الشاعر الأمريكي الأسود لانغستن هيوز
تقويم ترجمة قصيدة
بقلم :
حارس الأحلام
عبد الواحد محمد مسلط
1- مدخل :
بين حين وآخر أكتب مقالات نقدية في مجال الترجمة متناولاً فيها إما نقداً ترجمياً موضوعياً أو نقداً ترجمياً مقارناً . في النوع الاول أسلط الضوء على نص مترجم واحد مقارناً بين النصين المصدر والهدف ، محاولاً أستقصاء مدى أمانة الترجمة ودقتها تطبيقاً لمبدأ الألمانية (كاثرين وبس) النقدي في ضرورة تطبيق النقد الترجمي الموضوعي بوجود النص المصدر والا سيصبح النقد انطباعياً . اذ كثيراً ما يتأثر القارئ بعبارات النص الهدف المنمقة ، فيعلن : ما أروعها من ترجمة . وفي الحقيقة إنها أبعد ما تكون عن الروعة ، لا بل انها تمثل نصاً جديداً تكاد ان تكون أواصر الارتباط بينه وبين النص المصدر ضعيفة أو باهتة . لذلك يجدر بالمترجم ، تلافياً للوقوع في هوة الانطباعية الخادعة ان يسعى جاهداً وجاداً الى ان يعتمد اعتمادا كلياً على النص المصدر .
إننا لو رجعنا الآن الى كثير من عروض الكتب المترجمة فسنرى أنها شبه خالية مما يطلق عليه اصطلاحياً بالنقد الموضوعي . إن ما تفعله هذه العروض في أحوال كثيرة هو أعطاء فكرة موجزة عن محتوى الكتاب الوافد الى اللغة العربية . ومن وجهة نظري ان هذا النوع من النشاط الثقافي مهم ومفيد بقدر ما يتعلق بعرض مادة الكتاب . لكن ، من ناحية أخرى ، أرى ان نقد النص المترجم موضوعياً أهم ، لأن نقداً من هذا الطراز سيحدد مكانة الكتاب الحقيقية في أطار ثقافتنا العامة لا سيما اذا علمنا ان الكتاب المترجم الجيد سيغدو جزءاً مهماً من ثقافتنا شئنا أم أبينا . من هذا نستنتج وجود فرق جلي بين عارض الكتاب وناقده وما يتركه عمل كل واحد منهما من آثار سلبية أو أيجابية على مجمل المسيرة الثقافية الوطنية .
اما في النوع الثاني من النقد الترجمي فيقوم الناقد بفحص ترجمات متعددة (بغض النظر عن العدد) للنص المصدر :
واذا كان المترجم يجيد لغات أخرى فأنه يقارن النصوص المترجمة المختلفة في اللغات الأخرى ، وبالطبع ان هذا النوع من العمل غير متوفر أو غير رائج دائماً . وفي الحالات التي يسعدنا الحظ فيها ان نقع على نماذج من هذا القبيل ، فسوف ننبهر امام موج التأويل الغامر . هذا في حالة ان تكون تلك الترجمات مأخوذة من النص المصدر (الاول) ، اذ من المحتمل ان تكون مأخوذة من نصوص وسيطة . والافضل ان تؤخذ من النص المصدر الأول . اما اذا أخذت من نصوص وسيطة ، فالمتوقع ان تكون النتائج التأويلية متباينة . والراجح أن الشعر يحتل مكانة أرحب في هذا المجال حيث يذيع صيت قصيدة ما في بلد ما ، ولأسباب معينة عديدة ، يتهافت على ترجمتها مترجمون بلغات مختلفة . وطبيعي أن يشكل هذا المجال الترجمي عنصراً مهماً في البناء الثقافي العالمي . أنني أنتهز هذه الفرصة مطالباً بأشاعة هذه التجربة وتطويرها . مهم ان نشير الى اننا في النوع الثاني أيضاً لا نستطيع الأستغناء عن النص المصدر ، اذ بدونه نضيع في متاهة الأنطباعية التي لا تغني أو تسمن من جوع . وفي هذا النوع من النقد الترجمي المقارن نقوم بعمليات مركبّة من المقارنات ، ما بين النصوص الهدف والنص المصدر اولاً وما بين النصوص الهدف مع بعضها بعض . آخذين بنظر الأعتبار المكونات اللغوية في النص المصدر والهدف على المستويات التداولية وتحليل الخطاب وفي أجراء هذه العمليات المتشــــــــــابكة بطريقة واضحة ومتقنة تظهر لنا تلقـــــــــــائياً محاسن الترجمات وعـــــــــيوبها مما ييسر وضعها في المكانة المناسبة التي تستحقها .
2- تحليل لغوي -دلالي :
في الحقيقة لا تحتاج هذه القـصيدة الى براعة فائقة في تحليل بنيتها اللغوية للوصول الى معرفة دلالاتها . كل شئ فيها مكشوف ولا يخفى على أحد ، حيث تتميز لغتها ببساطة متناهية وتلقائية جليّة . وما دام الأمر كذلك ، أصبحت دلالات مفرداتها وتعابيرها لا تقبل التأويل المتطرف أو الخارج عن المألوف .
نحوياً انها تتألف من جملتين : أولاهما بسيطة والثانية معقدة . يمثل البيتان الأولان الجملة البسيطة الاولى التي تعني طلباً request أو أمراً . وتتألف من الفعل والمفعول به ، والفاعل محذوف تقديره (أنت) . وفي هذه الجملة تدل (انت) على المنادى أو المخاطب (أنت … الحالم) . اما ما يعقب هذه الجملة ، فجملة معقدة تنتهي بنهاية القصيدة . وهذه الجملة أيضاً تتألف من فعل (طلب) ومفعول به ، متبوعاً بعبارة موصولة وبعبارتين مجرورتين ، تحتويان على كلمتين مركبتين ، سوف نكتشف ان الاولى منهما هي التي بدت عصيّة على الترجمة . انها تتألف من كلمتي : Cloud-Cloth
وأنقسم هؤلاء المترجمون الى مجموعتين متساويتين في استخدام (المفرد والجمع) حيث ترجمت كلمة dream الى : حلم أو أحلام وكلمة dreamer الى : حالم وحالمون . أعتقد ان النص المصدر الذي بين أيدينا هو الشفيع للمترجم في اختيار المفرد او الجمع .
3- النص المصدر (بالإنكليزية) وترجماته العربية الست :
- النص المصدر
The Dream Keeper
Bring me all of your dreams,
You dreamer,
Bring me all your
Heart melodies
That I may wrap them
In a blue cloud-cloth
Away from the too-rough fingers
Of the world.
