الجِناس في القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د/خديجة إيكر
    أستاذة جامعية
    • 24-01-2012
    • 275

    الجِناس في القرآن الكريم

    لقد اهتم القرآن الكريم بالمناسبة بين المقال والمقام والسياق، وما لذلك من تأثير في نفس المتلَقِّين من العرب الفصحاء فوقفوا مشدوهين أمامه لا يؤمنون به ، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون إنكار روعته وجــلاله . و قد استخدم البيان القرآني بدائع بليغة كثيرة ، أعجزتْ مَن عاصروه عن أن يأتوا و لو بأقصر سورة من مثله وأعجزتْ مَن بعدهم و لا زالت تُعجزُ كل عالم بأسرار اللغة إلى يومنا هذا .
    و من بين هذه البدائع والدلائل الإعجازية الجناس ، الذي وظَّفه القرآن الكريم لتحقيق التوازن الصوتي ، ولملاءمة السياق والمقام . حيث استُعملت هذه الآلية البديعية لِما فيها من جمعٍ بين كلمتين متماثلتين أو متشابهتين من حيث اللفظ ، مختلفتين من حيث المعنى ، مما يُحدثُ من الناحية الصوتية تكرارا منتظما للأصوات ، موافقاً لتوقعات المتلقي، وفي الوقت نفسه متضمِّناً لمعانٍ جديدة ، مما يفسح مجالا رحبا للتأمل والنظر، فيحقق بذلك متعتين : متعة السماع بالتلذذ بما يُحدثه التجانس الصوتي عن طريق استعمال الجناس ، ومتعة العقل بما يفتحه ذلك التعبير من آفاق للتفكر.
    كما أن الجناس من الوسائل التداولية الفعّالة، بحَمْلها و تشويقِها المتلقي إلى الإصغاء والانتباه وإعمال الفكر في هذا المتشابِه صوتيا، المختلِف دلاليا.
    وقد أكثر القرآن الكريم من استخدام هذه الآلية البديعية بجميع أنواعها ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ثلاثة أنواع من الجناس :
    الجناس التام المفرد: وهو ما اتفق لفظاه في نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها ( أي حركاتها و سكناتها ) :

    ــــ ومنه قوله تعالى: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلّب الليل و النهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) ، حيث وردت كلمة "الأبصار" الأولى للدلالة على جمع (بصر) وهو الحاسة المعروفة، بينما عَنى لفظ "الأبصار" الثاني جمع (بصيرة) .

    ــــ و قوله : ( و يوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) فلفظ "الساعة " الأول يقصد به يوم القيامة ، بينما يعني الثاني القطعة من الزمان أو مفرد ساعات. ذلك أنها تعبر أدق تعبير عن إحساس المجرمين، فهُم يحسون أنهم قضوا في حياتهم الدنيا وقتاً وجيزاً هو ساعة من الزمن .
    ــــ و قوله عز و جل : ( قل هو الله أحدالله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد) . فلفظ " أحد" الثاني غير الأول ، فالأول بمعنى الواحد أو المتوحد و هو خاص بالله سبحانه و لا يطلق على غيره... و"أحد" الثاني يدلّ على معنى الجمع وهو من الألفاظ التي تستعمل في النفي، نحو : ما جاءني أحد.
    الجناس المغاير: وهو ما تشابه لفظاه في الحروف و اختَلفا في الحركات .

    ــــ كقوله عزّ و جلّ : ( و الجار الجُنُب و الصاحب بالجَنْب ). فكلمة الجُنُب تعني الذي يكون إلى جانبك في المسكن، و الصاحب بالجَنْب هو كلّ من صحبَك و كان إلى جانبك إما في السفر، أو بالجوار ، أو في العلم ، أو في مجلس معيّن ، أو في المسجد ، فكلّ هؤلاء لهم حق الجوار .

    ــــ و قوله سبحانه : ( و لقد أرسلنا فيهم مُنذِرين فانظر كيف كان عاقبة المُنْذَرين) . حيث دلت كلمة "المنذِرين" على اسم الفاعل الجمع من أَنذَرَ ، بينما دلت المنذَرين على اسم المفعول الجمع من الفعل نفسه .
    الجناس الناقص
    : وهو الذي يختلف رُكناه في عدد الحروف كأن يكون الحرف المزيد في أول الكلمة ، كقوله جل و علا : ( و التفَّت الساق بالساق إلى ربك يومئذالمساق) ، حيث يتجلى الجناس بين لفظي "الساق" ، و هي ساق القدَم، و "المساق" الذي زيدت في أوله ميم المصدر ، فهو مصدر ميمي من ساقَ / يسوق / سوْقاً و سِياقاً ، أو يكون الحرف المزيد في وسطها ، أو في آخرها كقوله سبحانه : ( ثم كلي من كلّ الثمرات ).
    و ما ذُكر هنا ليس سوى غيض من فيض من أنواع الجناس الواردة في القرآن الكريم و هي كثيرةٌ منها : الجناس المصَحَّف ، و المَرْفُوّ، و المُذَيَّل ، والمضارع ...و غيرها . و وجود الجناس في القرآن الكريم لا يعني أنه جيء به لأجل التكلُّف كما يفعل الشعراء عادةً حين يستعملون المحسِّنات اللفظية ، و إنما مراعاةً لقوة المعاني ولسموّ المقاصد التي يهدِف إليها كتاب الله و يروم تبليغها
  • سعد هاشم الطائي
    أديب وكاتب
    • 05-08-2010
    • 241

