يُعدُّ الاقتباس شكلا من أشكال تعامل الشعراء مع الدلالة الدينية، وهو ــ بلا شك ـ نص ترتفع قامته كثيرا عن المنجز البشري مهما كان الأخير ساميا. والمقصود بالاقتباس أن يُضمَّنَ الكلام شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه. وهذا يعنى أن شرط الاقتباس من القرآن أن لا يُذكر قبله عبارة مثل" قال تعالى". وقد يكون الاقتباس لفظا ومعنى وقد يكون بالمعنى ولا بأس بتغيير بسيط لأجل الوزن أو غيره.
لا يخفى على أحد أن القرآن الكريم مفخرة المسلمين عامة والعرب خاصة فهو الكتاب السماوي الذي لم تُتحْ لأمة من الأمم كتاب مثله من حيث بلاغته وتأثيره في النفوس والقلوب؛ ولهذا فقد كان بلغاء العرب وخطباؤهم يستحسنون أن يكون في كلامهم وخطبهم شيء منه، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع. ولعل في أسلوبه البالغ الروعة الذي ليس له نظير في العربية هو الذي أقام عمود الأدب العربي منذ ظهوره إلى اليوم فعلى هَدْيه أخذ الخطباء والكتّاب والشعراء يصوغون آثارهم الأدبية. فالقرآن الكريم هو المنبع الذي يمدُّ بثروته اللغوية المتكلمين والخطباء والشعراء؛ ولهذا السبب يمكن الجزم بأن الرابط الحقيقي والمتين للشعر العربي قديمه وحديثه هو القرآن الكريم ولا شيء غيره.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الشعراء الأندلسيين ــ كغيرهم من الشعراء العرب في شتى بقاع الأرض ــ كانوا ينهلون من القرآن وألفاظه التي كانت منبعاً ورافداً من الروافد اللغوية الغزيرة ما كان يحلو لهم، مما كان يعكس إعجابهم الشديد واهتمامهم البالغ بلغة القرآن وتوجههم لحفظه حفظا كان يملأ أذهانهم فيتمثل ذلك الحفظ في خلقهم الشعري. وفي شعر ابن الجنان الأندلسي يمكن للباحث أن يلمس الأصداء الواضحة للإيمان بالله تعالى، فهو مؤمن به، مقرٌ لعبوديته. ولا عجب في ذلك، فإن جذور ثقافة الشاعر الدينية ترجع إلى طبيعة المُناخ الفكري الإسلامي الذي تربى عليه الشاعر، وترعرع بين أحضانه منذ نعومة أظفاره. كما أن النص الشعري لديه مطعّمٌ بألفاظ القرآن الكريم، مما يدل بجزم، ويشير بقوة، أن الشاعر أفاد منه إفادة تامة بوصفه نصا لغويا متميّزا، فضلا عمّا فيه من العِبر والمواعظ والجوانب الأخلاقية. فالشاعر يوظف دلالات الألفاظ القرآنية في مواضع تخدم دلالة نصه الذي يطرحه، ويقتنص من تراكيبه تلك التي تناسب رغبته في تصوير معطيات الموقف، مما يعكس خبرة الشاعر الواسعة في اختيار اللفظة القرآنية، وطريقة توظيفها، وهيمنة دلالتها، وأدائها اللغوي، ومكانها الذي يجب أن تستقر فيه. ومن السياقات التي وظف الشاعر ابن الجنان الأندلسي فيها الاقتباس من القرآن الكريم قوله في الإلهيات: (من الطويل)
لـه المثـلُ الأعلى فـلا نـدَّ مشْبِهٌ ولا مُثْلُ في فضلٍ تسامى عن الحصرِ
للدين الإسلامي تأثيره الواضح في توجيه الأفعال الإنسانية، وسلطته لا تدانيها سلطة، وهيمنته كبيرة وواسعة على أفراد المجتمع الأندلسي الذي يدين أغلبه بدين الإسلام؛ ولذلك فإن الاقتباس من كتاب الله سبحانه يعدُّ شكلا مهما من أشكال تعامل الشعراء مع الموروث الديني. ومن هنا فقد اقتبس الشاعر ابن الجنان في البيت الشعري اقتباسا نصيا في صدر البيت من قوله تعالى:{ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وقد تمكن الشاعر من توظيف الآية المباركة توظيفا فنيا يخدم دلالة نصه الشعري في غرض الإلهيات ليدل على وحدانية الله تعالى، وأنه المثل الذي لا شبيه له في الفضل، ولا يمكن لأي أحد أن يحصي فضله أو يعدَّهُ؛ كونه ارتفع وتسامى عن الإحصاء والعدِّ. ومنه قوله في الأخوانيات: (من مخلع البسيط)
فلا تظنّ اكتحال عيني ويـك لطب ولا لزينِ
فإنَّ بعض الظنون إثمٌ والإثمُ واللهِ غيرُ هينِ
