التجوَّال كتقنية دالة .. فى عالم إبراهيم عطية القصصى
( قراءة فى مجموعات ( طعم الوجع ، صيد المطر ، حوريات الضوء )
العربى عبدالوهاب
تتمحور تجربة الكتابة القصصية عند إبراهيم عطية(* ) فى السعى الدؤوب نحو الانفلات من أسر المكان / الحيز المركزي الذى تنتمى إليه الشخصية ( بحكم الإقامة أو المولد) هذا الانفلات يتمثل فى التجوال ، تنفسيا عن المحتوى النفسى المحبط الذى يدفع بالشخوص إلى التجوال عبر فضاءات متعددة ـ ولأن المكان هو الذى يطبع الشخصية بطابعه ويختمها بخاتمه وهو صاحب سطوة فى عالم الرواية بينما فى القصة القصيرة فالمكان مجرد عامل أو عنصر يساعد على إنتاج الدلالة الكلية للنص ـ فإن هذا التنقل بين الجدران الضيقة للمسكن والمدينة باتساع شوارعها وعمارتها العالية يمثل متاهة ؛ ويخلق مفارقة بين القرية والمدينة و تنويعا للأمكنة مما يمنح القصص طاقة إيحائية تبعث روح المفارقة على أكثر من مستوى سردى . فهل ثمة رغبة ملحة لدى شخوص القصص فى احتواء الأمكنة التى يعيشون بداخلها يقول الكاتب ( المكان الذى احتوانى احتويته ) أم هى التى تحتويهم وتشكل ملامحهمم وأمزجتهم ونوازعهم ورؤاهم نحو الحياة ، " فالعلاقة بيننا وبين الأعمال الفنية إذن ليست علاقة واحدة فقط : بل هى العلاقة الجمالية أو علاقة الاستمتاع والتأمل على مسافة معينة فقط من النص ، بل علاقة موقفية تعتمد على " طبيعة التفاعل " بيننا وبين العمل الفنى فى موقف معين " (4) والتفاعل يكون منتجا حين يعتمد على التأويل وهو فهم يحدث بمقتضاه امتلاك للمعنى المضمر فى النص من جهة علاقاته الداخلية وكذا علاقاته بالعالم والذات .
وعلاقة الشخوص بالمكان الذى يرمى بظلاله القصص عبر المجموعات الثلاث ؛ تعكس رغبة الدفينة فى امتلاك المكان ؛ تعنى عدم التحقق .. والتشيؤ .. بل تشظى الأحلام والرغبات ومن ثم ينبع الاهتمام بالمنجمين والإيمان بالخرافة والاعتماد على الذاكرة فى معايشة أحلام اليقظة وهذا ما نراه فى اختيار الكاتب لعنوانىَّ مجموعتيه ( صيد المطر ، حوريات الضوء ) وكما يقول : د . سيد حامد النساج
أن بناء القصة فى تصورى ، يبدأ بـ " عنوان القصة " جدته . كيفية تركيبه . دلالته على الشخصية أو الحدث أو المكان أو الزمان . اتفاقه مع الجو النفسى العام للقصة درجة الابتكار والخلق فيه " (5)
والتجوال بما يعكسه من حركة وخروج وتنفيس وتوق وانعتاق يصور لنا شخصيات القصص ، غير متكيفة مع المكان الذى تقطنه أو تنتمى إليه يقول : "أحيانا أمنى نفسي ، وأخرج للمدينة متحديا العزلة بحثا عن ود مفتقد ضاع مع الطباع الحادة ، واللامبالاة" ( قصة نبوءة ) وللتجوال أشكال وتجليات عدة منها
1 ـ كسر حالة الثبات / التجمد الذى أفرخه الزمن على الشخوص ( طلل النحاس ، سيرة ما جرى )
2ـ التجوال بحثا عن ود مفتقد قصص ( الحياة مرة أخرى ، سيدة المدينة ، كل شئ على ما يرام )
3ـ التجوال بحثا عن الرزق أ و التعليم أومن أجل المغامرة أو هربا من مطاردة قصص ( تراتيل السفر ، الوجع ، المطارد ، حصان خشب )
4ـ التجوال من أجل الانتصار على القهر قصص (حوريات الضوء، خمسة أمتار بالكمال تعيد الثقة )
5 ـ التجوال رغبة فى احتواء الفراغ
قصص (دفء المشاعر ومعظم القصص الأخرى )
وإذا كانت تجليات التجوال تتمثل فى الحركة التى تقوم بها الشخصيات عبر أحداث القصص وهى متنوعة فصور التجوال فى كتابات إبراهيم عطية تتنوع ، حسب تركيب القصة وبناء العالم النفسى لشخوصه التى دوما تشعر بانسحاق شديد من الواقع المعيش ، بيد أنها لا تستسلم لمواضعات الهزيمة . فهى تسعى جاهدة للتخلص من أغلال خارجية تحاول تحديد حركتها أو بالأحرى سجنها داخل حيز ضيق.
ضيق الأماكن واتساعها يحمل فى طياته ـ بلا شك ـ بعدا نفسيا .. ولأن الهزيمة تعنى الاندحار والتحلل فى ذات المكان ؛ كان التجوال و الحركة ـ متحققين بقصد الخروج عن حالة العزلة المفروضة كبعد دلالى للتقوقع والتراجع
أولا ـ التجوال كحركة لمحو غبار الزمن
نراه فى قصة طلل النحاس يضرب بعمق فى عفونة الزمن التى ألمت بمعنى البطولة وقيمتها ومن ثم اندحارها ، فصارت نياشين البطولات الحربية لا تغنى عن الجوع وسد الحاجة والعوز وهذا ما يدفع بالتمثال / طلل النحاس ليترجل خارجا عن البعد الدلالى الرمزى لوجوده ؛ بسبب تهاوى غلالة الرمز فى وجوده الدال على بطولته واستشهاده ..تحريك الكاتب هنا للتمثال كتقنية قصصية ساعد على خلق حبكة مفترضة منذ بدء النص ( وأيضا تكرارها فى قصة سيرة ما جرى ) يعنى وعى القاص الثاقب فى اختراق حجب معقولية الحدث / واقعيته .. ومن ثم الولوج إلى أرض التخييل وفى نفس الآن التماس مع التراث وخاصة ( حديث عيسى ابن هشام ـ للمويلحى ) فقيام الباشا بتفقد أحوال الحياة الحديثة ومتاعبها يلقى بالنقد غير المباشر على واقع لم يعد قادرا على رؤية حجم التحولات التى يمر بها وهى نفس الحالة التى يصل إبراهيم عطية منها الى نقد بل وإدانة واقعه بسبب تساقط قيمه ورموزه . يقول فى بدء القصة
( تلاشى ظله المدود حين حركته نسمات رطوية البحر ..
لكنه يغافل لحظة الثبات ويشير للسفن المارة ..
ربما سخطته إحدى الجنيات مخلوقا نحاسيا ..
أفاق على صوت همهمات كثيرة ..
أضواء فلاش الكاميرات أرمدت عينيه حتى تهيأت أشباحا .. )
تلحظ من خلال تلك الأسطر المقتطعة بعناية من الصفحات الأولى للقصة بأنه ثمة استهلال يقرر وضعية ما سلبية ألمت بالتمثال عبر تراكم أتربة الزمن وعبر فلاش الكاميرات التى تحتفى أكثر كبوق دعائى بينما تهمل فى المقابل ما تسعى القصة لكشفه عبر رحلة السرد .. ألا وهو رؤية بطل آخر من أبطال الحرب عثر عليه على الرصيف زميله فى الفرقة شخص أهمله الزمن ورماه من ثقوب الذاكرة المهترئة .. مبتور الساق فوق مقعد متحرك ، وفوقه كومة من الهلاهيل المتسخة
الوصف المتأنى للزمبل الحى ، يقدم صورة أخرى وملحما آخر للبطولة ؛ الطلل / البطل الشهيد فى حركة موازية لبطل منسى ، تقديس الاستشهاد /الموت فى مقابل نسيان الأحياء من الأبطال بدون توفير حياة كريمة لهم ؛ اذن الحركة التخييلية للطلل جاءت كمبرر يكشف بسخريته شديدة عدم جدوى الأوسمة والنياشين فى تمكين البطل الحى من مواجهة عنت الحياة بساقه التى فقدها فى الحرب وتحيل بينه وبين كسب الرزق .