    #2
    أ.د. خديجة إيكر
    يشرفني أن أكون أول من يتصدى للرد على موضوعك الموسوم (الجناس في القرآن الكريم) الذي تناولت فيه الجناس بنوعيه (التام) و(الناقص) بلغة عذبة ويسيرة علينا، شكراً على هذا الجهد وجعله الله في ميزان حسناتك.

    تعليق

    • أ.د/خديجة إيكر
      أستاذة جامعية
      • 24-01-2012
      • 275

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة سعد هاشم الطائي مشاهدة المشاركة
      أ.د. خديجة إيكر
      يشرفني أن أكون أول من يتصدى للرد على موضوعك الموسوم (الجناس في القرآن الكريم) الذي تناولت فيه الجناس بنوعيه (التام) و(الناقص) بلغة عذبة ويسيرة علينا، شكراً على هذا الجهد وجعله الله في ميزان حسناتك.
      الأخ الفاضل سعد هاشم الطائي

      أعتذر بشدة على تأخري في الردّ
      و شكرا جزيلا لحضورك و تشريفك للموضوع

      مع أسمى تحياتي و تقديري

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        جزاك الله عنا خيرا لما تتكرمين به علينا من علم و جعله في ميزان حسناتك، اللهم آمين يا رب العالمين.
        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • أ.د/خديجة إيكر
          أستاذة جامعية
          • 24-01-2012
          • 275

          #5
          أشكرك جزيل الشكر على كلماتك المؤازِرة الطيّبة

          أدامك الله موفّقا

          تعليق

          • سائد ريان
            رئيس ملتقى فرعي
            • 01-09-2010
            • 1883

            #6



            (((وما لذلك من تأثير في نفس المتلَقِّين من العرب الفصحاء فوقفوا مشدوهين أمامه
            لا يؤمنون به ، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون إنكار روعته وجــلاله
            )))


            هكذا كانوا ... أما أحفادهم الآن ... فهم لا يؤمنون به و ينكرونه و الأدهى أنهم لا يفقهونه .....

            أ.د. خديجة إيكر
            جزاكم الله خيرا

            تعليق

            • أ.د/خديجة إيكر
              أستاذة جامعية
              • 24-01-2012
              • 275

              #7
              صدقت ، أ. سائد ريان
              ( كذلك قال الذين مِن قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون )
              رزقنا الله و إياك تدبّر القرآن و فهمه و العمل به على الوجه الأكمل

              تقديري و إجلالي

              تعليق

              • البكري المصطفى
                المصطفى البكري
                • 30-10-2008
                • 859

                #8
                الأستاذة الفاضلة د.خديجة إيكر تحيتي الخالصة .للجناس في القرآن الكريم _ كما تفضلت - متعة فنية وإعجاز بلاغي لايدرك قيمته إلا من خبر فنون القول ؛ وهو بكل أصنافه يعد أسلوبا يعتمد ضربا من التكرار الصوتي الذي يساهم في تقوية الإحساس بجمال الإيقاع؛ لأنه تكرار مبني على التناسب والإنسجام ؛ ولهذا تظهر عيوبه عند تكلفه في الكلام الأدبي وهذا يفسر جانبا من حملة النقاد على أبي تمام الذي كان مغرما بالبديع ومنه الجناس .فالتناسب والانسجام شرط انتظامه الإيقاعي الدال على عدم تكلفه ؛ وقد ورد في القرآن الكريم بصيغة التناسب والانسجام فكان جميلا ومؤثرا . ولو درس عند القدامى من منظور إيقاعي لتلاشت الحدود الشكلية بين الجناس والتصدير والترديد والتعطف والتكرار ولكانت النتائج مبهرة .وقد لمس حازم القرطاجني القيمة الفنية للإتلاف الصوتي المتناسب ؛ حين قال :<< التأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع ؛ وماائتلف من غير المتناسات ؛ والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب ..>> المنهاج /267.
                أجدد لك التحية.

                تعليق

                يعمل...
                X