المعرض

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    المعرض

    [align=justify]المعرض

    كلت رجلاي وأنا أتنقل بين أجنحة المعرض المترامي الأطراف . لكني لا أجرؤ على إبداء رغبتي في الأوبة إلى المنزل وأنا أرى ابنتي يتجدد شغفها بركن الألعاب كلما دنونا منه أو حاذيناه ... و للمرة الثالثة أضطر تحت ضغط يدها الصغيرة إلــــى الوقوف قبالة كشك الكراكيز وهو يعرض حكاية شهرزاد مع شهريار. و أجدني مرغما تحت إلحاحها الذي لا يقـــاوم على تتبع التمثيلية حتى نهايتها ، لا ينفعني في ذلك التثاؤب ولا ابتسامة السخرية ولا النظر المتوالي إلى ساعتـــي اليدوية.. فالتمثيلية محكمة وخيوطها محبوكة بإتقان يجعل اللا مبالي يبالي ، والمستهتر يهتم .
    - كم هي جميلة شهرزاد يا أبي .
    - طبعا.. كل شهرزاد جميلة ومحبوبة مثلك ومثل أمك وجدتك وأختك ."
    ابنتي منفعلة مع كل فصل من فصول التمثيلية رغم الهرج الذي يملأ المكان ، ودوي المفرقعات الذي يصم الآذان . وحين يشتد الضجيج أقصد ركنا منزويا في المقهى لنروي عطشنا في هذا الجو القائظ المغبر. وتجلس قربنا أسرة خيم الوجوم علـى سحنتها . يقطع الصمت أحد أفرادها قائلا :
    - ماذا نفعل الآن ؟ هل نعود ؟
    فينطلق الجميع معا في جدال لا أميز منه كلمة ... فهذا يفضل البقاء لبعض الوقت لأمر في نفسه ، وهذه تحتج على عـدم ابتياع ما كانت تروم ابتياعه ، وتلك ساخطة منذ البداية على المجيء إلى هذا المكان ، ويثور الواحد تلو الآخر ، فيقف أحدهم يرغي ويزبد ملوحا بقبضته ، ثم يرون السكون فلا تسمع إلا همسا .
    - لماذا يتحدثون هكذا يا أبي ؟
    من جديد ، أحار أمام سؤالها وأنا أتمثل نفسي طرفا فيه ، فهل أستقبح هذه العادة أمامها وأنا أعلم مسبقا أنها ستحدجني بنظرة استغراب ؟ ... لكم حاولت جاهدا نبذ هذه العادة ولم أفلح . وقد قال لي أحد رواد المعرض بلهجة طبيب نفساني :" في هذا المعرض لا يمكن تغيير الطبع بين عشية وضحاها. فرواده ممن تسري في عروقهم الدماء الساخنة ."... لكن ، رغم الغبار ورغم الضجيج ، كل شيء يبدو جميلا في هذه البطحاء الفسيفسائية... كل يرفل في حلته... منهم من يباهي ، ومنهم من يضاهي فيتفنن في إبداء سوأته إرواء للعيون الجاحظة وإشفاء لغليل النفوس الهائجة الظامئة . تنبهني ابنتي إلى أحد رواد المعرض وهو يهز رأسه مقهقها ، ثم عابسا و ملوحا . يمشي خطوات و يتوقف . يحك رأسه و يمشط شعر رأسه من الخلف :" هل هو أحمق؟... إنه يحدق فينا ."... وبعد أن أشرح لها الأمر بكل بساطة ، مضمنا نصيحة بألا تشغل فكرها بكل ما يفعله الآخرون ، ألمح لها بالعودة فألقى منها استجابة .
    - هل أعجبتك التمثيلية ؟
    - نعم... لكن شهريار كان قبيحا جدا .
    وأعلم علم اليقين أنها لن تقف عند هذا الحد ، وأن أسئلة جمة ستنصب على مسامعي فور وصولنا ، وعلي حينئذ أن أجيب دون تردد كما أجبت في المرات السابقة عن استفسارات لو جمعت في كتاب لحوت صفحات عدة : .. لماذا بطن أمي منتفخة ؟ وكيف دخلت أختي ؟ ومن أخرجها ؟ وأين هو الله ؟ ولماذا لا نراه ؟ ولماذا غادرتنا أمي ؟ ولماذا تطبخ لنا جارتنا الطعام وشعرها منسدل على كتفيها ؟ .. و الأدهى من ذلك أن بعض الإجابات الارتجالية قد تنسى ، فأجد نفسي محرجا أمام ذاكرتها القوية .
    - لماذا يريد شهريار قتل شهرزاد المسكينة ؟ وأحاول أن أفهمها أن هذه تمثيلية فقط ، وأن شهرزاد لم تكن دائما ضعيفة ، بل هناك شهرزاد ضعيفة وأخرى قوية ، كما أنها قد تكون طيبة وأخرى شرسة ، عفيفة وفاسقة ، جائرة ومظلومة .
    - وشهريار يا أبي ؟".. فأعيد لها نفس الخطاب مع ما تتطلبه أفعاله و أسماؤه من تحويل . فأنا ممن شهد لهم معلموهم بالتفوق في النحو والصرف و التحويل . " ولماذا... ؟ " لم أتركها تكمل . فأنا أعلم جيدا ما تنوي قوله ، ولذا بادرتها متحمسا كعادتي عند كل نقاش :
    - اسمعي يا ابنتي الحبيبة... شهرزاد إنسان ، وشهريار إنسان . قد يجور الواحد منهما على الآخر ، وقد يراد لهما أن يظلما بعضهما البعض ، وربما استبدت شهرزاد ضد أخرى ، وقد يطغى شهريار على أخر مادام أهل الأرض أرادوا ذالك . - كما فعلت جارتنا بخادمتها ؟
    - ها ... لقد فهمت... وكما فعل صاحب الدار بأبيك .
    - ماذا فعل ؟
    - هذه حكاية طويلة... المهم ألا تشغلي بالك بغير دراستك .
    - و هل نعود غدا إلى المعرض ؟
    - لتتابعي حكاية شهرزاد وشهريار ؟
    - أوه ... كلا . إنها لا تنتهي .
    ولن تنتهي ما دام قد أريد لها ذلك ... و تتثاءب ابنتي فأهدهدها حتى تستسلم للكرى .. أضعها على سريرها وأظل أنظر إليها متفحصا وجهها البـريء ، متتبعا أنفاسها المنتظمة ، فلا أملك إلا أن أنحني وأقبل خدها المتورد متمتما: - أصلحك الله و درأ عنك المصائب .
    ثم أطفئ النور و أخرج من الحجرة ليلفني هواء بارد أ فأنتبه إلى النافذة المشرعة .. لكني بحاجة إلى نسمات تنعش بدني المتعب ، وإلى لحظات سكون يريح ذهني المتأججة أفكاره المتضاربة آراؤه . و أنظر ناحية المعرض ، فألمح توهجه رغـــــم هذا الوقت المتأخر من الليل ، كأنه فوهة بركان .[/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 20-04-2014, 09:25.
  • أ.د/خديجة إيكر
    أستاذة جامعية
    • 24-01-2012
    • 275