ثمة إدانة تتكرر عبر فضاءات النص فى مشاهدات البطل / الطلل الذى ترجل متخليا عن دوره السلبى أمام فلاش الكاميرات وشعوره بعدم الأمان أيضا عندما قرر العودة للحياة فى ذلك الزمن الذى ينكر أبطاله
وهذا ما يدفع البطل الآخر / عوض المقعد العائش كمتسول وهو المرادف الحى للطلل/ التمثال لأن يحسد المقاتل الشهيد / محمد عبدالرحمن على استشهاده وهى نفس المرارة التى يشعر بها الطلل بعد ترجله ومحاولته العودة مرة أخرى للحياة
ليعود أدراجه إلى الثبات / السكون فى نفس المكان لأنه فى كلا الحالتين مر .. الحركة فى ظل واقع يتنكر لأبنائه أو الثبات بلا حيلة ولا إرادة .
إن القصة على ذلك المحمل لا تتوقف عند الأمثولة المسرودة ، بقدر ما تبث عبرها رؤية سوداوية متشحة بالحزن إزاء كم التنكر لأبناء وأبطال الوطن وتبث إشارة ضمنية إلى علو الأصوات / الأبواق الدعائية وتناقضها مع ذات حالها / واقعها المحبط .
وإذا كان التجمد والعودة إلى نقطة البداية بانكسار شديد هو المصير المنتظر لبطل قصة طلل النحاس ؛ فإن ذات المصير من الإهمال والتجاهل هو الذى ينتظر " عبد العاطى " صائد الدبابات فى حرب أكتوبر .. الموت على سرير بارد بلا أدنى دعاية .. سواها ترنيمة الكاتب فى بدء النص كأنها العديد ( جسدا أعياه التعب .
وأسكنه سرير المرض فسكنت الروح ،
غسلته ملائكة الرحمة ، وتطيب بالنور )
وإذا كانت قصة سيرة ما جرى تسير على نفس الخطى الدرامية فى الحبكة الفنية لقصة طلل النحاس .. حيث يترجل تمثال الزعيم أحمد عرابى عبر نفس الفرضية التخيلية التى من شأنها جذب اهتمام القارئ ووضعه داخل حيز لامعقولية القصة إلا أنها تحاول ـ من خلال هذه التقنية ـ أن تكشف عن مدى المفارقات الحادثة بين زمنين متفاوتين .. هما زمن الزعيم بأصالته وزمن السرد / الحاضر من تزييف للمعانى والدلالات والقيم متمثلة فى الملبس ومسوح الدين التى يتخفى وراءها البعض ليمارسوا عنفا ما أو رغبة فى محاكمة الواقع .. فى القصة عدة تيارات وأنماط مختلفة من البشر تصطرع من أجل العيش فى ذات المكان لذا كانت الحبكة القصصية ( أن يترجل الزعيم عن وقفته وثباته وتجمده إزاء حركة الزمن ويسير وسط المدينة ) حبكة ضرورية للتعرض لتفاصيل الحياة اليومية .
وتنتهى القصة إلى ما يشبه الانتحار فى بحر مويس بين الهيش وورد النيل . وتؤكد القصة رفض الزعيم بقسوة هذا الحاضر كما تجعل من عودته ـ وهو الصورة الزاهية للماضى المشرق ـ رغبة ملحة لدى الكاتب ومستحيلة فى نفس الآن .
كل ذلك وفر للنص طزاجة وطعما يجعلانه قادرا الحياة . ملامح الواقع تعكس فى تلافيفها نقدا لاذعا ، ورفضا للتحولات الفجة .
وعلى الرغم من تقليدية الفكرة إلا أن ما يحمله السرد من طاقات تخييلية ومن ربط المفارقات ، وإعادة استقراء الواقع بطرق حداثية واستعادة تقنية كلاسيكية فى مقامات ( حديث عيسى ابن هشام للمويلحى ) ومن ثم اعادة إنتاجها بوسائل جديدة وشيقة ، جعل النص مابض بالحياة المعاصرة ومفارقا للماضى ، مما وفر للنص ثراء ، وخلق من خلاله ثقلا فنيا ، بجماليات متعددة .
ثانيا ـ التجوال بحثا عن ود مفتقد.
يقول فى أول قصة "سيدة المدينة " ولما ضاقت الدنيا فى وجهى ، أخذتنى قدماى إلى كورنيش المدينة وحدى جلست والشمس التى تغازل وجه الماء ، تبدت حبات من اللؤلؤ تشكلت حورية " الدافع للحركة هنا هو الضيق / الحزن / عدم التحقق .. والتجوال عندئذ يصبح ملاذا وغاية . ومن ثم يبدأ بطل القصة فى خلق عوالم أخرى بديلة لتلك التى قهرته ويتحول التجوال إلى معادل نفسى لتيمة الفقد ومبررا فنيا لتقبل ما يطرحه النص من رؤى .. الحورية المخلوقة من وهج خياله هى سيدة المدينة التى تمنحه نفسها عن طيب خاطر ؛ بل وتمارس معه كافة فنون الوصال . هذا التواصل مع الخيال يعكس كم الهزائم المتوالية التى يواجهونها أبطال إبراهيم عطية .. " يا سيدتى لم أكن من قبل خيالا ، والدنيا لا تعطى من يرغبها " ثم يخرج من عندها ليتوحد بالمكان . بالمطر والهواء البارد والكشافات الفسفورية وبولد وبنت يتبادلان الغرام .. " ومن الطبيعى إذن أن يلجأ إلى الشجرة التى شهدت لقاءاته مع محبوبته التى أغواها العجوز الثرى وأغرق أهلها بماله .. تتجلى فى القصة عدة إشارات دلالية تتمكن من بلورة الأوضاع الاقتصادية لشباب الطبقة البرجوازية ومن دونها .
ونفس الفعل تقريبا هو ما يدفع الشاب الجامعى المعوق فى قصة (الحياة مرة أخرى ) إلى قبول فقد محبوبته لقناعته بتواضع مستواه الاقتصادي ـ وإن توافر الحب ـ وتلك القصة أيضا تتبعثر فيها الإشارات الدلالية ـ شأن الكاتب دوما فى تحميل قصصه أبعادا دلالية تتمكن من تبئير الحدث ومن ثم نصوع وتوهج الرؤية ووصولها للقارئ عبر أكثر من مستوى .. وكون الشاب معاقا منذ الصغر بشلل الأطفال بما يدل على أنه بلا ذنب حيال وضعيته فى المجتمع الذى يتوارث أبناءه المرض والفقر ومن ثم تبعثر الأحلام ؛ يرفض بطل القصة انتظار محبوبته ليعلن لها قراره الأخير بالافتراق إلى الأبد ، لأنه لن يقبل إحسانا وعطفا منها عليه ويلجأ الكاتب إلى حيلة فنية جيدة مستوحاة من ألف ايلة وليلة وهو ( رواية حدث من داخل حدث آخر ) حيث يسرد حدثا قصيرا بين شاب جامعى يحث فتاته على قبول العريس الجاهز المتقدم لها وفى حضور الزملاء . ذلك الموقف المسرود ما كان له حق الحضور إلى حيز السرد لولا التجوال الذى قام به الشاب .. وكأن الكاتب أيضا ينفض يديه من جعل النص حالة خاصة ويدفع به إطار التعميم ..
