رحلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    رحلة

    خرج من وكالة القرض سريعا ، و قد ارتسمت على وجهه المدور و الأملس علامات الفرح و الحبور ، كان يحمل في يده صكا حرر بناء على طلبه..نظر إلى الشارع في امتداده و زفر زفرة ارتياح ، أفرغ كل ما في صدره من ضيق ، ثم ركز على السيارة التي تحمل أسرته : لا باس بها ، رغم أن عمرها تجاوز العشرين سنة ، فإن محركها مازال يعمل بكفاءة ، رغم أن الهيكل بدأت تظهر عليه علامات التعب ، و لونه حال ، أما العجلات فقد بدأتتآكل بفعل كثرة الاستعمال، و غياب الصيانة..لكنها ستقوم بالواجب ، ستوصلنا إلى المدينة الشاطئية.
    حين قالها أحس بلفحات الصهد و بقليل من التعرق . أسرع الخطو ، ركب السيارة ، و قال لزوجنه : لقد حصلت على الصك ، و أشار إلى جيب قميصه الأزرق السماوي جهة الصدر على اليمين. ثم أدار المحرك ، و انطلق ، باسم الله مجراها و مرساها..
    كان طيلة طريق الرحلة ينصت لأسطوانات دينية ، تركها صديفه صاحب السيارة. لم يبد أحد من الركاب اعتراضا ، و لا طالب بتغيير النغمة ، الكل أصيب بنوبة خشوع ، أسبلت جفونهم و أغرقتهم في بحر نوم لذيذ ، كان سببا في عدم شعورهم بتعب الرحلة. لذا ، ما اهتم أحد بمناظر الطبيعة و هي تتراجع إلى الوراء بسرعة جنونية ، و لا اهتم أحد بصوت الأبقار و الأغنام و هي تسيح في المروج الخضراء..
    كانت لحيته تنبت شيئا فشيئا..حتى إذا بلغ بر الأمان ، و شم رائحة البحر المنعشة ، كانت قد صارت طويلة تلامس نحره و تداعب صدره.
    في لحظة الوصول سمع أذان الظهر صادحا ينبت في مراعي قلبه اليناعة و الاطمئنان ، و رأى فتيات غيد يلبسن لباس البحر و يتجهن بصخب إلى الشاطئ ، أدار وجهه متأففا ، ثم تذكر الصك الذي أتعب نفسه في الحصول عليه ، بعد رحلة جمع الأوراق ، و إثبات قدرته على السداد.فنقله إلى جيب سروله الأيسر.
    جرت في داخله محاورة عنيفة قرر بعدها و بحزم أن يعود إلى مدينته ، و أن يلغي الرحلة من أصلها ، و أن يعيد الصك للوكالة ليريح نفسه المتعبة ، و جيبه المثقل بديون سابقة ، ما هذا الترفيه الذي سيتمخض عنه ضيق شديد ؟ ما قيمته ؟ لن أجازف في إغضاب الحق ، و الخروج عن الصراط المستقيم.
    لم يكن يفكر بمثل هذا سابقا ، كان يحب الحياة و يقبل عليها بنهم ، ما فكر في المال و لا في الضيق ، كل شغله أن يستمتع و يجعل أسرته تحس بالسعادة.
    أدار المحرك ، و قفل راجعا . كان الصمت سيد الموقف ، لا تخدشه سوى تنهيدات آتية من أعماق أفراد الأسرة ، ربما تحسرا على ضياع العطلة ، و ربما على رحلة منهكة ما كانت لتكون من الأصل.
    لم يشغل المسجلة و لا المذياع ، كان ذهنه منشغلا بالصك و الوكالة و الديون المتراكة.
    و كانت لحيته تتناقص طردا إلى أن صار ذقنه أملس لامعا ، حين بلغ المدينة.
    خرج من السيارة بعد أن أسكت المحرك ، أخرج من جيب سرواله الصك ، أمسك به كما يمسك الشرطي بالمجرم ، تنهد تنهيدة عميقة ، نظر إلى الشارع الفسيح فأحس بغم شديد ، ازداد حين أحس بالحر و ريح السموم تلفح وجهه النضير.. أسرع الخطو ، دخل إلى الوكالة عازما.
  • ليندة كامل
    مشرفة ملتقى صيد الخاطر
    • 31-12-2011
    • 1638

    #2
    قصة ممتعة كأنه هذا الشخص يشبهك هههه
    مزحة كم هي الظروق أحيانا قاسية تدفعنا الى ما لا نرغب به
    شخصت التوتر الذي عاشه البطل بطريقة لافة
    تقديري وتحياتي
    http://lindakamel.maktoobblog.com
    من قلب الجزائر ينطلق نبض الوجود راسلا كلمات تتدفق ألقا الى من يقرأها

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ليندة كامل مشاهدة المشاركة
      قصة ممتعة كأنه هذا الشخص يشبهك هههه
      مزحة كم هي الظروق أحيانا قاسية تدفعنا الى ما لا نرغب به
      شخصت التوتر الذي عاشه البطل بطريقة لافة
      تقديري وتحياتي
      أختي البهية ، ليندة
      أشكرك على حضورك العطر ، و اهتمامك الطيب.
      سرتني قراءتك.
      مودتي

      تعليق

      • محمود عودة
        أديب وكاتب
        • 04-12-2013
        • 398

        #4
        قصة رائعة راقتني جدا هي رحلة في أغوار نفس البطل ومشاعره وأحاسيسه الحياتية اليومية متمثلة في ضنك العيش وفترة من حياته تمثلت بالأستهتار والبحث عن متع الدنيا حتى أفاق على صوت الآيات القرآنية من مسجل السيارة التي لايمكلها رغم تهالكها عبر زمن الأستعمال
        تحياتي لابداعك

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمود عودة مشاهدة المشاركة
          قصة رائعة راقتني جدا هي رحلة في أغوار نفس البطل ومشاعره وأحاسيسه الحياتية اليومية متمثلة في ضنك العيش وفترة من حياته تمثلت بالأستهتار والبحث عن متع الدنيا حتى أفاق على صوت الآيات القرآنية من مسجل السيارة التي لايمكلها رغم تهالكها عبر زمن الأستعمال
          تحياتي لابداعك
          أخي العزيز ، محمود
          شكرا لك على تعليقك العميق و القيم.
          سررت بتقبلك النص.
          مودتي

          تعليق

          • ادريس الحديدوي
            أديب وكاتب
            • 06-10-2013
            • 962

            #6
            أخي عبد الرحيم تحياتي
            نص واقعي و ابن اللحظة .. يحاول أن يصور لنا حالة يسبح فيها الانسان المعاصر و هي التردد الذي ينعكس سلبا على اتخاذ القرار الصائب و المناسب , وتشتت الفكر و انعدام الراحة و الخوف من المستقبل ..
            رغم بساطة النص إلا أنه يطرح مجموعة من التساؤلات الخفية و راء الأحدات و التي تدفع القارئ البحث عن الأجوبة الشافية
            مودتي وتقديري
            ما أجمل أن يبتسم القلم..و ما أروعه عندما تنير سطوره الدرب..!!

            تعليق

            يعمل...
            X