//////////////////
- الترجمات العربية الست :
1. حارس الحلم (ت) : نزار سرطاوي
أجلب لي كل أحلامك ،
أيُها الحالم ،
أجلب لي كل
ألحان قلبك
لألفها
في قطعة قماش زرقاء من السحاب
بعيداً عن أصابع العالم ،
بالغة الخشونة
2. حارس الحلم (ت) : عباس محسن
أعرض عليَ جميع أحلامك
يا أيها الحالم
أعرض عليَ
كل الحان قلبك المغناة
لعلني أغـطيها
بثوب غيمة زرقاء
بعيداً عن أصابع
العالم القادسية
3. حارس الأحلام (ت) د. محمد باقر علوان
أحملوا إليً جميع أحلامكم
ايها الحالمون ،
أحملوا إليً،
كل ايقاعات قلوبكم ،
لكي ألفها ،
بكساء سحابي أزرق ،
بعيداً عن أصابع هذا العالم
الخشنة جداً
4. حارس الأحلام (ت) موفق اسماعيل
قدموا لي كل أحلامكم
ايها الحالمون ،
قدموا لي كل
الحان أفئدتكم
لعلي ألفّها
في ثوب غيمي أزرق
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
5. حارس الاحلام (ت) حسن حجازي
احضر لي كل ما عندك
من أحلام ،
يا حارس الأحلام ،
أحضر لي كل ما قلبك
من أنغام ،
يا ناسج الأنغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية ،
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية ،
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الأحلام الوردية
6.حارس الأحلام (ت) سامر ابو هواش إليً بكل أحلامكم
أيها الحالمون ،
إليً بكل
أغاني قلوبكم
سأخبئها
في شراع السحاب الأزرق
بعيداً عن أصابع العالم
القاسية
//////////////
4- التقويم evaluation :
انقسم المترجمون الى فئتين في ترجمة العنوان : فئة ترجمته بـ (حارس الحلم) وفئة أخرى ترجمته بـ (حارس الأحلام) . وعند التأمل في ماهية الحارس الذي يحمي الحلم نستطيع ان نقول انه الشاعر الأسود لا نغستن هيوز نفسه الذي نذر نفسه مدافعاً عن الفرد الأسود وحلمه . وما هو حلمه ؟ حلمه الأول والأسمى هو المساواة مع الفرد الأبيض . وطبيعي ان هذا الحلم ينطوي على أحلام أصغر لا تتحقق الا بتحقق الحلم الاول . ومما يؤكد ما نذهب اليه هو ان العنوان حمل كلمة dream وليس dreams ، والا كان بوسع الشاعر ان يأتي بكلمة dreams في حالة الجمع . مع ذلك ، ثمة من يظن ان حالة الجمع n لغوياً n تضفي على المعنى هالةً من الفخامة لا أرى ان النص المصدر قادر على تحملها .
وأختلف المترجمون في ترجمة فعل الطلب bring كالآتي :
(ت1) أجلب ، (ت2) . أعرض (ت3) أحملوا (إليً) . (ت4) ، قدموا (لي) (ت5) أحضر (لي) (ت6) . (إليً بكل أحلامكم) .
نلاحظ ان هذه المفردات تقع في نطاق دائرة دلالية semantic circle واحدة بوجود فروقات دلالية ونحوية . من ناحية النحو ، مثلاً ، أقتضى استخدام بعض الأفعال الى استعمال الكلمات : (إليً) و (لي) . وفي (ت 6) ابتدأ المترجم جملته الطلبية (الأمرية) بـ (إليً) ، حيث حُذف الفعل . وفي الوقت الذي يمكن ان يعترض فيه البعض على استخدام هذه الصيغة لأنها ظاهرياً تفتقد فعل الطلب ، الا ان البعض الآخر قد يرى فيها اختلافاً مقبولاً جيداً .
ولنرصد الآن ترجمة البيت (السطر) السادس مركزين على مفردة wrap وترجماتها وكذلك على العبارة الموصولة (that I may O.) . سوف نلاحظ أن بعضهم تعامل معها على أساس الغرضية في so that التي يرى ان so قد حذفت منها ، بينما هذه العبارة في حقيقتها عبارة موصولة . ولهذا تُرجمت بـ : كي ألفها ، لألفها ، لعلني أغطيها … في الواقع اننا يمكن ان نترجم may بـ : أستطيع يمكنني ، قد ، ربما . وبناء عليه يمكننا ان نترجم العبارة الموصولة الكاملة بـ : التي قد (ربما) . أغطيها ، ألفهّا ، أخبئها ، او أخفيها … أين يخبئ أو يخفي هذه الالحان ؟ انه يخبئها في blue ncloud n cloth . ولاريب ان المعنى واضح للعيان وهو : القماش الأزرق الذي يشبه الغمام . واختلف المترجمون تعبيرياً في ترجمة هذه الكلمة المركبة من أسمين هما (الغمام ، والقماش) ، فجاءت الترجمات كالآتي : (ت1) في قطعة قماش زرقاء من السحاب و (ت2) : بثوب غيمة زرقاء و (ت3) : بكساء سحابي ازرق و (ت4) : في ثوب غيمي ازرق و (ت5) : في سحابة مطرية ووريقة ندية و (ت6) : في شراع السحاب الأزرق . وفي هذه الترجمات ترجمت كلمة cloth بـ : قطعة قماش ، ثوب ، كساء وشراع ، وانبرى خامسهم الى ترجمة cloud-cloth بـ : سحابة مطرية ووريقة ندية . وأقترح ان نترجمها بـ : دثار أزرق كغيمة (أو غمامة) وأفضّل أستخدام الفعل (يخبئ أو يخفي) ، لأن الشاعر يرمي الى القول ان ثمة أصابع خشنة ستفتك بها ، وهي أصابع هذا العالم المفترس . وتتعلق ملاحظتي الأخيرة بترجمة حسن حجازي بخاصة … التي أطلق فيها لنفسه العنان وأتى بكلمات وعبارات لا وجود لها في النص حيث قال :
يا ناسج الانغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الاحلام الوردية
لاحظوا معي الفعل + الضمير (أضعهم) الذي يجب ان يكون (أضعها) أي الأنغام . ولاحظوا أيضاً ماذا جرى وحلَ بالنص من أضافات وتصرفات لا تسمح للقارئ والناقد ان يتّعرف على الكيفية التر ظهر بها النص الأصل والكيفية التي ظهر بها النص الهدف . فمعروف انه كلما تطابق او تكافأ النصان ، يستطيع المترجم ان يوصل لنا الخواص النصية والأسلوبية للنص الاصل في تحولاتها الى النص الهدف . وفي ضوء الحفاظ على سمات النص اللغوية يجدر بالمترجم ان يبذل جهداً مضافاً لتحقيق هذا الهدف ، والا ستكون الترجمة منقوصة ، لأن ترجمة الأسلوب مطلوبة لكي يشعر .