ويقوم المشهد القصير هذا مقام الأمثولة الدالة والبديلة عن سرد تفاصيل موقف بطل القصة وعزمه على اتخاذ قراره بنفسه ( قرار الحرمان من الحب وبالتالى من ممارسة حقه فى الحياة بالتزاوج والاستمرار ) تلك الأحلام التى تذرها الرياح تتكرر فى معظم القصص مما يجعلها تشكل ملمحا هاما فى قراءة العالم .
فعلاقات الحب تنبثق كطرح طبيعى بين الشباب والفتيات ولكن منجل الزمن بظروفه القاهرة يأتى فجأة ليحصد على مهل تلك الأحلام الخضراء ويتركها هشيما بلا مبرر سوى أن معظم هؤلاء أدارت لهما الدنيا ظهرها بعدما حولتهم الى ركاب قاطرة من الدرجة الدنيا .
هل يستسلم أبطال إبراهيم عطية إلى القهر والهزيمة .. لا أظن لأن الكاتب يلح على نفس التيمة ويعاود الغزل مرة إثر مرة وبطرائق متعددة كالعازف الذى يقدم لحنا واحدا وبروح واحدة ولكن عبر أكثر من آلة موسيقية .. جوقة كبيرة تعزف لحنا جنائزيا أسيانا ويتجلى ذلك الحزن قاسيا فى المجموعتين الأوليين ( طعم الوجع ، وصيد المطر ) ولا يزيد عن نصين فى مجموعته الأخيرة حوريات الضوء .. فهو فى دفء المشاعر لا يجعل ظاهر النص منشغلا بالبحث عن ذلك الود المفتقد ، حيث تتصدر الأحداث العامة العسكرية منها والسياسية مساحات السرد وتتشكل حالة التيه التى يعيشها البطل صدر الرؤية ؛ إلا أنه ثمة ود مفتقد ، ثمة حب ما ، أو علاقة دافئة ينتظرها الشاب ومن ثم فهو يعيشها مع أية فتاة يشعر أنها حوريته / فتاة حلمه .. المؤجل دوما ومن هنا تنتهى القصة بذلك التلاقى السريع .. القريب جدا من الحالة الحلمية
أيضا تلتمع فى القصة تفاصيل صغيرة للحياة اليومية ، تفاصيل من شأنها أن يقتنص النص الحياة بتوترها وحروبها ومجاعاتها ، وحزنها المتولد فى سعى البطل بوصفه صحافيا لالتقاط تلك اللمسات ؛ وتلك السمة تتمتع بها مجموعة " حوريات الضوء أكثر من طعم الوجع التى يعلو فيها السر الغنائى وتستفيد فيها اللغة من بناء الجملة الشعرية أكثر من إتكائها على السرد المحتشد بالحيوية والإيقاع كما فى حوريات الضوء بشكل جلى وفاعل مقارنة بالمجموعة الثانية " صيد المطر " والتى تتوسط عقد التجربة ، وعلى الرغم من القدرات الفنية التى تتمتع بها إلا أنها تظل كأنها المعبر ـ على مستوى بناء الجملة السرية ـ بين مجموعتى طعم الوجع وحوريات الضوء .
ثالثاً ـ التجوال بحثا عن الرزق أ و التعليم أومن أجل المغامرة أو هربا من مطاردة .
التجوال هنا عامل ضرورى فى انتاج القصة .أو أحد عناصر الحدث أى هو الفعل المادى الذى ينبنى عليه النص ، هو الفعل وليس ناتجا عن حيلة فنية فى الحبكة مثلا كما رأينا فى طلل النحاس ، وسيرة ما جرى أو عنصرا لتحريك البنية السردية الساكنة كما فى القصص السابقة هو هنا عمود من أعمدة بماء المتن السردى وبدونه لا يتحقق وجود القصة ولا تكتمل .
نراه فى قصة حصان خشب يوافق الخالة على الهرب من قسوة البيئة الريفية متمثلة فى الأم والقيام بزيارة إلى الجدة فى المدينة البعيدة ؛ أولا رغبة فى اكتشاف أمكنة جديدة هى مجهولة له والكاتب يجيد تصوير عالم الطفولة البعيد ويتمكن من بعث الدماء الى عروقه فى أكثر من قصة ، فالريف مرتع الطفولة يتبدى فى القصص كلوحة الراعى وقت الغروب .. اللون الشفقى غالب وبقدر الطفولة المعذبة إلا أنه ثمة حنين فى أكثر من قصة بعنوان أنكرتنى بيوت القرية .. تلك القرية التى شهدت لعبه ونزقه الجميل وجريه بين شوارعها وحاراتها وهروبه للجدة وعودته الخائبة بعدما تمكنت حرارة الصيف والتراب من إصابة عينيه هنا الواقع يقرض بطريقة خفية على النص ـ أيضا ـ سطوته ويقدم عالما ماضيا يسبق زمن السرد ، بيد أنه زمن جميل ومفعم بالألوان الخلابة وبتفاصيل الحياة الريفية وإن كانت الذاكرة هى المعين والرافد الأول لعملية الحكى ؛ أما فى قصة "المطارد" فالحركة تتم عبر فضاءات أكثر اتساعا حيث تصور مأساة اللاجئ الفلسطيني وأنه بلا هوية فى كل الأماكن التى حلَّ بها .. فكرة القصة مستهلكة إلى حد بعيد وإن آثرنا التعرض لها من باب استكمال ألوان التجوال الذى تفرضه ظروف الواقع المعيش على شخصيات القصص ، فهو تجوال قهرى وحركة مختلفة عن تلك التى قام الطفل فى ق . حصان خشب .
أما التجوال فى قصة تراتيل السفر فهو مقصود وهادف الى تحسين الوضع الاقتصادى لكنه فى نهاية القصة تسرقه لصوص المدينة أبناء الحيل والمكر ولأنه الريفى ابن الصراحة والوضوح كبقية مفردات بيئته ، يسقط مهزوما فى أحابيل وألاعيب أبناء المدينة ولا يتبقى أمامه سوى أن يعود أدراجه لقريته مهزوما .. القصة فى مجملها تعالج فكرة مطروقة منذ زمان بعيد فى الكتابة ولذلك فالاندهاش المرسوم على ملامح البطل غير مبررة ، لأنها تسحب وعينا للأفلام القديمة ؛ فلا يجوز تقديم نص قصصى الآن بنفس الوسائل سابقة الإنتاج إلا فى حال أن يطرح الجديد أن يأخذ التجربة من حالتها العامة العادية الى حيز التجريب وإعادة إكتشاف ملامح جديدة تمكن القارئ من انتاج قراءة جديدة لواقعه .
