"الهُدُوئِيَّةُ" بِدْعَةٌ لِيشُورِيَّةٌ و نَزْعةٌ فلسفيَّةٌ
2- أحبُّ وضع التَّسميات الجديدة الجريئة لما يشغلني من المواضيع، كما أهوى مواجهة الذين يستاءُون من هوايتي هذه فأقبل نقدهم البناء و أشكره لهم و أرفض النقد الهدَّام حتى و إن كان بنية حسنة فما بالكم بالنّقد المثبِّط؟ لأن في مواجهة هؤلاء و أولئك تنشيطا للذهن و تشجيعا على مواصلة البحث للستزاذة من اليقين و في هذا و ذاك خير للباحث و المناقش معا؛ لست أدري ما الذي يجعل بعض الناس ينزعج أو يغضب إن رأى لفظا جديدا صيغ في العربية، كأنه يخشى التطور أو الاجتهاد في اللغة كما يرفض المتعصبون المذهبيون الاجتهاد في الفقه، فهذا تعصب ممقوت و ذاك تعصب مرفوض، لأن اللغة كائن حي ينمو و يتطور و يشيخ و يموت و يبلى و يفنى.
3- دأبت منذ بدأت الكتابة الأدبية في أفريل عام 1984 على أن تكون كتابتي على بساطتها هادفة ثم اهتديت بتوفيق من الله و فضلٍ إلى جعلها هادية و هادئة فاجتمعت لديَّ الهاءاتُ الثلاثُ التي تحدثت عنها في كثير من كتاباتي حتى اقتنع بها بعض الكتاب الأدباء و اعتمدوها في كتاباتهم، فما أجمل الكتابة عندما تكون هادفة هادية هادئة تعرض الأفكار بوضوح و مباشرة فيقبلها من يقبلها و يردها من يردها إذ لا سلطان للكاتب على القراء، فمن شاء فليقبل و من شاء فليرد، و الناس في هذا و ذاك أحرار تماما.
4- و أنا أرقن هذه الكلمات على مِرْقني، أو مِرْقمي، الصغير المتواضع ورد على ذهني بضعة أسئلة أراها وجيهة و هي: "لِمَ الشطط في البحث و التطرف في الاقتباس و أنت المسلم الملتزم، فلماذا لا تبحث في تراثنا العربي/الإسلامي عن "فلسفة" كتابية بدلا من هذه الشطحات الفكرية و أنت تعرف حتما ما ورد عن الرسول محمد، صلى الله عليه و سلم، في اللطف و العنف و الرفق و الشدة كقوله، صلى الله عليه و سلم:"ليس الشديد بالصُّرْعَةِ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه)، و قوله، صلى الله عليه و سلم:"ما كان الرفق في شيء إلا زانه و لا نُزع من شيء إلا شانه" (رواه الإمام أحمد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه)؟ و غيرها من النُّصوص و الآثار، نعم، لماذا هذا الشطط في البحث بعيدا و أنت المسلم الملتزم و كل شيء موجود بين يديك في دينك؟".
5- هي أسئلة وجيهة كان يجب علي توقُّعها و عرضها هنا و الآن احتياطا لما قد يدور في أذهان القراء منها عند قراءتهم لهذه الكلمات المغرضة، نعم، المغرضة، أقولها هكذا بصراحة و وضوح لأنني أؤمن أن الكتابة أيا كان نوعها و مهما بدت ساذجة إنما هي كتابة مغرضة كما سبق لي عرضه في مقالة سابقة و يبقى علينا اكتشاف الغرض من تلك الكتابة؛ أنا لا أؤمن بالكتابة من أجل الكتابة أو الفن من أجل الفن كما يدعيه القائلون به، و يكفي الكتابة أو الفن غرضا أنه لأجل نفسه و أنها لأجل ذاتها، أي له أو لها غرض ما، صغيرا كان أو كبيرا، فالكتابة عمل من الأعمال و إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى، كما جاء في الحديث الشريف المعروف و المشهور شهرة الإسلام في الكون.
6- كما ورد على ذهني كذلك، تساؤل آخر هو كالرّدّ الهادي و الهادف و الهادئ (الهاءات الثلاث سابقة الذكر) على التساؤلات الواردة في الفقرة السابقة، و هو: "هل يُحظرُ على المسلم و هو الغني بما عنده، أن يقتبس ما لا يتعارض مع دينه من غيره من الناس حتى و إن كانوا يخالفونه الدين أو العقيدة أو الشريعة؟ ألم يستحسن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ما قصّته عليه سافنة ابنة حاتم الطائي، و هي الكافرة، من خلال أبيها، فقال:"خلوا سبيلها فإن أباها كان يُحِبُّ مكارمَ الأخلاق"؟ و ما أبداه من ابتهاج عندما قصَّ عليه أحد أحبار اليهود من صفات الله تعالى في مسألة الأصابع، و القصة معروفة و مشهورة؛ ما أظن، و الظن هنا أخو اليقين، أن الإسلام لا يحظر على المسلم أن يقتبس من الآخرين ما لا يتعارض مع معلوم من الدين بالضرورة على ما في هذا الموضوع من حديث طويل، و هو الدين، الإسلام الحنيف السمح، مفتوح على العالمين لأنه دين رب العالمين، سبحانه و تعالى، إلى الناس أجمعين".