إن علاقة الشعر بالدين علاقة وطيدة، ولا يمكن أن ينكرها منكر، فـ ((ليس أظهر في الشعر ولا ألفتُ للنظر من علاقته بالدين، ولقد كان عماد الشعر القديم وقوامه الأناشيد الدينية والأساطير المقدسة)). ويبدو أن السبب في ذلك أنهما يؤديان غاية متماثلة في السمو بالمخلوق البشري إلى درجاته العليا. ومن هنا فقد اتكأ الشاعر على القرآن الكريم، واستثمر في نصه الشعري القول المبارك:{ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} لتعميق الصورة الدلالية وهو في معرض النهي ممن يظن اكتحال عينه لطب أو لزينة، فضلا عن جمالية التعبير القرآني، ودلالته العميقة، وإعجازه البياني الذي يمكن أن يكون رافدا لقوة الشعر لا لضعفه عن طريق الإفادة من مادته ومن أساليبه. ومن السياقات التي وظف الشاعر عبرها أسلوب الاقتباس قوله في التعزية: (من مجزوء الكامل)
كلُّ شيء فهـو فـانٍ ما سوى الباقي القديمِ
لاشك في أن التعزية بفقد عزيز تستلزم التذكير أن الموت نهاية كل حي، وأن لا سبيل إلى الخلود في هذه الدنيا؛ لذا اقتبس الشاعر اقتباسا إشاريا من سورة الرحمن قوله عزَّ وجل:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } وقد أفاد الشاعر من الآية الكريمة في تعزيز السياق الفني والدلالي لنصه في التعزية. ومنه قوله في المديح النبوي: (من الطويل)
سلامٌ على الموصوفِ بالخلقِ الذي بتعظيمِـهِ زِيـنَ الثنـاءُ ومُجِّـدا
تُعدُّ قصيدة ابن الجنان الموسومة بالقصيدة المباركة الشريفة من أكثر قصائده اقتباسا من القرآن الكريم، إذ بلغتْ عدد الأبيات التي ضمّنها الشاعر من معاني الآيات الكريمة عشرة أبيات، فضلا عن اقتباسه من الحديث النبوي الشريف في ثلاثة أبيات أخرى.
والبيت السابق أحد أبيات القصيدة التي اقتبس الشاعر فيها اقتباسا إشاريا من قوله سبحانه في رسوله الكريم :{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}وهو بهذا الاقتباس استطاع أن يورث كلامه البهاء والوقار، ويعزز مواقع الألفاظ ودلالاتها في النص لاسيما وهو يمدح الجناب المحمدي(ص).
لا يخفى على أحد أن القرآن الكريم مفخرة المسلمين عامة والعرب خاصة فهو الكتاب السماوي الذي لم تُتحْ لأمة من الأمم كتاب مثله من حيث بلاغته وتأثيره في النفوس والقلوب؛ ولهذا فقد كان بلغاء العرب وخطباؤهم يستحسنون أن يكون في كلامهم وخطبهم شيء منه، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع. ولعل في أسلوبه البالغ الروعة الذي ليس له نظير في العربية هو الذي أقام عمود الأدب العربي منذ ظهوره إلى اليوم فعلى هَدْيه أخذ الخطباء والكتّاب والشعراء يصوغون آثارهم الأدبية. فالقرآن الكريم هو المنبع الذي يمدُّ بثروته اللغوية المتكلمين والخطباء والشعراء؛ ولهذا السبب يمكن الجزم بأن الرابط الحقيقي والمتين للشعر العربي قديمه وحديثه هو القرآن الكريم ولا شيء غيره.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الشعراء الأندلسيين ــ كغيرهم من الشعراء العرب في شتى بقاع الأرض ــ كانوا ينهلون من القرآن وألفاظه التي كانت منبعاً ورافداً من الروافد اللغوية الغزيرة ما كان يحلو لهم، مما كان يعكس إعجابهم الشديد واهتمامهم البالغ بلغة القرآن وتوجههم لحفظه حفظا كان يملأ أذهانهم فيتمثل ذلك الحفظ في خلقهم الشعري. وفي شعر ابن الجنان الأندلسي يمكن للباحث أن يلمس الأصداء الواضحة للإيمان بالله تعالى، فهو مؤمن به، مقرٌ لعبوديته. ولا عجب في ذلك، فإن جذور ثقافة الشاعر الدينية ترجع إلى طبيعة المُناخ الفكري الإسلامي الذي تربى عليه الشاعر، وترعرع بين أحضانه منذ نعومة أظفاره. كما أن النص الشعري لديه مطعّمٌ بألفاظ القرآن الكريم، مما يدل