رابعا ـ التجوال من أجل الانتصار على القهر
قصص( خمسة أمتار بالكمال تعيد الثقة ، حوريات الضوء )
ثمة علاقة تربط القصتين تماما ، هى علاقة تماثل ، حيث يرتبط المغزى / الهدف / الدلالة التى تنبع من قرار بطلى العملين خيث يواجهان قوة متفوقة عليهما هذه القوة هى القهر والرغبة الكامنة فى المحيط النفسى والعقلى للشخصيتين هى لامناص من تلك المواجهة ؛ لأنه بدونها يظل الأب قعيدا والأخ فى حاجة ماسة لهواء نقى وحرية ما وحياة . فهل البطل الذى يصر على مواجهة بطل العالم فى المصارعة فى حوريات الضوء كان أمامه حل آخر أو تحدٍ آخر كما هو الحال عند بطل قصة خمسة أمتار .. لأن القفزة المنتظرة بمثابة ميلاد جديد للحياة وميلاد لأفراد الأسرة هنا تلتمع فكرة التضحية من أجل الآخرين أو المخلص الذى سوف ينقذ مثالية الحياة المنهكة ويعيد إليها رونقها وحلاوتها بعد أفول يقول فى حوريات الضوء " أوقفت نشوة النصر أبى على قدميه ، وسط صفير وهتاف متنوع من المشجعين .. بادلتهم التحية والقبلات .. زاغت نظراتى فى زهور الضوء المتساقطة من أيدى الحوريات اللائى يبادلننى ابتسامات عذبة .. التففن حولى وحملتنى للسماء .. خر جسدى مستسلما للراحة .. يغرقنى ضوء من نور أبدى .." نلاحظ أن الجسد قد خرَّ فى النهاية ربما إعياء أو موتا لكن بعد أن نهض الأب .. ونلاحظ فى ثنيات النص ذكر للحوريات اللائى يوازين الحياة ومباهجها على النقيض من دلالة الحوريات فى النهاية ؛ فهن حوريات من الجنة .. وحين تلتمع الرؤى ويخر الجسد يصبح المكان محض إفتراض .. الحياة على مستوى الفرد / البطل موت وبعث أو بالأحرى " دينيا " الموت هو مروق الى حياة أخرى أجمل وأكثر رحابة وأقل قهرا من بطل العالم المتربع فى القصة / الحياة وكل من ينازله يكون مصيره الضربة القاضية كما أن القفزة فى خمسة أمتار هى عبور من حالة / الخوف / القهر ـ على المستوى الأسرى والذاتى ـ الى تفوق منتظر ومتخيل ؛
القصتان تضربان بجذورهما فى محيط طرح دلالات رمزية تقوى أواصر العلاقات بين النصين وبين الواقع الموضوعى خارجهما
وسرد التفاصيل بدقة وتأنى يقوى من تهيئة المتلقى على معايشة الحالة النفسية .., العالم الداخلى للشخصية ومن ثم قراءة أبعاد الصورة المتخيلة لأبعاد الصراع بين الحياة والموت بين الوجود والعدم حيث يتمكن المتلقى من تجميع الشذرات و الجمل ينثرها الكاتب بحرفية داخل بنية السرد المحتشدة بالتفاصيل الدقيقة لحالة البطلين وتطورها صعودا من توكيد الرغبة الكامنة فى النفس الإنسانية على التحدى ، على تجاوز القهر والانتصار عليه
وتعمل التفاصيل أيضا على خلق حبكة فنية ـ رغم تقليديتها ـ إلا أنها متوافقة ومنسجمة تماما البنية السردية القائمة على الصراع وعلى توكيد الحدث بينما تتجلى صور وآفاق الدلالات المكتنزة داخل الجمل الرمزية
خامسا ـ التجوال رغبة فى احتواء الفراغ .
فى قصة ( دفء المشاعر ) يتعرى النص فى أكثر من موضع ليكشف لنا أزمة إنسان القصة وهى الإحساس الدائم بالانكسار ومبعثه اللاجدوى .. حيث نرى منذ البدء رغبة ملحة فى احتواء الفراغ الذي يغلف رؤاه للعالم الذي ينفتح على الحروب والظلم الذي صار مفردة ملازمة لكل الشعوب الفقيرة وما يتولد عنه من جوع وفقر وعدم قدرة ـ حسب ما تفرضه الظروف الاقتصادية ـ على الزواج الموازى دلاليا للحياة .. ومن ثم فإن الرغبة الحلمية فى التوحد بالأنثى تخطر عبر ذاكرة البطل وتتم بلا أدنى معوقات من واقع هو بطبيعته رافض وقاهر وغير منتج لتك العلاقات وذلك البطل الشاعر دوما بتلك البرودة لا يتمكن من تحقيق رغبته إلا عبر تحقيق الحب على أرض الواقع فقط فى الذاكرة أو بالأحرى ـ حسب مفهوم اللاجدوى ـ لاضير أن نحب ونعيش فقط المشاعر دون زواج .. وبالتالى يتولد الفراغ فى بدا القصة الذي يرغب البطل فى ؛ احتوائه بعدما احتوى عمره الفائت رغما عنه ؛ يقول [ الفراغ الذي يحتوينى احتويته ، سرنا معا نبكى بيوت العاشقين ، وعمارات الأسمنت العالية تناطح السحاب ، المدينة هى المدينة تتساقط من أجفان نوافذها قطرات الوجع الساكن فينا شوارع مخنوقة بالدخان ، وأسراب الضوضاء تخترق السمع ، وساعة الميدان تحسرنا على الزمن الذي يمضى ، يبعثر سنوات العمر فى معنى بلا حياة ] نلحظ خطابا عن البطل يشتمل على رتوش سريعة تنم عن ظروفه وتنم أيضا عن رغبة فى احتواء هذا الحزن الذي شكل حياته وسوف نرى أنه أيضا سوف يلقى بظلاله على معظم قصص وإذا كان السرد قد تقدم لاعتلاء المشهد القصصى فى تلك المجموعة وهى ـ حسب الترتيب ـ الثالثة فإننا نلحظ ذلك الانكسار مطروح أيضا وبشكل كبير خاصة فى العلاقات التى تتناول علاقات الحب فى مجموعة طعم الوجع ولكن تتم المعالجة بلغة تحمل إيجاز الشعر واكتناز واتساع حقوله الدلالية وذلك فى أقاصيص( تنويعات على لحن الوجع ) وفى قصة طعم الوجع وهى أول قصص مجموعة طعم الوجع ، وهل من المصادفة أيضا أن تبدأ مجموعة ( صيد المطر ) بأقصوصة ( رؤية ) وتعكس نفس حالة الانكسار العاطفى يعد افتتاح الثلاث مجموعات على ذات النهج بعدا دلاليا راصدا لأبعاد اجتماعية وقيم ضرورية لاستمرار الحياة قد تهاوت وخضعت لسلطان المادة بينما جيل كامل من الشباب قد صار غير مهيأ اجتماعيا لممارسة حقه فى الحب ومن ثم الزواج واستمرار الحياة ؛ إن ذلك الطرح يعكس أمورا أخرى موازية كحالات الانكسار والحزن فى معظم النصوص .