عبد الواحد محمد مسلط
{ استاذ متمرس )
الشاعر الأمريكي الأسود لانغستن هيوز
تقويم ترجمة قصيدة
بقلم :
حارس الأحلام
عبد الواحد محمد مسلط
1- مدخل :
بين حين وآخر أكتب مقالات نقدية في مجال الترجمة متناولاً فيها إما نقداً ترجمياً موضوعياً أو نقداً ترجمياً مقارناً . في النوع الاول أسلط الضوء على نص مترجم واحد مقارناً بين النصين المصدر والهدف ، محاولاً أستقصاء مدى أمانة الترجمة ودقتها تطبيقاً لمبدأ الألمانية (كاثرين وبس) النقدي في ضرورة تطبيق النقد الترجمي الموضوعي بوجود النص المصدر والا سيصبح النقد انطباعياً . اذ كثيراً ما يتأثر القارئ بعبارات النص الهدف المنمقة ، فيعلن : ما أروعها من ترجمة . وفي الحقيقة إنها أبعد ما تكون عن الروعة ، لا بل انها تمثل نصاً جديداً تكاد ان تكون أواصر الارتباط بينه وبين النص المصدر ضعيفة أو باهتة . لذلك يجدر بالمترجم ، تلافياً للوقوع في هوة الانطباعية الخادعة ان يسعى جاهداً وجاداً الى ان يعتمد اعتمادا كلياً على النص المصدر .
إننا لو رجعنا الآن الى كثير من عروض الكتب المترجمة فسنرى أنها شبه خالية مما يطلق عليه اصطلاحياً بالنقد الموضوعي . إن ما تفعله هذه العروض في أحوال كثيرة هو أعطاء فكرة موجزة عن محتوى الكتاب الوافد الى اللغة العربية . ومن وجهة نظري ان هذا النوع من النشاط الثقافي مهم ومفيد بقدر ما يتعلق بعرض مادة الكتاب . لكن ، من ناحية أخرى ، أرى ان نقد النص المترجم موضوعياً أهم ، لأن نقداً من هذا الطراز سيحدد مكانة الكتاب الحقيقية في أطار ثقافتنا العامة لا سيما اذا علمنا ان الكتاب المترجم الجيد سيغدو جزءاً مهماً من ثقافتنا شئنا أم أبينا . من هذا نستنتج وجود فرق جلي بين عارض الكتاب وناقده وما يتركه عمل كل واحد منهما من آثار سلبية أو أيجابية على مجمل المسيرة الثقافية الوطنية .
اما في النوع الثاني من النقد الترجمي فيقوم الناقد بفحص ترجمات متعددة (بغض النظر عن العدد) للنص المصدر :
واذا كان المترجم يجيد لغات أخرى فأنه يقارن النصوص المترجمة المختلفة في اللغات الأخرى ، وبالطبع ان هذا النوع من العمل غير متوفر أو غير رائج دائماً . وفي الحالات التي يسعدنا الحظ فيها ان نقع على نماذج من هذا القبيل ، فسوف ننبهر امام موج التأويل الغامر . هذا في حالة ان تكون تلك الترجمات مأخوذة من النص المصدر (الاول) ، اذ من المحتمل ان تكون مأخوذة من نصوص وسيطة . والافضل ان تؤخذ من النص المصدر الأول . اما اذا أخذت من نصوص وسيطة ، فالمتوقع ان تكون النتائج التأويلية متباينة . والراجح أن الشعر يحتل مكانة أرحب في هذا المجال حيث يذيع صيت قصيدة ما في بلد ما ، ولأسباب معينة عديدة ، يتهافت على ترجمتها مترجمون بلغات مختلفة . وطبيعي أن يشكل هذا المجال الترجمي عنصراً مهماً في البناء الثقافي العالمي . أنني أنتهز هذه الفرصة مطالباً بأشاعة هذه التجربة وتطويرها . مهم ان نشير الى اننا في النوع الثاني أيضاً لا نستطيع الأستغناء عن النص المصدر ، اذ بدونه نضيع في متاهة الأنطباعية التي لا تغني أو تسمن من جوع . وفي هذا النوع من النقد الترجمي المقارن نقوم بعمليات مركبّة من المقارنات ، ما بين النصوص الهدف والنص المصدر اولاً وما بين النصوص الهدف مع بعضها بعض . آخذين بنظر الأعتبار المكونات اللغوية في النص المصدر والهدف على المستويات التداولية وتحليل الخطاب وفي أجراء هذه العمليات المتشــــــــــابكة بطريقة واضحة ومتقنة تظهر لنا تلقـــــــــــائياً محاسن الترجمات وعـــــــــيوبها مما ييسر وضعها في المكانة المناسبة التي تستحقها .
2- تحليل لغوي -دلالي :
في الحقيقة لا تحتاج هذه القـصيدة الى براعة فائقة في تحليل بنيتها اللغوية للوصول الى معرفة دلالاتها . كل شئ فيها مكشوف ولا يخفى على أحد ، حيث تتميز لغتها ببساطة متناهية وتلقائية جليّة . وما دام الأمر كذلك ، أصبحت دلالات مفرداتها وتعابيرها لا تقبل التأويل المتطرف أو الخارج عن المألوف .
نحوياً انها تتألف من جملتين : أولاهما بسيطة والثانية معقدة . يمثل البيتان الأولان الجملة البسيطة الاولى التي تعني طلباً request أو أمراً . وتتألف من الفعل والمفعول به ، والفاعل محذوف تقديره (أنت) . وفي هذه الجملة تدل (انت) على المنادى أو المخاطب (أنت … الحالم) . اما ما يعقب هذه الجملة ، فجملة معقدة تنتهي بنهاية القصيدة . وهذه الجملة أيضاً تتألف من فعل (طلب) ومفعول به ، متبوعاً بعبارة موصولة وبعبارتين مجرورتين ، تحتويان على كلمتين مركبتين ، سوف نكتشف ان الاولى منهما هي التي بدت عصيّة على الترجمة . انها تتألف من كلمتي : Cloud-Cloth
وأنقسم هؤلاء المترجمون الى مجموعتين متساويتين في استخدام (المفرد والجمع) حيث ترجمت كلمة dream الى : حلم أو أحلام وكلمة dreamer الى : حالم وحالمون . أعتقد ان النص المصدر الذي بين أيدينا هو الشفيع للمترجم في اختيار المفرد او الجمع .
3- النص المصدر (بالإنكليزية) وترجماته العربية الست :
- النص المصدر
The Dream Keeper
Bring me all of your dreams,
You dreamer,
Bring me all your
Heart melodies
That I may wrap them
In a blue cloud-cloth
Away from the too-rough fingers
Of the world.