بجزم، ويشير بقوة، أن الشاعر أفاد منه إفادة تامة بوصفه نصا لغويا متميّزا، فضلا عمّا فيه من العِبر والمواعظ والجوانب الأخلاقية. فالشاعر يوظف دلالات الألفاظ القرآنية في مواضع تخدم دلالة نصه الذي يطرحه، ويقتنص من تراكيبه تلك التي تناسب رغبته في تصوير معطيات الموقف، مما يعكس خبرة الشاعر الواسعة في اختيار اللفظة القرآنية، وطريقة توظيفها، وهيمنة دلالتها، وأدائها اللغوي، ومكانها الذي يجب أن تستقر فيه. ومن السياقات التي وظف الشاعر ابن الجنان الأندلسي فيها الاقتباس من القرآن الكريم قوله في الإلهيات: (من الطويل)
لـه المثـلُ الأعلى فـلا نـدَّ مشْبِهٌ ولا مُثْلُ في فضلٍ تسامى عن الحصرِ
للدين الإسلامي تأثيره الواضح في توجيه الأفعال الإنسانية، وسلطته لا تدانيها سلطة، وهيمنته كبيرة وواسعة على أفراد المجتمع الأندلسي الذي يدين أغلبه بدين الإسلام؛ ولذلك فإن الاقتباس من كتاب الله سبحانه يعدُّ شكلا مهما من أشكال تعامل الشعراء مع الموروث الديني. ومن هنا فقد اقتبس الشاعر ابن الجنان في البيت الشعري اقتباسا نصيا في صدر البيت من قوله تعالى:{ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وقد تمكن الشاعر من توظيف الآية المباركة توظيفا فنيا يخدم دلالة نصه الشعري في غرض الإلهيات ليدل على وحدانية الله تعالى، وأنه المثل الذي لا شبيه له في الفضل، ولا يمكن لأي أحد أن يحصي فضله أو يعدَّهُ؛ كونه ارتفع وتسامى عن الإحصاء والعدِّ. ومنه قوله في الأخوانيات: (من مخلع البسيط)
فلا تظنّ اكتحال عيني ويـك لطب ولا لزينِ
فإنَّ بعض الظنون إثمٌ والإثمُ واللهِ غيرُ هينِ
إن علاقة الشعر بالدين علاقة وطيدة، ولا يمكن أن ينكرها منكر، فـ ((ليس أظهر في الشعر ولا ألفتُ للنظر من علاقته بالدين، ولقد كان عماد الشعر القديم وقوامه الأناشيد الدينية والأساطير المقدسة)). ويبدو أن السبب في ذلك أنهما يؤديان غاية متماثلة في السمو بالمخلوق البشري إلى درجاته العليا. ومن هنا فقد اتكأ الشاعر على القرآن الكريم، واستثمر في نصه الشعري القول المبارك:{ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} لتعميق الصورة الدلالية وهو في معرض النهي ممن يظن اكتحال عينه لطب أو لزينة، فضلا عن جمالية التعبير القرآني، ودلالته العميقة، وإعجازه البياني الذي يمكن أن يكون رافدا لقوة الشعر لا لضعفه عن طريق الإفادة من مادته ومن أساليبه. ومن السياقات التي وظف الشاعر عبرها أسلوب الاقتباس قوله في التعزية: (من مجزوء الكامل)
كلُّ شيء فهـو فـانٍ ما سوى الباقي القديمِ
لاشك في أن التعزية بفقد عزيز تستلزم التذكير أن الموت نهاية كل حي، وأن لا سبيل إلى الخلود في هذه الدنيا؛ لذا اقتبس الشاعر اقتباسا إشاريا من سورة الرحمن قوله عزَّ وجل:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } وقد أفاد الشاعر من الآية الكريمة في تعزيز السياق الفني والدلالي لنصه في التعزية. ومنه قوله في المديح النبوي: (من الطويل)
سلامٌ على الموصوفِ بالخلقِ الذي بتعظيمِـهِ زِيـنَ الثنـاءُ ومُجِّـدا
تُعدُّ قصيدة ابن الجنان الموسومة بالقصيدة المباركة الشريفة من أكثر قصائده اقتباسا من القرآن الكريم، إذ بلغتْ عدد الأبيات التي ضمّنها الشاعر من معاني الآيات الكريمة عشرة أبيات، فضلا عن اقتباسه من الحديث النبوي الشريف في ثلاثة أبيات أخرى.
والبيت السابق أحد أبيات القصيدة التي اقتبس الشاعر فيها اقتباسا إشاريا من قوله سبحانه في رسوله الكريم :{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}وهو بهذا الاقتباس استطاع أن يورث كلامه البهاء والوقار، ويعزز مواقع الألفاظ ودلالاتها في النص لاسيما وهو يمدح الجناب المحمدي(ص).
تعليق