    #2
    قصة جميلة
    محورها السؤال ... الذي يشغل صغيرنا لرغبته في المعرفة ...
    و كبيرَنا لحتمية جوابه عنه ...

    دام الإبداع

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أ.د/خديجة إيكر مشاهدة المشاركة
      قصة جميلة
      محورها السؤال ... الذي يشغل صغيرنا لرغبته في المعرفة ...
      و كبيرَنا لحتمية جوابه عنه ...

      دام الإبداع
      الأستاذة خديجة ..
      أسعدني هذا المرور وكذا الثناء على قصتي وأتمنى أن ابقى دوما عند حسن ظنك ..
      هناك عدة أشياء تجعل من هذه الدنيا مسرحا أو معرضا والحياة فيهما تمثيلية ..
      مودتي وباقة ورد
      التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 20-04-2014, 21:47.

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        نص جميل

        هو نص حاول معالجة علاقة الأبوة بنظرة أخرى
        أعجبني فيه ذلك الحوار الذي دار في نفسية البطل

        لولا أنني متعب لكتبت ردا يليق بقيمة قصتك أستاذي

        فعذرا على تأخر دخولي و قصر ردي

        تقديري استاذي رشيد الميموني
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
          نص جميل

          هو نص حاول معالجة علاقة الأبوة بنظرة أخرى
          أعجبني فيه ذلك الحوار الذي دار في نفسية البطل

          لولا أنني متعب لكتبت ردا يليق بقيمة قصتك أستاذي

          فعذرا على تأخر دخولي و قصر ردي

          تقديري استاذي رشيد الميموني
          العزيز عبد الرزاق
          تالق متصفحي بمرورك وتشرف نصي بتعليقك الذي أعطاني شحنة إضافية للمزيد من العطاء ..
          شكرا لك من كل قلبي ولك محبتي وتقديري .