//////////////////
- الترجمات العربية الست :
1. حارس الحلم (ت) : نزار سرطاوي
أجلب لي كل أحلامك ،
أيُها الحالم ،
أجلب لي كل
ألحان قلبك
لألفها
في قطعة قماش زرقاء من السحاب
بعيداً عن أصابع العالم ،
بالغة الخشونة
2. حارس الحلم (ت) : عباس محسن
أعرض عليَ جميع أحلامك
يا أيها الحالم
أعرض عليَ
كل الحان قلبك المغناة
لعلني أغـطيها
بثوب غيمة زرقاء
بعيداً عن أصابع
العالم القادسية
3. حارس الأحلام (ت) د. محمد باقر علوان
أحملوا إليً جميع أحلامكم
ايها الحالمون ،
أحملوا إليً،
كل ايقاعات قلوبكم ،
لكي ألفها ،
بكساء سحابي أزرق ،
بعيداً عن أصابع هذا العالم
الخشنة جداً
4. حارس الأحلام (ت) موفق اسماعيل
قدموا لي كل أحلامكم
ايها الحالمون ،
قدموا لي كل
الحان أفئدتكم
لعلي ألفّها
في ثوب غيمي أزرق
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
5. حارس الاحلام (ت) حسن حجازي
احضر لي كل ما عندك
من أحلام ،
يا حارس الأحلام ،
أحضر لي كل ما قلبك
من أنغام ،
يا ناسج الأنغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية ،
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية ،
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الأحلام الوردية
6.حارس الأحلام (ت) سامر ابو هواش إليً بكل أحلامكم
أيها الحالمون ،
إليً بكل
أغاني قلوبكم
سأخبئها
في شراع السحاب الأزرق
بعيداً عن أصابع العالم
القاسية
//////////////
4- التقويم evaluation :
انقسم المترجمون الى فئتين في ترجمة العنوان : فئة ترجمته بـ (حارس الحلم) وفئة أخرى ترجمته بـ (حارس الأحلام) . وعند التأمل في ماهية الحارس الذي يحمي الحلم نستطيع ان نقول انه الشاعر الأسود لا نغستن هيوز نفسه الذي نذر نفسه مدافعاً عن الفرد الأسود وحلمه . وما هو حلمه ؟ حلمه الأول والأسمى هو المساواة مع الفرد الأبيض . وطبيعي ان هذا الحلم ينطوي على أحلام أصغر لا تتحقق الا بتحقق الحلم الاول . ومما يؤكد ما نذهب اليه هو ان العنوان حمل كلمة dream وليس dreams ، والا كان بوسع الشاعر ان يأتي بكلمة dreams في حالة الجمع . مع ذلك ، ثمة من يظن ان حالة الجمع n لغوياً n تضفي على المعنى هالةً من الفخامة لا أرى ان النص المصدر قادر على تحملها .
وأختلف المترجمون في ترجمة فعل الطلب bring كالآتي :
(ت1) أجلب ، (ت2) . أعرض (ت3) أحملوا (إليً) . (ت4) ، قدموا (لي) (ت5) أحضر (لي) (ت6) . (إليً بكل أحلامكم) .
نلاحظ ان هذه المفردات تقع في نطاق دائرة دلالية semantic circle واحدة بوجود فروقات دلالية ونحوية . من ناحية النحو ، مثلاً ، أقتضى استخدام بعض الأفعال الى استعمال الكلمات : (إليً) و (لي) . وفي (ت 6) ابتدأ المترجم جملته الطلبية (الأمرية) بـ (إليً) ، حيث حُذف الفعل . وفي الوقت الذي يمكن ان يعترض فيه البعض على استخدام هذه الصيغة لأنها ظاهرياً تفتقد فعل الطلب ، الا ان البعض الآخر قد يرى فيها اختلافاً مقبولاً جيداً .
ولنرصد الآن ترجمة البيت (السطر) السادس مركزين على مفردة wrap وترجماتها وكذلك على العبارة الموصولة (that I may O.) . سوف نلاحظ أن بعضهم تعامل معها على أساس الغرضية في so that التي يرى ان so قد حذفت منها ، بينما هذه العبارة في حقيقتها عبارة موصولة . ولهذا تُرجمت بـ : كي ألفها ، لألفها ، لعلني أغطيها … في الواقع اننا يمكن ان نترجم may بـ : أستطيع يمكنني ، قد ، ربما . وبناء عليه يمكننا ان نترجم العبارة الموصولة الكاملة بـ : التي قد (ربما) . أغطيها ، ألفهّا ، أخبئها ، او أخفيها … أين يخبئ أو يخفي هذه الالحان ؟ انه يخبئها في blue ncloud n cloth . ولاريب ان المعنى واضح للعيان وهو : القماش الأزرق الذي يشبه الغمام . واختلف المترجمون تعبيرياً في ترجمة هذه الكلمة المركبة من أسمين هما (الغمام ، والقماش) ، فجاءت الترجمات كالآتي : (ت1) في قطعة قماش زرقاء من السحاب و (ت2) : بثوب غيمة زرقاء و (ت3) : بكساء سحابي ازرق و (ت4) : في ثوب غيمي ازرق و (ت5) : في سحابة مطرية ووريقة ندية و (ت6) : في شراع السحاب الأزرق . وفي هذه الترجمات ترجمت كلمة cloth بـ : قطعة قماش ، ثوب ، كساء وشراع ، وانبرى خامسهم الى ترجمة cloud-cloth بـ : سحابة مطرية ووريقة ندية . وأقترح ان نترجمها بـ : دثار أزرق كغيمة (أو غمامة) وأفضّل أستخدام الفعل (يخبئ أو يخفي) ، لأن الشاعر يرمي الى القول ان ثمة أصابع خشنة ستفتك بها ، وهي أصابع هذا العالم المفترس . وتتعلق ملاحظتي الأخيرة بترجمة حسن حجازي بخاصة … التي أطلق فيها لنفسه العنان وأتى بكلمات وعبارات لا وجود لها في النص حيث قال :
يا ناسج الانغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الاحلام الوردية
لاحظوا معي الفعل + الضمير (أضعهم) الذي يجب ان يكون (أضعها) أي الأنغام . ولاحظوا أيضاً ماذا جرى وحلَ بالنص من أضافات وتصرفات لا تسمح للقارئ والناقد ان يتّعرف على الكيفية التر ظهر بها النص الأصل والكيفية التي ظهر بها النص الهدف . فمعروف انه كلما تطابق او تكافأ النصان ، يستطيع المترجم ان يوصل لنا الخواص النصية والأسلوبية للنص الاصل في تحولاتها الى النص الهدف . وفي ضوء الحفاظ على سمات النص اللغوية يجدر بالمترجم ان يبذل جهداً مضافاً لتحقيق هذا الهدف ، والا ستكون الترجمة منقوصة ، لأن ترجمة الأسلوب مطلوبة لكي يشعر .