إن الأبعاد السيكولوجية للشخصيات تشكلت وتطورت من خلال التجوال وتأسست أبعادها النفسية من خلال الحركة والثبات داخل فضاءات متعددة وأن ذلك انعكس على البنية السردية..أو بمعنى آخر ساعد على إبراز التحولات الحادثة فى البنية السردية وقت سكون الشخصيات وضغط المكان عليها ؛ ووقت تجوالها بما يدلل على توتر الجملة السردية وتشظيها أثناء الحركة ومن ثم تتخلل البنية السردية حسب تحولات الشخوص النفسية ، وحسب تأثيرات الأمكنة وتنوعها من خلال التجوال الذي اتكئ عليه إبراهيم عطية كتقنية دالة عالمه القصصى . ــــــــــــــــــــــ
هـوامــش
ــــــــ
1 ـ إبراهيم عطية ـ طعم الوجع ـ سلسلة ابداعات ـ العدد 64 ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1998م
2 إبراهيم عطية ـ صيد المطرـ ـ مطبوعات ثقافة الشرقية ـ 1998 م
3 _ إبراهيم عطية ـ حوريات الضوء ـ سلسلة خيول أدبية ـ مطبوعات محافظة الشرقية ـ 2006 م
4 ـ د . شاكر عبد الحميد ـ التفضيل الجمالى ـ سلسلة عالم المعرفة ـ عدد 267 ـ 2001 م
5 ـ د . سيد حامد النساج ـ الحلقة المفقودة فى القصة القصيرة ـ مطبوعات هيئة قصور الثقافة ـ أغسطس ـ 1999 م
ـــــــــــــــــــــــــــ
العربى عبدالوهاب
( قراءة فى مجموعات ( طعم الوجع ، صيد المطر ، حوريات الضوء )
العربى عبدالوهاب
تتمحور تجربة الكتابة القصصية عند إبراهيم عطية(* ) فى السعى الدؤوب نحو الانفلات من أسر المكان / الحيز المركزي الذى تنتمى إليه الشخصية ( بحكم الإقامة أو المولد) هذا الانفلات يتمثل فى التجوال ، تنفسيا عن المحتوى النفسى المحبط الذى يدفع بالشخوص إلى التجوال عبر فضاءات متعددة ـ ولأن المكان هو الذى يطبع الشخصية بطابعه ويختمها بخاتمه وهو صاحب سطوة فى عالم الرواية بينما فى القصة القصيرة فالمكان مجرد عامل أو عنصر يساعد على إنتاج الدلالة الكلية للنص ـ فإن هذا التنقل بين الجدران الضيقة للمسكن والمدينة باتساع شوارعها وعمارتها العالية يمثل متاهة ؛ ويخلق مفارقة بين القرية والمدينة و تنويعا للأمكنة مما يمنح القصص طاقة إيحائية تبعث روح المفارقة على أكثر من مستوى سردى . فهل ثمة رغبة ملحة لدى شخوص القصص فى احتواء الأمكنة التى يعيشون بداخلها يقول الكاتب ( المكان الذى احتوانى احتويته ) أم هى التى تحتويهم وتشكل ملامحهمم وأمزجتهم ونوازعهم ورؤاهم نحو الحياة ، " فالعلاقة بيننا وبين الأعمال الفنية إذن ليست علاقة واحدة فقط : بل هى العلاقة الجمالية أو علاقة الاستمتاع والتأمل على مسافة معينة فقط من النص ، بل علاقة موقفية تعتمد على " طبيعة التفاعل " بيننا وبين العمل الفنى فى موقف معين " (4) والتفاعل يكون منتجا حين يعتمد على التأويل وهو فهم يحدث بمقتضاه امتلاك للمعنى المضمر فى النص من جهة علاقاته الداخلية وكذا علاقاته بالعالم والذات .
وعلاقة الشخوص بالمكان الذى يرمى بظلاله القصص عبر المجموعات الثلاث ؛ تعكس رغبة الدفينة فى امتلاك المكان ؛ تعنى عدم التحقق .. والتشيؤ .. بل تشظى الأحلام والرغبات ومن ثم ينبع الاهتمام بالمنجمين والإيمان بالخرافة والاعتماد على الذاكرة فى معايشة أحلام اليقظة وهذا ما نراه فى اختيار الكاتب لعنوانىَّ مجموعتيه ( صيد المطر ، حوريات الضوء ) وكما يقول : د . سيد حامد النساج
أن بناء القصة فى تصورى ، يبدأ بـ " عنوان القصة " جدته . كيفية تركيبه . دلالته على الشخصية أو الحدث أو المكان أو الزمان . اتفاقه مع الجو النفسى العام للقصة درجة الابتكار والخلق فيه " (5)
والتجوال بما يعكسه من حركة وخروج وتنفيس وتوق وانعتاق يصور لنا شخصيات القصص ، غير متكيفة مع المكان الذى تقطنه أو تنتمى إليه يقول : "أحيانا أمنى نفسي ، وأخرج للمدينة متحديا العزلة بحثا عن ود مفتقد ضاع مع الطباع الحادة ، واللامبالاة" ( قصة نبوءة ) وللتجوال أشكال وتجليات عدة منها
1 ـ كسر حالة الثبات / التجمد الذى أفرخه الزمن على الشخوص ( طلل النحاس ، سيرة ما جرى )
2ـ التجوال بحثا عن ود مفتقد قصص ( الحياة مرة أخرى ، سيدة المدينة ، كل شئ على ما يرام )
3ـ التجوال بحثا عن الرزق أ و التعليم أومن أجل المغامرة أو هربا من مطاردة قصص ( تراتيل السفر ، الوجع ، المطارد ، حصان خشب )
4ـ التجوال من أجل الانتصار على القهر قصص (حوريات الضوء، خمسة أمتار بالكمال تعيد الثقة )
5 ـ التجوال رغبة فى احتواء الفراغ
قصص (دفء المشاعر ومعظم القصص الأخرى )
وإذا كانت تجليات التجوال تتمثل فى الحركة التى تقوم بها الشخصيات عبر أحداث القصص وهى متنوعة فصور التجوال فى كتابات إبراهيم عطية تتنوع ، حسب تركيب القصة وبناء العالم النفسى لشخوصه التى دوما تشعر بانسحاق شديد من الواقع المعيش ، بيد أنها لا تستسلم لمواضعات الهزيمة . فهى تسعى جاهدة للتخلص من أغلال خارجية تحاول تحديد حركتها أو بالأحرى سجنها داخل حيز ضيق.
ضيق الأماكن واتساعها يحمل فى طياته ـ بلا شك ـ بعدا نفسيا .. ولأن الهزيمة تعنى الاندحار والتحلل فى ذات المكان ؛ كان التجوال و الحركة ـ متحققين بقصد الخروج عن حالة العزلة المفروضة كبعد دلالى للتقوقع والتراجع
أولا ـ التجوال كحركة لمحو غبار الزمن
نراه فى قصة طلل النحاس يضرب بعمق فى عفونة الزمن التى ألمت بمعنى البطولة وقيمتها ومن ثم اندحارها ، فصارت نياشين البطولات الحربية لا تغنى عن الجوع وسد الحاجة والعوز وهذا ما يدفع بالتمثال / طلل النحاس ليترجل خارجا عن البعد الدلالى الرمزى لوجوده ؛ بسبب تهاوى غلالة الرمز فى وجوده الدال على بطولته واستشهاده ..تحريك الكاتب هنا للتمثال كتقنية قصصية ساعد على خلق حبكة مفترضة منذ بدء النص ( وأيضا تكرارها فى قصة سيرة ما جرى ) يعنى وعى القاص الثاقب فى اختراق حجب معقولية الحدث / واقعيته .. ومن ثم الولوج إلى أرض التخييل وفى نفس الآن التماس مع التراث وخاصة ( حديث عيسى ابن هشام ـ للمويلحى ) فقيام الباشا بتفقد أحوال الحياة الحديثة ومتاعبها يلقى بالنقد غير المباشر على واقع لم يعد قادرا على رؤية حجم التحولات التى يمر بها وهى نفس الحالة التى يصل إبراهيم عطية منها الى نقد بل وإدانة واقعه بسبب تساقط قيمه ورموزه . يقول فى بدء القصة
( تلاشى ظله المدود حين حركته نسمات رطوية البحر ..
لكنه يغافل لحظة الثبات ويشير للسفن المارة ..
ربما سخطته إحدى الجنيات مخلوقا نحاسيا ..
أفاق على صوت همهمات كثيرة ..
أضواء فلاش الكاميرات أرمدت عينيه حتى تهيأت أشباحا .. )
تلحظ من خلال تلك الأسطر المقتطعة بعناية من الصفحات الأولى للقصة بأنه ثمة استهلال يقرر وضعية ما سلبية ألمت بالتمثال عبر تراكم أتربة الزمن وعبر فلاش الكاميرات التى تحتفى أكثر كبوق دعائى بينما تهمل فى المقابل ما تسعى القصة لكشفه عبر رحلة السرد .. ألا وهو رؤية بطل آخر من أبطال الحرب عثر عليه على الرصيف زميله فى الفرقة شخص أهمله الزمن ورماه من ثقوب الذاكرة المهترئة .. مبتور الساق فوق مقعد متحرك ، وفوقه كومة من الهلاهيل المتسخة
الوصف المتأنى للزمبل الحى ، يقدم صورة أخرى وملحما آخر للبطولة ؛ الطلل / البطل الشهيد فى حركة موازية لبطل منسى ، تقديس الاستشهاد /الموت فى مقابل نسيان الأحياء من الأبطال بدون توفير حياة كريمة لهم ؛ اذن الحركة التخييلية للطلل جاءت كمبرر يكشف بسخريته شديدة عدم جدوى الأوسمة والنياشين فى تمكين البطل الحى من مواجهة عنت الحياة بساقه التى فقدها فى الحرب وتحيل بينه وبين كسب الرزق .