7- انزعج بعض القراء لما قرءُوا وصفي الكتابة بأنها مغرضة كأن الكلمة لمَّا وُظِّفت في السلبيات تحمَّلتْ رغما عنها السلبية مع أنها بريئة منها تماما، إنما السلبية في الدَّلالة التي يَحْمِلُها الناس في أنفسهم و يُحَمِّلونها ما يستعملون من الألفاظ و ليست في الألفاظ أو الكلمات المفردة ذاتها، صحيح أن كثيرا من الكلمات قد تُوظَّف سلبيا بإرادة الكاتب و حسب مقاصده هو و ليست هي سلبية في ذواتها مثل كلمة "المغرض" و "المغرضة" التي نحن بصدد الحديث عنها؛ فالكتابة المغرضة في "ملتي و اعتقادي" هي الكتابة الهادفة التي تتغيا غرضا يريد الكاتبُ بكتابته أو المتحدث بحديثه الوصول إليه وإيصاله إلى الناس.
8- فما هي "الهدوئية" التي أعنيها و أريد معالجتها هنا في هذه المقالة المتواضعة والتي تدخل ضمن سلسلة "فنون الكتابة" التي شرعت في عرضها منذ فترة هنا؟ إنها السِّمة التي يجب أن يتحلى بها الكاتب عند كتابته أو المتحدِّث عند حديثه ما لم يتطلب الظرف أو المقام غيرَ ذلك من انفعال و غضب و ثورة هادفة كما كان يفعل الرسول، صلى الله عليه و سلم، في خطبه الجُمَعيَّة، فقد كان، صلى الله عليه و سلم، يعلو صوتُه و يشتدُّ غضبُه كأنه منذر جيش يقول:"صبَّحكم و مسَّاكم"، أما في غير هذه المواطن فالهدوء هو المطلوب و الصبر هو المحبوب إذا كنا نتغيا غاية نبيلة و كانت نيتنا، أو نياتنا، حسنة جميلة.
9- ماذا يقصد الكاتب من كتابته أو المتحدِّث من حديثه سوى تبليغ ما يظنُّه صوابا أو جميلا يفيد الناس أو المتلقين من القراء أو المستمعين و يمتعهم؟ إن الكاتب، أو المتحدِّث، الرِّسالي أو الملتزم أو الهادف، أو المُغرض، يعبِّر من خلال كتاباته إن كان كاتبا أو من خلال حديثِه إن كان متحدثا عن قناعاته الشخصية و اختياراته الذاتية و كلما ازداد إخلاصا ازداد صدقا و كلما ازداد صدقا ازداد حرصا على إتقان تحرير رسالته التي يريد أن تصل المرسل إليهم واضحة تمام الوضوح شأنه في ذلك شأن المُبلِّغين الحريصين على إقناع الناس بما يقولون أو يكتبون.
10- إذا كان الكاتب الصادق لا يحسن الكتابة بهدوء تام واثقا مما يقول و تكون "الهدوئيةُ" خصلةً خُلُقيةً فيه أو نزعةً فلسفيةً لديه يصدر عنها فيما يأتي أو يذر من المواضيع فالأحسن أن يترك الكتابة و ليشتغل باللَّعب مع اللاعبين المتصابين حتى و إن بلغوا من العمر عتيا و أمضوا في تعاطي الكتابة دهرا فظنوا أنفسهم كاتبين مُجِيدين أو أدباء ممتازين حسب تقدير أشباههم من "الكاتبين" المتطفيلن، إن "الهدوئية" شرط أساسي في الكتابة المغرضة الهادفة، هذا و للحديث بقية إن شاء الله تعالى، إن كان في العمر بقية لمواصلة الحديث بهدوء في "الهدوئية".
البُليْدة، صبيحة يوم الثلاثاء، 15 جمادى الآخرة 1435 الموافق 15 أفريل 2014.
مقالات لها صلة بموضوعنا هنا :
رسالة الأديب بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح (مقالة)
الكتابة المغرضة: أسرارها و أساليبها (مقالة).
رسالة الأديب بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح (مقالة)
الكتابة المغرضة: أسرارها و أساليبها (مقالة).
تعليق