عبد الواحد محمد مسلط
( استاذ متمرس )
تقويم ترجمة قصيدة
بقلم :
حارس الأحلام
عبد الواحد محمد مسلط
1- مدخل :
بين حين وآخر أكتب مقالات نقدية في مجال الترجمة متناولاً فيها إما نقداً ترجمياً موضوعياً أو نقداً ترجمياً مقارناً . في النوع الاول أسلط الضوء على نص مترجم واحد مقارناً بين النصين المصدر والهدف ، محاولاً أستقصاء مدى أمانة الترجمة ودقتها تطبيقاً لمبدأ الألمانية (كاثرين وبس) النقدي في ضرورة تطبيق النقد الترجمي الموضوعي بوجود النص المصدر والا سيصبح النقد انطباعياً . اذ كثيراً ما يتأثر القارئ بعبارات النص الهدف المنمقة ، فيعلن : ما أروعها من ترجمة . وفي الحقيقة إنها أبعد ما تكون عن الروعة ، لا بل انها تمثل نصاً جديداً تكاد ان تكون أواصر الارتباط بينه وبين النص المصدر ضعيفة أو باهتة . لذلك يجدر بالمترجم ، تلافياً للوقوع في هوة الانطباعية الخادعة ان يسعى جاهداً وجاداً الى ان يعتمد اعتمادا كلياً على النص المصدر .
إننا لو رجعنا الآن الى كثير من عروض الكتب المترجمة فسنرى أنها شبه خالية مما يطلق عليه اصطلاحياً بالنقد الموضوعي . إن ما تفعله هذه العروض في أحوال كثيرة هو أعطاء فكرة موجزة عن محتوى الكتاب الوافد الى اللغة العربية . ومن وجهة نظري ان هذا النوع من النشاط الثقافي مهم ومفيد بقدر ما يتعلق بعرض مادة الكتاب . لكن ، من ناحية أخرى ، أرى ان نقد النص المترجم موضوعياً أهم ، لأن نقداً من هذا الطراز سيحدد مكانة الكتاب الحقيقية في أطار ثقافتنا العامة لا سيما اذا علمنا ان الكتاب المترجم الجيد سيغدو جزءاً مهماً من ثقافتنا شئنا أم أبينا . من هذا نستنتج وجود فرق جلي بين عارض الكتاب وناقده وما يتركه عمل كل واحد منهما من آثار سلبية أو أيجابية على مجمل المسيرة الثقافية الوطنية .
اما في النوع الثاني من النقد الترجمي فيقوم الناقد بفحص ترجمات متعددة (بغض النظر عن العدد) للنص المصدر :
واذا كان المترجم يجيد لغات أخرى فأنه يقارن النصوص المترجمة المختلفة في اللغات الأخرى ، وبالطبع ان هذا النوع من العمل غير متوفر أو غير رائج دائماً . وفي الحالات التي يسعدنا الحظ فيها ان نقع على نماذج من هذا القبيل ، فسوف ننبهر امام موج التأويل الغامر . هذا في حالة ان تكون تلك الترجمات مأخوذة من النص المصدر (الاول) ، اذ من المحتمل ان تكون مأخوذة من نصوص وسيطة . والافضل ان تؤخذ من النص المصدر الأول . اما اذا أخذت من نصوص وسيطة ، فالمتوقع ان تكون النتائج التأويلية متباينة . والراجح أن الشعر يحتل مكانة أرحب في هذا المجال حيث يذيع صيت قصيدة ما في بلد ما ، ولأسباب معينة عديدة ، يتهافت على ترجمتها مترجمون بلغات مختلفة . وطبيعي أن يشكل هذا المجال الترجمي عنصراً مهماً في البناء الثقافي العالمي . أنني أنتهز هذه الفرصة مطالباً بأشاعة هذه التجربة وتطويرها . مهم ان نشير الى اننا في النوع الثاني أيضاً لا نستطيع الأستغناء عن النص المصدر ، اذ بدونه نضيع في متاهة الأنطباعية التي لا تغني أو تسمن من جوع . وفي هذا النوع من النقد الترجمي المقارن نقوم بعمليات مركبّة من المقارنات ، ما بين النصوص الهدف والنص المصدر اولاً وما بين النصوص الهدف مع بعضها بعض . آخذين بنظر الأعتبار المكونات اللغوية في النص المصدر والهدف على المستويات التداولية وتحليل الخطاب وفي أجراء هذه العمليات المتشــــــــــابكة بطريقة واضحة ومتقنة تظهر لنا تلقـــــــــــائياً محاسن الترجمات وعـــــــــيوبها مما ييسر وضعها في المكانة المناسبة التي تستحقها .
2- تحليل لغوي -دلالي :
في الحقيقة لا تحتاج هذه القـصيدة الى براعة فائقة في تحليل بنيتها اللغوية للوصول الى معرفة دلالاتها . كل شئ فيها مكشوف ولا يخفى على أحد ، حيث تتميز لغتها ببساطة متناهية وتلقائية جليّة . وما دام الأمر كذلك ، أصبحت دلالات مفرداتها وتعابيرها لا تقبل التأويل المتطرف أو الخارج عن المألوف .
نحوياً انها تتألف من جملتين : أولاهما بسيطة والثانية معقدة . يمثل البيتان الأولان الجملة البسيطة الاولى التي تعني طلباً request أو أمراً . وتتألف من الفعل والمفعول به ، والفاعل محذوف تقديره (أنت) . وفي هذه الجملة تدل (انت) على المنادى أو المخاطب (أنت … الحالم) . اما ما يعقب هذه الجملة ، فجملة معقدة تنتهي بنهاية القصيدة . وهذه الجملة أيضاً تتألف من فعل (طلب) ومفعول به ، متبوعاً بعبارة موصولة وبعبارتين مجرورتين ، تحتويان على كلمتين مركبتين ، سوف نكتشف ان الاولى منهما هي التي بدت عصيّة على الترجمة . انها تتألف من كلمتي : Cloud-Cloth
وأنقسم هؤلاء المترجمون الى مجموعتين متساويتين في استخدام (المفرد والجمع) حيث ترجمت كلمة dream الى : حلم أو أحلام وكلمة dreamer الى : حالم وحالمون . أعتقد ان النص المصدر الذي بين أيدينا هو الشفيع للمترجم في اختيار المفرد او الجمع .
3- النص المصدر (بالإنكليزية) وترجماته العربية الست :
- النص المصدر
The Dream Keeper
Bring me all of your dreams,
You dreamer,
Bring me all your
Heart melodies
That I may wrap them
In a blue cloud-cloth
Away from the too-rough fingers
Of the world.
