كانت تسير إلى جانبي كطائر غرد مفعم بالحياة ،و كنت بها شيخا عاد إلى صباه ، مفعما بالرغية، كانت تدور حولي كفراشة معطرة بألوان الربيع..أيقظ في حماسها جذوة الرغبة ،نظرت إليها فرأيتها : وردة تفوح عطرا..
ماء الحياة أسقي به أوصالي المتيبسة..
آه منك ! أنت فراشة راقصة بمتعة تحومين حول شمعة متعبة كادت فتيلتها تتعرى من الضوء..
كنا نمشي في طريق منحدرة و لولبية ، تضيق آنا ، و تتسع أخرى ، و كانت ، حين يضيق ممر الراجلين ، أحس بها تلتصق بي ، فأشعر بحرارة جسدها لهيبا يتسرب إلي قويا لافحا..يكاد جسدي يحترق ، أقاوم بالصبر و التأمل : تأمل السور الممتد من أعلى إلى أسفل المدينة ، يحيط بالطريق الوحيد المخترق لجسد هاته المدينة النائمة على عاداتها ، إنه الشريان الوحيد ، لا يمكنك التخلص منه ، قد تتخذ لنفسك طرقا فرعية ، لكنك واجد نفسك عائدا إليه مضطرا ، خاضعا ، معترفا بالهزيمة.. طريق يمتد إلى ما لا نهاية ، صعدا نحو السماء ، حتى ليظن الرائي أنه يقودك إلى الأعلى ، و هذا ما جعل الكثير من الأولياء و الصالحين يبنون دورهم و من بعد اضرحتهم هناك، لكونهم في هذا المكان العلوي أقرب إلى الله ، هنا تصفو نفوسهم ، و تتطهر أرواحهم.
و قد تبين لي ، و أنا في مقام الشهوة ، أن الاحتكام إلى العقل من أوكد الواجبات ، بدل الانصات لصوت الرغبة الجامحة ، خاصة و أن جذوتها قد اشتعلت و توهجت ، و أنا الذي ظننتها قد خبت ، و استعرت ، فأعادت لي فتوة مرغوبة ، فزينت لي المسعى ، و بسطته بشتى الرغبات ، و زادت بأن بررت لي الفعل بما تقوم به الغادة الكاعب من رقص لصدرها النافر، صورت لي إياه صنبور عسل يشفي من علل الزمان و أوصاب الدهر..و تقوت بواعث الصد حين انبعث من داخلي صوت يقول : لقد بلغت من العمر مبلغا أنت في غنى عن تدميره بنزوة عابرة ، أو بضمة لاهبة ، قد تطفئ للحظة لوعتك ، لكنها ستحرق روحك أبد الدهر ، و لن تجني من الندم سوى ألم طافح. لا تظنن أن البنية هدية آخر العمر ، و تتويجا لما انتظرته سنوات من عمرك المجدب ، إن هي إلا سراب خادع ، و امتحان عسير عليك أن تخرج منه ناجحا ، فالعقل العقل ، و إياك و الانجرار و راء النزوات ، و ما بقي في العمر إلا أنفاس..و زادت تقوى النفس لما رفعت بصري فرأيت في ما يشبه الحلم أو الرؤيا الصادقة ، عيني الولي القابع في الأعلى كنسر يطارد الصبوات و يقلم أظافر الرغبات ، مسلطة علي تحثاني على الورع و الصوم عن الموبقات.
تذكرت أني قلت لها ، و نحن في بداية الطريق ، متغزلا في عيونها التي رمتني باضطراب :
"ان العيون التي في طرفها حور
....قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به
........وهن اضعف خلق الله انسانا"
- جرير
و لما رأيت منها استحسانا ، تشجعت فمددت أناملي المضطرية إلى شعرها الفاحم أتلمسه ، فقلت :
غذائرها مستشذرات إلى العلى ............... تضّل العقاص في مثنى ومرسل. امرؤ القيس.
و حين ضحكت علمت أن الغواني يغرهن الثناء ، فتابعت قولي في ثغرها العذب:
بثغر كمثل الاقحوان منورّ .......... نقي الثنايا أشنب غير أثعل. امرؤ القيس.