ثمة إدانة تتكرر عبر فضاءات النص فى مشاهدات البطل / الطلل الذى ترجل متخليا عن دوره السلبى أمام فلاش الكاميرات وشعوره بعدم الأمان أيضا عندما قرر العودة للحياة فى ذلك الزمن الذى ينكر أبطاله
وهذا ما يدفع البطل الآخر / عوض المقعد العائش كمتسول وهو المرادف الحى للطلل/ التمثال لأن يحسد المقاتل الشهيد / محمد عبدالرحمن على استشهاده وهى نفس المرارة التى يشعر بها الطلل بعد ترجله ومحاولته العودة مرة أخرى للحياة
ليعود أدراجه إلى الثبات / السكون فى نفس المكان لأنه فى كلا الحالتين مر .. الحركة فى ظل واقع يتنكر لأبنائه أو الثبات بلا حيلة ولا إرادة .
إن القصة على ذلك المحمل لا تتوقف عند الأمثولة المسرودة ، بقدر ما تبث عبرها رؤية سوداوية متشحة بالحزن إزاء كم التنكر لأبناء وأبطال الوطن وتبث إشارة ضمنية إلى علو الأصوات / الأبواق الدعائية وتناقضها مع ذات حالها / واقعها المحبط .
وإذا كان التجمد والعودة إلى نقطة البداية بانكسار شديد هو المصير المنتظر لبطل قصة طلل النحاس ؛ فإن ذات المصير من الإهمال والتجاهل هو الذى ينتظر " عبد العاطى " صائد الدبابات فى حرب أكتوبر .. الموت على سرير بارد بلا أدنى دعاية .. سواها ترنيمة الكاتب فى بدء النص كأنها العديد ( جسدا أعياه التعب .
وأسكنه سرير المرض فسكنت الروح ،
غسلته ملائكة الرحمة ، وتطيب بالنور )
وإذا كانت قصة سيرة ما جرى تسير على نفس الخطى الدرامية فى الحبكة الفنية لقصة طلل النحاس .. حيث يترجل تمثال الزعيم أحمد عرابى عبر نفس الفرضية التخيلية التى من شأنها جذب اهتمام القارئ ووضعه داخل حيز لامعقولية القصة إلا أنها تحاول ـ من خلال هذه التقنية ـ أن تكشف عن مدى المفارقات الحادثة بين زمنين متفاوتين .. هما زمن الزعيم بأصالته وزمن السرد / الحاضر من تزييف للمعانى والدلالات والقيم متمثلة فى الملبس ومسوح الدين التى يتخفى وراءها البعض ليمارسوا عنفا ما أو رغبة فى محاكمة الواقع .. فى القصة عدة تيارات وأنماط مختلفة من البشر تصطرع من أجل العيش فى ذات المكان لذا كانت الحبكة القصصية ( أن يترجل الزعيم عن وقفته وثباته وتجمده إزاء حركة الزمن ويسير وسط المدينة ) حبكة ضرورية للتعرض لتفاصيل الحياة اليومية .
وتنتهى القصة إلى ما يشبه الانتحار فى بحر مويس بين الهيش وورد النيل . وتؤكد القصة رفض الزعيم بقسوة هذا الحاضر كما تجعل من عودته ـ وهو الصورة الزاهية للماضى المشرق ـ رغبة ملحة لدى الكاتب ومستحيلة فى نفس الآن .
كل ذلك وفر للنص طزاجة وطعما يجعلانه قادرا الحياة . ملامح الواقع تعكس فى تلافيفها نقدا لاذعا ، ورفضا للتحولات الفجة .
وعلى الرغم من تقليدية الفكرة إلا أن ما يحمله السرد من طاقات تخييلية ومن ربط المفارقات ، وإعادة استقراء الواقع بطرق حداثية واستعادة تقنية كلاسيكية فى مقامات ( حديث عيسى ابن هشام للمويلحى ) ومن ثم اعادة إنتاجها بوسائل جديدة وشيقة ، جعل النص مابض بالحياة المعاصرة ومفارقا للماضى ، مما وفر للنص ثراء ، وخلق من خلاله ثقلا فنيا ، بجماليات متعددة .
ثانيا ـ التجوال بحثا عن ود مفتقد.
يقول فى أول قصة "سيدة المدينة " ولما ضاقت الدنيا فى وجهى ، أخذتنى قدماى إلى كورنيش المدينة وحدى جلست والشمس التى تغازل وجه الماء ، تبدت حبات من اللؤلؤ تشكلت حورية " الدافع للحركة هنا هو الضيق / الحزن / عدم التحقق .. والتجوال عندئذ يصبح ملاذا وغاية . ومن ثم يبدأ بطل القصة فى خلق عوالم أخرى بديلة لتلك التى قهرته ويتحول التجوال إلى معادل نفسى لتيمة الفقد ومبررا فنيا لتقبل ما يطرحه النص من رؤى .. الحورية المخلوقة من وهج خياله هى سيدة المدينة التى تمنحه نفسها عن طيب خاطر ؛ بل وتمارس معه كافة فنون الوصال . هذا التواصل مع الخيال يعكس كم الهزائم المتوالية التى يواجهونها أبطال إبراهيم عطية .. " يا سيدتى لم أكن من قبل خيالا ، والدنيا لا تعطى من يرغبها " ثم يخرج من عندها ليتوحد بالمكان . بالمطر والهواء البارد والكشافات الفسفورية وبولد وبنت يتبادلان الغرام .. " ومن الطبيعى إذن أن يلجأ إلى الشجرة التى شهدت لقاءاته مع محبوبته التى أغواها العجوز الثرى وأغرق أهلها بماله .. تتجلى فى القصة عدة إشارات دلالية تتمكن من بلورة الأوضاع الاقتصادية لشباب الطبقة البرجوازية ومن دونها .
ونفس الفعل تقريبا هو ما يدفع الشاب الجامعى المعوق فى قصة (الحياة مرة أخرى ) إلى قبول فقد محبوبته لقناعته بتواضع مستواه الاقتصادي ـ وإن توافر الحب ـ وتلك القصة أيضا تتبعثر فيها الإشارات الدلالية ـ شأن الكاتب دوما فى تحميل قصصه أبعادا دلالية تتمكن من تبئير الحدث ومن ثم نصوع وتوهج الرؤية ووصولها للقارئ عبر أكثر من مستوى .. وكون الشاب معاقا منذ الصغر بشلل الأطفال بما يدل على أنه بلا ذنب حيال وضعيته فى المجتمع الذى يتوارث أبناءه المرض والفقر ومن ثم تبعثر الأحلام ؛ يرفض بطل القصة انتظار محبوبته ليعلن لها قراره الأخير بالافتراق إلى الأبد ، لأنه لن يقبل إحسانا وعطفا منها عليه ويلجأ الكاتب إلى حيلة فنية جيدة مستوحاة من ألف ايلة وليلة وهو ( رواية حدث من داخل حدث آخر ) حيث يسرد حدثا قصيرا بين شاب جامعى يحث فتاته على قبول العريس الجاهز المتقدم لها وفى حضور الزملاء . ذلك الموقف المسرود ما كان له حق الحضور إلى حيز السرد لولا التجوال الذى قام به الشاب .. وكأن الكاتب أيضا ينفض يديه من جعل النص حالة خاصة ويدفع به إطار التعميم ..