//////////////////
- الترجمات العربية الست :
1. حارس الحلم (ت) : نزار سرطاوي
أجلب لي كل أحلامك ،
أيُها الحالم ،
أجلب لي كل
ألحان قلبك
لألفها
في قطعة قماش زرقاء من السحاب
بعيداً عن أصابع العالم ،
بالغة الخشونة
2. حارس الحلم (ت) : عباس محسن
أعرض عليَ جميع أحلامك
يا أيها الحالم
أعرض عليَ
كل الحان قلبك المغناة
لعلني أغـطيها
بثوب غيمة زرقاء
بعيداً عن أصابع
العالم القادسية
3. حارس الأحلام (ت) د. محمد باقر علوان
أحملوا إليً جميع أحلامكم
ايها الحالمون ،
أحملوا إليً،
كل ايقاعات قلوبكم ،
لكي ألفها ،
بكساء سحابي أزرق ،
بعيداً عن أصابع هذا العالم
الخشنة جداً
4. حارس الأحلام (ت) موفق اسماعيل
قدموا لي كل أحلامكم
ايها الحالمون ،
قدموا لي كل
الحان أفئدتكم
لعلي ألفّها
في ثوب غيمي أزرق
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
5. حارس الاحلام (ت) حسن حجازي
احضر لي كل ما عندك
من أحلام ،
يا حارس الأحلام ،
أحضر لي كل ما قلبك
من أنغام ،
يا ناسج الأنغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية ،
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية ،
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الأحلام الوردية
6.حارس الأحلام (ت) سامر ابو هواش إليً بكل أحلامكم
أيها الحالمون ،
إليً بكل
أغاني قلوبكم
سأخبئها
في شراع السحاب الأزرق
بعيداً عن أصابع العالم
القاسية
//////////////
4- التقويم evaluation :
انقسم المترجمون الى فئتين في ترجمة العنوان : فئة ترجمته بـ (حارس الحلم) وفئة أخرى ترجمته بـ (حارس الأحلام) . وعند التأمل في ماهية الحارس الذي يحمي الحلم نستطيع ان نقول انه الشاعر الأسود لا نغستن هيوز نفسه الذي نذر نفسه مدافعاً عن الفرد الأسود وحلمه . وما هو حلمه ؟ حلمه الأول والأسمى هو المساواة مع الفرد الأبيض . وطبيعي ان هذا الحلم ينطوي على أحلام أصغر لا تتحقق الا بتحقق الحلم الاول . ومما يؤكد ما نذهب اليه هو ان العنوان حمل كلمة dream وليس dreams ، والا كان بوسع الشاعر ان يأتي بكلمة dreams في حالة الجمع . مع ذلك ، ثمة من يظن ان حالة الجمع n لغوياً n تضفي على المعنى هالةً من الفخامة لا أرى ان النص المصدر قادر على تحملها .
وأختلف المترجمون في ترجمة فعل الطلب bring كالآتي :
(ت1) أجلب ، (ت2) . أعرض (ت3) أحملوا (إليً) . (ت4) ، قدموا (لي) (ت5) أحضر (لي) (ت6) . (إليً بكل أحلامكم) .
نلاحظ ان هذه المفردات تقع في نطاق دائرة دلالية semantic circle واحدة بوجود فروقات دلالية ونحوية . من ناحية النحو ، مثلاً ، أقتضى استخدام بعض الأفعال الى استعمال الكلمات : (إليً) و (لي) . وفي (ت 6) ابتدأ المترجم جملته الطلبية (الأمرية) بـ (إليً) ، حيث حُذف الفعل . وفي الوقت الذي يمكن ان يعترض فيه البعض على استخدام هذه الصيغة لأنها ظاهرياً تفتقد فعل الطلب ، الا ان البعض الآخر قد يرى فيها اختلافاً مقبولاً جيداً .
ولنرصد الآن ترجمة البيت (السطر) السادس مركزين على مفردة wrap وترجماتها وكذلك على العبارة الموصولة (that I may O.) . سوف نلاحظ أن بعضهم تعامل معها على أساس الغرضية في so that التي يرى ان so قد حذفت منها ، بينما هذه العبارة في حقيقتها عبارة موصولة . ولهذا تُرجمت بـ : كي ألفها ، لألفها ، لعلني أغطيها … في الواقع اننا يمكن ان نترجم may بـ : أستطيع يمكنني ، قد ، ربما . وبناء عليه يمكننا ان نترجم العبارة الموصولة الكاملة بـ : التي قد (ربما) . أغطيها ، ألفهّا ، أخبئها ، او أخفيها … أين يخبئ أو يخفي هذه الالحان ؟ انه يخبئها في blue ncloud n cloth . ولاريب ان المعنى واضح للعيان وهو : القماش الأزرق الذي يشبه الغمام . واختلف المترجمون تعبيرياً في ترجمة هذه الكلمة المركبة من أسمين هما (الغمام ، والقماش) ، فجاءت الترجمات كالآتي : (ت1) في قطعة قماش زرقاء من السحاب و (ت2) : بثوب غيمة زرقاء و (ت3) : بكساء سحابي ازرق و (ت4) : في ثوب غيمي ازرق و (ت5) : في سحابة مطرية ووريقة ندية و (ت6) : في شراع السحاب الأزرق . وفي هذه الترجمات ترجمت كلمة cloth بـ : قطعة قماش ، ثوب ، كساء وشراع ، وانبرى خامسهم الى ترجمة cloud-cloth بـ : سحابة مطرية ووريقة ندية . وأقترح ان نترجمها بـ : دثار أزرق كغيمة (أو غمامة) وأفضّل أستخدام الفعل (يخبئ أو يخفي) ، لأن الشاعر يرمي الى القول ان ثمة أصابع خشنة ستفتك بها ، وهي أصابع هذا العالم المفترس . وتتعلق ملاحظتي الأخيرة بترجمة حسن حجازي بخاصة … التي أطلق فيها لنفسه العنان وأتى بكلمات وعبارات لا وجود لها في النص حيث قال :
يا ناسج الانغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الاحلام الوردية
لاحظوا معي الفعل + الضمير (أضعهم) الذي يجب ان يكون (أضعها) أي الأنغام . ولاحظوا أيضاً ماذا جرى وحلَ بالنص من أضافات وتصرفات لا تسمح للقارئ والناقد ان يتّعرف على الكيفية التر ظهر بها النص الأصل والكيفية التي ظهر بها النص الهدف . فمعروف انه كلما تطابق او تكافأ النصان ، يستطيع المترجم ان يوصل لنا الخواص النصية والأسلوبية للنص الاصل في تحولاتها الى النص الهدف . وفي ضوء الحفاظ على سمات النص اللغوية يجدر بالمترجم ان يبذل جهداً مضافاً لتحقيق هذا الهدف ، والا ستكون الترجمة منقوصة ، لأن ترجمة الأسلوب مطلوبة لكي يشعر .