          تعليق

          • حواء الأزداني
            أديبة وكاتبة
            • 28-10-2013
            • 138

            #6
            بلاغة طيبه واسلوب متقن ..لكنِ احتج بشدة على عدم توظيفك هذه الأركان في اكتساب قصة كاملة الصلاحيات ..هناك تفكك في الأفكار والحبكة مفككة ..الأفكار غير متسلسلة ..كما أن النهاية لا تسهم في حل العقدة ..اسعدني اني قرأت لك اتمنى ان لايضيق صدرك من ملاحظاتي .
            حــــــواء الأزداني

            ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

            تعليق

            • كريم القيشوري
              أديب وكاتب
              • 03-03-2013
              • 149

              #7
              من خلال سردك المنساب؛وتقديمك للنموذج الأب المتوخى؛ اسمتعت بتجوالي في معرضك الضاخ بالرسائل سي رشيد. تقديري

              تعليق

              • رشيد الميموني
                مشرف في ملتقى القصة
                • 14-09-2008
                • 1533

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة حواء الأزداني مشاهدة المشاركة
                بلاغة طيبه واسلوب متقن ..لكنِ احتج بشدة على عدم توظيفك هذه الأركان في اكتساب قصة كاملة الصلاحيات ..هناك تفكك في الأفكار والحبكة مفككة ..الأفكار غير متسلسلة ..كما أن النهاية لا تسهم في حل العقدة ..اسعدني اني قرأت لك اتمنى ان لايضيق صدرك من ملاحظاتي .
                الكريمة حواء ..
                أولا دعيني أعبر لك عن امتناني لمرورك وتعليقك وهذا دليل على أن قصتي حظيت باهتمامك .
                لكني أندهشت كثيرا لجملتك هذه :" أتمنى ان لايضيق صدرك من ملاحظاتي".. ولا أدري ما الداعي لكي يضيق صدري علما أن لكل رأيه وأنا أحترمه كيفما كان لأنه يخص صاحبه فقط ..
                شكرا ولك مودتي .

                تعليق

                • أحمدخيرى
                  الكوستر
                  • 24-05-2012
                  • 794

                  #9
                  الاستاذ " رشيد الميمونى "
                  تمتعت معك بـ قراءة سردية ممتعة تخللها حوار جميل وموظف بشكل طيب
                  " اعجبتنى الفكرة صراحة " والحوار الذى لا ينتهى بين الاباء وفلذاتهم .. الا إذا اختار الابناء الخاتمة .
                  اشكرك سيدى الكريم على متعة القراءة .
                  حتى يختار الابناء
                  https://www.facebook.com/TheCoster

                  تعليق

                  • رشيد الميموني
                    مشرف في ملتقى القصة
                    • 14-09-2008
                    • 1533

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة كريم القيشوري مشاهدة المشاركة
                    من خلال سردك المنساب؛وتقديمك للنموذج الأب المتوخى؛ اسمتعت بتجوالي في معرضك الضاخ بالرسائل سي رشيد. تقديري
                    العزيز كريم ..
                    أهنئ نفسي على هذا المرور العبق الذي أسعدني وزاد من تحفيزي على العطاء ..
                    شكرا لك من كل قلبي .
                    ولك كل محبتي .

                    تعليق

                    • رشيد الميموني
                      مشرف في ملتقى القصة
                      • 14-09-2008
                      • 1533

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة أحمدخيرى مشاهدة المشاركة
                      الاستاذ " رشيد الميمونى "
                      تمتعت معك بـ قراءة سردية ممتعة تخللها حوار جميل وموظف بشكل طيب
                      " اعجبتنى الفكرة صراحة " والحوار الذى لا ينتهى بين الاباء وفلذاتهم .. الا إذا اختار الابناء الخاتمة .
                      اشكرك سيدى الكريم على متعة القراءة .
                      حتى يختار الابناء
                      الكريم أحمد ..
                      أسعدني هذا التعليق الذي جاء ليعطي قيمة أكثر من مضافة لقصتي .
                      كلمات الشكر لايمكنها أن تفيك حقك من التقدير أخي ..
                      دامت لك محبتي الأخوية دون حدود .

                      تعليق

                      يعمل...
                      X