ويقوم المشهد القصير هذا مقام الأمثولة الدالة والبديلة عن سرد تفاصيل موقف بطل القصة وعزمه على اتخاذ قراره بنفسه ( قرار الحرمان من الحب وبالتالى من ممارسة حقه فى الحياة بالتزاوج والاستمرار ) تلك الأحلام التى تذرها الرياح تتكرر فى معظم القصص مما يجعلها تشكل ملمحا هاما فى قراءة العالم .
فعلاقات الحب تنبثق كطرح طبيعى بين الشباب والفتيات ولكن منجل الزمن بظروفه القاهرة يأتى فجأة ليحصد على مهل تلك الأحلام الخضراء ويتركها هشيما بلا مبرر سوى أن معظم هؤلاء أدارت لهما الدنيا ظهرها بعدما حولتهم الى ركاب قاطرة من الدرجة الدنيا .
هل يستسلم أبطال إبراهيم عطية إلى القهر والهزيمة .. لا أظن لأن الكاتب يلح على نفس التيمة ويعاود الغزل مرة إثر مرة وبطرائق متعددة كالعازف الذى يقدم لحنا واحدا وبروح واحدة ولكن عبر أكثر من آلة موسيقية .. جوقة كبيرة تعزف لحنا جنائزيا أسيانا ويتجلى ذلك الحزن قاسيا فى المجموعتين الأوليين ( طعم الوجع ، وصيد المطر ) ولا يزيد عن نصين فى مجموعته الأخيرة حوريات الضوء .. فهو فى دفء المشاعر لا يجعل ظاهر النص منشغلا بالبحث عن ذلك الود المفتقد ، حيث تتصدر الأحداث العامة العسكرية منها والسياسية مساحات السرد وتتشكل حالة التيه التى يعيشها البطل صدر الرؤية ؛ إلا أنه ثمة ود مفتقد ، ثمة حب ما ، أو علاقة دافئة ينتظرها الشاب ومن ثم فهو يعيشها مع أية فتاة يشعر أنها حوريته / فتاة حلمه .. المؤجل دوما ومن هنا تنتهى القصة بذلك التلاقى السريع .. القريب جدا من الحالة الحلمية
أيضا تلتمع فى القصة تفاصيل صغيرة للحياة اليومية ، تفاصيل من شأنها أن يقتنص النص الحياة بتوترها وحروبها ومجاعاتها ، وحزنها المتولد فى سعى البطل بوصفه صحافيا لالتقاط تلك اللمسات ؛ وتلك السمة تتمتع بها مجموعة " حوريات الضوء أكثر من طعم الوجع التى يعلو فيها السر الغنائى وتستفيد فيها اللغة من بناء الجملة الشعرية أكثر من إتكائها على السرد المحتشد بالحيوية والإيقاع كما فى حوريات الضوء بشكل جلى وفاعل مقارنة بالمجموعة الثانية " صيد المطر " والتى تتوسط عقد التجربة ، وعلى الرغم من القدرات الفنية التى تتمتع بها إلا أنها تظل كأنها المعبر ـ على مستوى بناء الجملة السرية ـ بين مجموعتى طعم الوجع وحوريات الضوء .
ثالثاً ـ التجوال بحثا عن الرزق أ و التعليم أومن أجل المغامرة أو هربا من مطاردة .
التجوال هنا عامل ضرورى فى انتاج القصة .أو أحد عناصر الحدث أى هو الفعل المادى الذى ينبنى عليه النص ، هو الفعل وليس ناتجا عن حيلة فنية فى الحبكة مثلا كما رأينا فى طلل النحاس ، وسيرة ما جرى أو عنصرا لتحريك البنية السردية الساكنة كما فى القصص السابقة هو هنا عمود من أعمدة بماء المتن السردى وبدونه لا يتحقق وجود القصة ولا تكتمل .
نراه فى قصة حصان خشب يوافق الخالة على الهرب من قسوة البيئة الريفية متمثلة فى الأم والقيام بزيارة إلى الجدة فى المدينة البعيدة ؛ أولا رغبة فى اكتشاف أمكنة جديدة هى مجهولة له والكاتب يجيد تصوير عالم الطفولة البعيد ويتمكن من بعث الدماء الى عروقه فى أكثر من قصة ، فالريف مرتع الطفولة يتبدى فى القصص كلوحة الراعى وقت الغروب .. اللون الشفقى غالب وبقدر الطفولة المعذبة إلا أنه ثمة حنين فى أكثر من قصة بعنوان أنكرتنى بيوت القرية .. تلك القرية التى شهدت لعبه ونزقه الجميل وجريه بين شوارعها وحاراتها وهروبه للجدة وعودته الخائبة بعدما تمكنت حرارة الصيف والتراب من إصابة عينيه هنا الواقع يقرض بطريقة خفية على النص ـ أيضا ـ سطوته ويقدم عالما ماضيا يسبق زمن السرد ، بيد أنه زمن جميل ومفعم بالألوان الخلابة وبتفاصيل الحياة الريفية وإن كانت الذاكرة هى المعين والرافد الأول لعملية الحكى ؛ أما فى قصة "المطارد" فالحركة تتم عبر فضاءات أكثر اتساعا حيث تصور مأساة اللاجئ الفلسطيني وأنه بلا هوية فى كل الأماكن التى حلَّ بها .. فكرة القصة مستهلكة إلى حد بعيد وإن آثرنا التعرض لها من باب استكمال ألوان التجوال الذى تفرضه ظروف الواقع المعيش على شخصيات القصص ، فهو تجوال قهرى وحركة مختلفة عن تلك التى قام الطفل فى ق . حصان خشب .
أما التجوال فى قصة تراتيل السفر فهو مقصود وهادف الى تحسين الوضع الاقتصادى لكنه فى نهاية القصة تسرقه لصوص المدينة أبناء الحيل والمكر ولأنه الريفى ابن الصراحة والوضوح كبقية مفردات بيئته ، يسقط مهزوما فى أحابيل وألاعيب أبناء المدينة ولا يتبقى أمامه سوى أن يعود أدراجه لقريته مهزوما .. القصة فى مجملها تعالج فكرة مطروقة منذ زمان بعيد فى الكتابة ولذلك فالاندهاش المرسوم على ملامح البطل غير مبررة ، لأنها تسحب وعينا للأفلام القديمة ؛ فلا يجوز تقديم نص قصصى الآن بنفس الوسائل سابقة الإنتاج إلا فى حال أن يطرح الجديد أن يأخذ التجربة من حالتها العامة العادية الى حيز التجريب وإعادة إكتشاف ملامح جديدة تمكن القارئ من انتاج قراءة جديدة لواقعه .