عبد الواحد محمد مسلط
{ استاذ متمرس )
الشاعر الأمريكي الأسود لانغستن هيوز
تقويم ترجمة قصيدة
بقلم :
حارس الأحلام
عبد الواحد محمد مسلط
1- مدخل :
بين حين وآخر أكتب مقالات نقدية في مجال الترجمة متناولاً فيها إما نقداً ترجمياً موضوعياً أو نقداً ترجمياً مقارناً . في النوع الاول أسلط الضوء على نص مترجم واحد مقارناً بين النصين المصدر والهدف ، محاولاً أستقصاء مدى أمانة الترجمة ودقتها تطبيقاً لمبدأ الألمانية (كاثرين وبس) النقدي في ضرورة تطبيق النقد الترجمي الموضوعي بوجود النص المصدر والا سيصبح النقد انطباعياً . اذ كثيراً ما يتأثر القارئ بعبارات النص الهدف المنمقة ، فيعلن : ما أروعها من ترجمة . وفي الحقيقة إنها أبعد ما تكون عن الروعة ، لا بل انها تمثل نصاً جديداً تكاد ان تكون أواصر الارتباط بينه وبين النص المصدر ضعيفة أو باهتة . لذلك يجدر بالمترجم ، تلافياً للوقوع في هوة الانطباعية الخادعة ان يسعى جاهداً وجاداً الى ان يعتمد اعتمادا كلياً على النص المصدر .
إننا لو رجعنا الآن الى كثير من عروض الكتب المترجمة فسنرى أنها شبه خالية مما يطلق عليه اصطلاحياً بالنقد الموضوعي . إن ما تفعله هذه العروض في أحوال كثيرة هو أعطاء فكرة موجزة عن محتوى الكتاب الوافد الى اللغة العربية . ومن وجهة نظري ان هذا النوع من النشاط الثقافي مهم ومفيد بقدر ما يتعلق بعرض مادة الكتاب . لكن ، من ناحية أخرى ، أرى ان نقد النص المترجم موضوعياً أهم ، لأن نقداً من هذا الطراز سيحدد مكانة الكتاب الحقيقية في أطار ثقافتنا العامة لا سيما اذا علمنا ان الكتاب المترجم الجيد سيغدو جزءاً مهماً من ثقافتنا شئنا أم أبينا . من هذا نستنتج وجود فرق جلي بين عارض الكتاب وناقده وما يتركه عمل كل واحد منهما من آثار سلبية أو أيجابية على مجمل المسيرة الثقافية الوطنية .
اما في النوع الثاني من النقد الترجمي فيقوم الناقد بفحص ترجمات متعددة (بغض النظر عن العدد) للنص المصدر :
واذا كان المترجم يجيد لغات أخرى فأنه يقارن النصوص المترجمة المختلفة في اللغات الأخرى ، وبالطبع ان هذا النوع من العمل غير متوفر أو غير رائج دائماً . وفي الحالات التي يسعدنا الحظ فيها ان نقع على نماذج من هذا القبيل ، فسوف ننبهر امام موج التأويل الغامر . هذا في حالة ان تكون تلك الترجمات مأخوذة من النص المصدر (الاول) ، اذ من المحتمل ان تكون مأخوذة من نصوص وسيطة . والافضل ان تؤخذ من النص المصدر الأول . اما اذا أخذت من نصوص وسيطة ، فالمتوقع ان تكون النتائج التأويلية متباينة . والراجح أن الشعر يحتل مكانة أرحب في هذا المجال حيث يذيع صيت قصيدة ما في بلد ما ، ولأسباب معينة عديدة ، يتهافت على ترجمتها مترجمون بلغات مختلفة . وطبيعي أن يشكل هذا المجال الترجمي عنصراً مهماً في البناء الثقافي العالمي . أنني أنتهز هذه الفرصة مطالباً بأشاعة هذه التجربة وتطويرها . مهم ان نشير الى اننا في النوع الثاني أيضاً لا نستطيع الأستغناء عن النص المصدر ، اذ بدونه نضيع في متاهة الأنطباعية التي لا تغني أو تسمن من جوع . وفي هذا النوع من النقد الترجمي المقارن نقوم بعمليات مركبّة من المقارنات ، ما بين النصوص الهدف والنص المصدر اولاً وما بين النصوص الهدف مع بعضها بعض . آخذين بنظر الأعتبار المكونات اللغوية في النص المصدر والهدف على المستويات التداولية وتحليل الخطاب وفي أجراء هذه العمليات المتشــــــــــابكة بطريقة واضحة ومتقنة تظهر لنا تلقـــــــــــائياً محاسن الترجمات وعـــــــــيوبها مما ييسر وضعها في المكانة المناسبة التي تستحقها .
2- تحليل لغوي -دلالي :
في الحقيقة لا تحتاج هذه القـصيدة الى براعة فائقة في تحليل بنيتها اللغوية للوصول الى معرفة دلالاتها . كل شئ فيها مكشوف ولا يخفى على أحد ، حيث تتميز لغتها ببساطة متناهية وتلقائية جليّة . وما دام الأمر كذلك ، أصبحت دلالات مفرداتها وتعابيرها لا تقبل التأويل المتطرف أو الخارج عن المألوف .
نحوياً انها تتألف من جملتين : أولاهما بسيطة والثانية معقدة . يمثل البيتان الأولان الجملة البسيطة الاولى التي تعني طلباً request أو أمراً . وتتألف من الفعل والمفعول به ، والفاعل محذوف تقديره (أنت) . وفي هذه الجملة تدل (انت) على المنادى أو المخاطب (أنت … الحالم) . اما ما يعقب هذه الجملة ، فجملة معقدة تنتهي بنهاية القصيدة . وهذه الجملة أيضاً تتألف من فعل (طلب) ومفعول به ، متبوعاً بعبارة موصولة وبعبارتين مجرورتين ، تحتويان على كلمتين مركبتين ، سوف نكتشف ان الاولى منهما هي التي بدت عصيّة على الترجمة . انها تتألف من كلمتي : Cloud-Cloth
وأنقسم هؤلاء المترجمون الى مجموعتين متساويتين في استخدام (المفرد والجمع) حيث ترجمت كلمة dream الى : حلم أو أحلام وكلمة dreamer الى : حالم وحالمون . أعتقد ان النص المصدر الذي بين أيدينا هو الشفيع للمترجم في اختيار المفرد او الجمع .
3- النص المصدر (بالإنكليزية) وترجماته العربية الست :
- النص المصدر
The Dream Keeper
Bring me all of your dreams,
You dreamer,
Bring me all your
Heart melodies
That I may wrap them
In a blue cloud-cloth
Away from the too-rough fingers
Of the world.