و حين حط بصري على صدرها النافر و كان يهتز بالمشي الراقص في الطريق المنحدرة استعصمت ، فقد شاهدت عيون الناس تكاد تخرج محاجرها ، و هم التقاة المتعففون ..
آه ، كنت قاب قوسين أو أدنى من فتح أبواب الشهوة و الالتهام.. قلبي يدق ، لقد استعاد وجيبه ، أكاد أسمع خفقه السريع ، و أنفاسي المتلاحقة. قلت لنفسي معاضدا : لن أضعف أمام زحف الرغبة ، و لن أهن لسطوة الجمال ، و إغراءاته الشديدة ، و لن أسمح لريحي أن تذهب جفاء. صارعت ببسالة بإبعادها بلباقة..:
_ ألا ترين أني أشبه أباك ؟
_ لا تشبهه ، فهو أكبر منك سنا..
قالتها بشكل حازم و صارم ، ربما لسد أي حوار حول هاته المسألة ، استنتجت أنها جرح لا يريد أن يندمل ، و الحديث عنه هو بمثابة توسيع لرقعة زيته.
أبوها تزوج في سن متأخرة ، و أنجب من زوجته الصغيرة ثلاث فتيات كضوء القمر هن إلى الصبح أنسب..مات و ترك الأسرة تعاني فراغ المعيل ، كانوا شجرة قد تعرت من أغصانها ، الحياة ريح تهب بجنون لتضع الناس في ورطات..كافحت أمهن من أجل تربيتهن أحسن تربية ، و تحميهن من غوائل الزمن ، و ما تخفيه الحياة من مفاجآت صادمة ، كانت قطة وديعة معهن متى توجب ذلك و شرسة متى رأت خروجا عن الصراط المرسوم ، و الويل لمن سولت له نفسه الاقتراب منهن و لو بالخير ، كانت دوما تحذرهن :
لا تثقن في أي أحد ، لا تعرفن ما خلف الوجوه التي تقطر بشاشة ، فقد تخفي ذئبا راقدا ، ينتظر الوثب !
قالت لي البنت ، و قد بلغنا نصف الطريق :
_ أمي تبالغ في تحذيرها ، و قد خنقتني نصائحها المعادة و المكرورة..
تذكرت لحظتها بنتي و كانت إلى جانبي نسير باتجاه مقهى لإخراجها من وحدتها و ما ران على نفسها من غم ، كانت في عمرها نفسه ، أي بنت سطاشية _ بلغت ست عشرة سنة _ و هي سن تدير عيون و عقول المتصابين ، الذين بلغوا من العمر عتيا ، فلما شاهدت العيون تتقلب في المحاجر تنظر إليها باشتهاء لكونها تلبس قميصا مفتوح الصدر يظهر ما تحته قليلا و سروالا ضيقا يبرز الردفين المكورين ، قلت لها بحزم :
_ لا تعودي إلى مثل هذا اللباس ، آخر مرة أسمح لك بارتدائه ، إنه مثير ، لا يجلب إلا الشراهة و يجعلك طعام موائد.
نظرت إلى شزرا ، و قالت بنرفزة واضحة :
_ لم تكبلني بنصائحك ؟ لست كما تظن ، و لن أكون لقمة سائغة في أفواه الذئاب كما تقول. ثم صمتت تاركة إياي سابحا في غيظ مكتوم.
صدمتني المقارنة ، و شدني التشابه.
في تلك اللحظة ، و كنا قد بلغنا نهاية الطريق ، و صرنا في المنحدر ، فاجأتنا أمطار غزيرة و سيول جارفة ، أمسكت بيدها و احتمينا بسقيفة منزل عتيق..أحسست باضطرابها و جزعها ، و حين تكلم الرعد و أبرق ، رأيت كم الهلع الذي تلبسها ، فارتمت علي محتمية داسة رأسها في صدري ..
وجدتني ألفها بذراعي و أربت على شعرها كأب حان ............
تعليق