنا مؤقتا من هذه المصيبة.
المصيبة الأخرى ان الصغيرة أصبحت تلاحقني في كل مكان .. وخصوصا عندما أنام في الظهيرة بعد الغداء .. تأتي وتجلس عند رأسي وتحكي لي قصصها التي لا تنتهي .. حتى أتظاهر بالنوم فتجلس في الأرض وتتحدث مع ألعابها ..
وعندما اذهب إلى الحمام أجدها أمامي تغسل يديها.. في المطبخ تسبقني خطواتها القصيرة إلى الثلاجة وتفتش فيها.. عندما اشعر بحركة مريبة في غرفة أمي المظلمة أجدها تخرج لي من الظلام وهي تضحك وتكركر .. وتقول انها تلعب لعبة الاختباء مع الباقين .
وكثيرا ما تعثرت بها في طريقي وكأنها قصيرة أكثر من اللازم ، أو انا الذي زاد طولي فجأة وأصبحت عملاقاً لا يرى ما أمامه .
باختصار .. أصبحت أراها حتى في أحلامي .. هي وأسمها الثلاثي ووجه والدها نحلة الفيس بوك .
ماذا افعل يا ربي ؟ .. كيف أتخلص من هذه الأفكار السخيفة ؟ .. والتي استمرت معي لأكثر من ثلاثة أشهر.. ذهني يعمل ليلا ونهارا .. صبحا ومساءا .. ظهرا وعصرا .. وبمجرد ان تظهر ( رنا ) أمامي .. وكأنها مفتاح يفتح كل الأفكار الشريرة في رأسي .
كم تمنيت ان تختفي من حياتي .. أو ان تأتي عائلتها وتأخذها .. وخصوصا جدها لوالدها الذي يحدثها في الهاتف بانتظام .. ويزورها عند الخال ( نبيل ) .. ثم يذهب في حال سبيله ويظهر في الشهر الذي يليه ومعه المصروف الفلكي وجبل من الهدايا.
كل هذه المحبة ولا يأخذها عنده ويريحني ؟ .. قالوا انه يسكن بمفرده ، لكن انا كنت بمفردي ومعي أربعة من عينة ( رنا ) وظللت على قيد الحياة.
رغم كل تلك المشاعر التي تعصف في رأسي إلا انني ظللت أتصرف مع البنت بشكل طبيعي .. واضحك عندما اسمع نكتة جميلة تقولها ، وأتصرف بحزم معقول عندما تسئ التصرف .. ولم يخفف مرور السنين من أفكاري المتضاربة وضيقي من وجودها حولي .. حتى بعد ان كبرت وتزوجت وسكنت بالقرب منا .. وكانت تزورني يوميا بعد وفاة والدتها وسفر كل أولادي إلى قارات العالم السبعة .
. تمت قصته .
تعليق