//////////////////
- الترجمات العربية الست :
1. حارس الحلم (ت) : نزار سرطاوي
أجلب لي كل أحلامك ،
أيُها الحالم ،
أجلب لي كل
ألحان قلبك
لألفها
في قطعة قماش زرقاء من السحاب
بعيداً عن أصابع العالم ،
بالغة الخشونة
2. حارس الحلم (ت) : عباس محسن
أعرض عليَ جميع أحلامك
يا أيها الحالم
أعرض عليَ
كل الحان قلبك المغناة
لعلني أغـطيها
بثوب غيمة زرقاء
بعيداً عن أصابع
العالم القادسية
3. حارس الأحلام (ت) د. محمد باقر علوان
أحملوا إليً جميع أحلامكم
ايها الحالمون ،
أحملوا إليً،
كل ايقاعات قلوبكم ،
لكي ألفها ،
بكساء سحابي أزرق ،
بعيداً عن أصابع هذا العالم
الخشنة جداً
4. حارس الأحلام (ت) موفق اسماعيل
قدموا لي كل أحلامكم
ايها الحالمون ،
قدموا لي كل
الحان أفئدتكم
لعلي ألفّها
في ثوب غيمي أزرق
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
5. حارس الاحلام (ت) حسن حجازي
احضر لي كل ما عندك
من أحلام ،
يا حارس الأحلام ،
أحضر لي كل ما قلبك
من أنغام ،
يا ناسج الأنغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية ،
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية ،
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الأحلام الوردية
6.حارس الأحلام (ت) سامر ابو هواش إليً بكل أحلامكم
أيها الحالمون ،
إليً بكل
أغاني قلوبكم
سأخبئها
في شراع السحاب الأزرق
بعيداً عن أصابع العالم
القاسية
//////////////
4- التقويم evaluation :
انقسم المترجمون الى فئتين في ترجمة العنوان : فئة ترجمته بـ (حارس الحلم) وفئة أخرى ترجمته بـ (حارس الأحلام) . وعند التأمل في ماهية الحارس الذي يحمي الحلم نستطيع ان نقول انه الشاعر الأسود لا نغستن هيوز نفسه الذي نذر نفسه مدافعاً عن الفرد الأسود وحلمه . وما هو حلمه ؟ حلمه الأول والأسمى هو المساواة مع الفرد الأبيض . وطبيعي ان هذا الحلم ينطوي على أحلام أصغر لا تتحقق الا بتحقق الحلم الاول . ومما يؤكد ما نذهب اليه هو ان العنوان حمل كلمة dream وليس dreams ، والا كان بوسع الشاعر ان يأتي بكلمة dreams في حالة الجمع . مع ذلك ، ثمة من يظن ان حالة الجمع n لغوياً n تضفي على المعنى هالةً من الفخامة لا أرى ان النص المصدر قادر على تحملها .
وأختلف المترجمون في ترجمة فعل الطلب bring كالآتي :
(ت1) أجلب ، (ت2) . أعرض (ت3) أحملوا (إليً) . (ت4) ، قدموا (لي) (ت5) أحضر (لي) (ت6) . (إليً بكل أحلامكم) .
نلاحظ ان هذه المفردات تقع في نطاق دائرة دلالية semantic circle واحدة بوجود فروقات دلالية ونحوية . من ناحية النحو ، مثلاً ، أقتضى استخدام بعض الأفعال الى استعمال الكلمات : (إليً) و (لي) . وفي (ت 6) ابتدأ المترجم جملته الطلبية (الأمرية) بـ (إليً) ، حيث حُذف الفعل . وفي الوقت الذي يمكن ان يعترض فيه البعض على استخدام هذه الصيغة لأنها ظاهرياً تفتقد فعل الطلب ، الا ان البعض الآخر قد يرى فيها اختلافاً مقبولاً جيداً .
ولنرصد الآن ترجمة البيت (السطر) السادس مركزين على مفردة wrap وترجماتها وكذلك على العبارة الموصولة (that I may O.) . سوف نلاحظ أن بعضهم تعامل معها على أساس الغرضية في so that التي يرى ان so قد حذفت منها ، بينما هذه العبارة في حقيقتها عبارة موصولة . ولهذا تُرجمت بـ : كي ألفها ، لألفها ، لعلني أغطيها … في الواقع اننا يمكن ان نترجم may بـ : أستطيع يمكنني ، قد ، ربما . وبناء عليه يمكننا ان نترجم العبارة الموصولة الكاملة بـ : التي قد (ربما) . أغطيها ، ألفهّا ، أخبئها ، او أخفيها … أين يخبئ أو يخفي هذه الالحان ؟ انه يخبئها في blue ncloud n cloth . ولاريب ان المعنى واضح للعيان وهو : القماش الأزرق الذي يشبه الغمام . واختلف المترجمون تعبيرياً في ترجمة هذه الكلمة المركبة من أسمين هما (الغمام ، والقماش) ، فجاءت الترجمات كالآتي : (ت1) في قطعة قماش زرقاء من السحاب و (ت2) : بثوب غيمة زرقاء و (ت3) : بكساء سحابي ازرق و (ت4) : في ثوب غيمي ازرق و (ت5) : في سحابة مطرية ووريقة ندية و (ت6) : في شراع السحاب الأزرق . وفي هذه الترجمات ترجمت كلمة cloth بـ : قطعة قماش ، ثوب ، كساء وشراع ، وانبرى خامسهم الى ترجمة cloud-cloth بـ : سحابة مطرية ووريقة ندية . وأقترح ان نترجمها بـ : دثار أزرق كغيمة (أو غمامة) وأفضّل أستخدام الفعل (يخبئ أو يخفي) ، لأن الشاعر يرمي الى القول ان ثمة أصابع خشنة ستفتك بها ، وهي أصابع هذا العالم المفترس . وتتعلق ملاحظتي الأخيرة بترجمة حسن حجازي بخاصة … التي أطلق فيها لنفسه العنان وأتى بكلمات وعبارات لا وجود لها في النص حيث قال :
يا ناسج الانغام
لأضعهم في سحابة مطوية
ووريقة ندية
تحلق بعيداً
تحميها زرقة الغمام الشجية
بعيداً عن أصابع
العالم الخشنة
ويده الطاغية القوية
التي أدمنت وتفننت
في تسفيه الاحلام الوردية
لاحظوا معي الفعل + الضمير (أضعهم) الذي يجب ان يكون (أضعها) أي الأنغام . ولاحظوا أيضاً ماذا جرى وحلَ بالنص من أضافات وتصرفات لا تسمح للقارئ والناقد ان يتّعرف على الكيفية التر ظهر بها النص الأصل والكيفية التي ظهر بها النص الهدف . فمعروف انه كلما تطابق او تكافأ النصان ، يستطيع المترجم ان يوصل لنا الخواص النصية والأسلوبية للنص الاصل في تحولاتها الى النص الهدف . وفي ضوء الحفاظ على سمات النص اللغوية يجدر بالمترجم ان يبذل جهداً مضافاً لتحقيق هذا الهدف ، والا ستكون الترجمة منقوصة ، لأن ترجمة الأسلوب مطلوبة لكي يشعر .
عبد الواحد محمد مسلط
( استاذ متمرس )
تعليق