رابعا ـ التجوال من أجل الانتصار على القهر
قصص( خمسة أمتار بالكمال تعيد الثقة ، حوريات الضوء )
ثمة علاقة تربط القصتين تماما ، هى علاقة تماثل ، حيث يرتبط المغزى / الهدف / الدلالة التى تنبع من قرار بطلى العملين خيث يواجهان قوة متفوقة عليهما هذه القوة هى القهر والرغبة الكامنة فى المحيط النفسى والعقلى للشخصيتين هى لامناص من تلك المواجهة ؛ لأنه بدونها يظل الأب قعيدا والأخ فى حاجة ماسة لهواء نقى وحرية ما وحياة . فهل البطل الذى يصر على مواجهة بطل العالم فى المصارعة فى حوريات الضوء كان أمامه حل آخر أو تحدٍ آخر كما هو الحال عند بطل قصة خمسة أمتار .. لأن القفزة المنتظرة بمثابة ميلاد جديد للحياة وميلاد لأفراد الأسرة هنا تلتمع فكرة التضحية من أجل الآخرين أو المخلص الذى سوف ينقذ مثالية الحياة المنهكة ويعيد إليها رونقها وحلاوتها بعد أفول يقول فى حوريات الضوء " أوقفت نشوة النصر أبى على قدميه ، وسط صفير وهتاف متنوع من المشجعين .. بادلتهم التحية والقبلات .. زاغت نظراتى فى زهور الضوء المتساقطة من أيدى الحوريات اللائى يبادلننى ابتسامات عذبة .. التففن حولى وحملتنى للسماء .. خر جسدى مستسلما للراحة .. يغرقنى ضوء من نور أبدى .." نلاحظ أن الجسد قد خرَّ فى النهاية ربما إعياء أو موتا لكن بعد أن نهض الأب .. ونلاحظ فى ثنيات النص ذكر للحوريات اللائى يوازين الحياة ومباهجها على النقيض من دلالة الحوريات فى النهاية ؛ فهن حوريات من الجنة .. وحين تلتمع الرؤى ويخر الجسد يصبح المكان محض إفتراض .. الحياة على مستوى الفرد / البطل موت وبعث أو بالأحرى " دينيا " الموت هو مروق الى حياة أخرى أجمل وأكثر رحابة وأقل قهرا من بطل العالم المتربع فى القصة / الحياة وكل من ينازله يكون مصيره الضربة القاضية كما أن القفزة فى خمسة أمتار هى عبور من حالة / الخوف / القهر ـ على المستوى الأسرى والذاتى ـ الى تفوق منتظر ومتخيل ؛
القصتان تضربان بجذورهما فى محيط طرح دلالات رمزية تقوى أواصر العلاقات بين النصين وبين الواقع الموضوعى خارجهما
وسرد التفاصيل بدقة وتأنى يقوى من تهيئة المتلقى على معايشة الحالة النفسية .., العالم الداخلى للشخصية ومن ثم قراءة أبعاد الصورة المتخيلة لأبعاد الصراع بين الحياة والموت بين الوجود والعدم حيث يتمكن المتلقى من تجميع الشذرات و الجمل ينثرها الكاتب بحرفية داخل بنية السرد المحتشدة بالتفاصيل الدقيقة لحالة البطلين وتطورها صعودا من توكيد الرغبة الكامنة فى النفس الإنسانية على التحدى ، على تجاوز القهر والانتصار عليه
وتعمل التفاصيل أيضا على خلق حبكة فنية ـ رغم تقليديتها ـ إلا أنها متوافقة ومنسجمة تماما البنية السردية القائمة على الصراع وعلى توكيد الحدث بينما تتجلى صور وآفاق الدلالات المكتنزة داخل الجمل الرمزية
خامسا ـ التجوال رغبة فى احتواء الفراغ .
فى قصة ( دفء المشاعر ) يتعرى النص فى أكثر من موضع ليكشف لنا أزمة إنسان القصة وهى الإحساس الدائم بالانكسار ومبعثه اللاجدوى .. حيث نرى منذ البدء رغبة ملحة فى احتواء الفراغ الذي يغلف رؤاه للعالم الذي ينفتح على الحروب والظلم الذي صار مفردة ملازمة لكل الشعوب الفقيرة وما يتولد عنه من جوع وفقر وعدم قدرة ـ حسب ما تفرضه الظروف الاقتصادية ـ على الزواج الموازى دلاليا للحياة .. ومن ثم فإن الرغبة الحلمية فى التوحد بالأنثى تخطر عبر ذاكرة البطل وتتم بلا أدنى معوقات من واقع هو بطبيعته رافض وقاهر وغير منتج لتك العلاقات وذلك البطل الشاعر دوما بتلك البرودة لا يتمكن من تحقيق رغبته إلا عبر تحقيق الحب على أرض الواقع فقط فى الذاكرة أو بالأحرى ـ حسب مفهوم اللاجدوى ـ لاضير أن نحب ونعيش فقط المشاعر دون زواج .. وبالتالى يتولد الفراغ فى بدا القصة الذي يرغب البطل فى ؛ احتوائه بعدما احتوى عمره الفائت رغما عنه ؛ يقول [ الفراغ الذي يحتوينى احتويته ، سرنا معا نبكى بيوت العاشقين ، وعمارات الأسمنت العالية تناطح السحاب ، المدينة هى المدينة تتساقط من أجفان نوافذها قطرات الوجع الساكن فينا شوارع مخنوقة بالدخان ، وأسراب الضوضاء تخترق السمع ، وساعة الميدان تحسرنا على الزمن الذي يمضى ، يبعثر سنوات العمر فى معنى بلا حياة ] نلحظ خطابا عن البطل يشتمل على رتوش سريعة تنم عن ظروفه وتنم أيضا عن رغبة فى احتواء هذا الحزن الذي شكل حياته وسوف نرى أنه أيضا سوف يلقى بظلاله على معظم قصص وإذا كان السرد قد تقدم لاعتلاء المشهد القصصى فى تلك المجموعة وهى ـ حسب الترتيب ـ الثالثة فإننا نلحظ ذلك الانكسار مطروح أيضا وبشكل كبير خاصة فى العلاقات التى تتناول علاقات الحب فى مجموعة طعم الوجع ولكن تتم المعالجة بلغة تحمل إيجاز الشعر واكتناز واتساع حقوله الدلالية وذلك فى أقاصيص( تنويعات على لحن الوجع ) وفى قصة طعم الوجع وهى أول قصص مجموعة طعم الوجع ، وهل من المصادفة أيضا أن تبدأ مجموعة ( صيد المطر ) بأقصوصة ( رؤية ) وتعكس نفس حالة الانكسار العاطفى يعد افتتاح الثلاث مجموعات على ذات النهج بعدا دلاليا راصدا لأبعاد اجتماعية وقيم ضرورية لاستمرار الحياة قد تهاوت وخضعت لسلطان المادة بينما جيل كامل من الشباب قد صار غير مهيأ اجتماعيا لممارسة حقه فى الحب ومن ثم الزواج واستمرار الحياة ؛ إن ذلك الطرح يعكس أمورا أخرى موازية كحالات الانكسار والحزن فى معظم النصوص .
إن الأبعاد السيكولوجية للشخصيات تشكلت وتطورت من خلال التجوال وتأسست أبعادها النفسية من خلال الحركة والثبات داخل فضاءات متعددة وأن ذلك انعكس على البنية السردية..أو بمعنى آخر ساعد على إبراز التحولات الحادثة فى البنية السردية وقت سكون الشخصيات وضغط المكان عليها ؛ ووقت تجوالها بما يدلل على توتر الجملة السردية وتشظيها أثناء الحركة ومن ثم تتخلل البنية السردية حسب تحولات الشخوص النفسية ، وحسب تأثيرات الأمكنة وتنوعها من خلال التجوال الذي اتكئ عليه إبراهيم عطية كتقنية دالة عالمه القصصى . ــــــــــــــــــــــ
هـوامــش
ــــــــ
1 ـ إبراهيم عطية ـ طعم الوجع ـ سلسلة ابداعات ـ العدد 64 ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1998م
2 إبراهيم عطية ـ صيد المطرـ ـ مطبوعات ثقافة الشرقية ـ 1998 م
3 _ إبراهيم عطية ـ حوريات الضوء ـ سلسلة خيول أدبية ـ مطبوعات محافظة الشرقية ـ 2006 م
4 ـ د . شاكر عبد الحميد ـ التفضيل الجمالى ـ سلسلة عالم المعرفة ـ عدد 267 ـ 2001 م
5 ـ د . سيد حامد النساج ـ الحلقة المفقودة فى القصة القصيرة ـ مطبوعات هيئة قصور الثقافة ـ أغسطس ـ 1999 م
ـــــــــــــــــــــــــــ
العربى عبدالوهاب
تعليق