.
ياسمين : لا تبكي ؛ إنّها رسائل رحمة من ربِّ العالمين
و لكننا في معظم الأحيان لا نُجيد القراءة .. و في أحيانٍ أخرى نفهم متأخرين .
\
/
\
الأيام متشابهة يمرُّ بساطها بِثقلٍ متناهٍ يُجَرْجِرُهُ المَلل ؛ تلعبُ دور المرور المتعاقب
ضمن دوّامة الزّمن و التي بدورها تخطف أشياءنا الجميلة ؛
السماء ثكلى بغيوم سوداء تُطفئ نور الشمس و تحجب قرصها ..
و الهواء مُخَضّلٌ خانق ؛ يهبُّ برياح قاسية .. صفيرها مرعب و موجاتها مندفعة بقسوة
كصفعات متتالية تنهال على الروح بلا رحمة ..
و الأرض قاحلةٌ مجدبةٌ بالجفاف تحثُّ أهلها نحو أصناف الرّحيل .. ..
لا شيئ يبعث على الحياة بعد أن رُدِمَت جماليّاتها بأفكار مسمومة ؛ هدّامة لا تمتُّ لدين و لا يُقرّها عُرف و لا يستوعبها عقل .. ..
علامات استفهام تنمو ؛ و علامات تعجب تتضخم كأثقال تقسم كاهل المرء و لا يعرف
كيف يبدّدها ؛ و أي طريقة ستجدي مع هذه الثقافة الفرعونية التي تفرض رأيها و سطوتها ؛
فلا فائدة من الكلام بعد استنفاذ شتّى الوسائل و المحاولات التي باءت بخيبة أمل و فشل لا مثيل له ..
آهٍ من وَطْأة القدر حين يأسرنا بين جدران اللامعقول و قضبان العقم واللاجدوى و مساحات العبث الفارغ في مستقبل الآخر و مصيره .
||
هكذا مرّت الأيام وَ ياسمين تحوم في مدارات مغلقة ؛ كفراشة تضلّ سبيل الزهرة
التي ترتشف منها عسلاً يُطلي مرارة أيامها بحلاوة .. فلم تعد ترى سوى كابوس
الزمن الثقيل الذي يجثم على صدرها ويفتك بأعصابها و يبدد أمانيها ؛ و يخرجها من
طورٍ إلى طور كادت أن تفقد فيه ملامحها ؛ بل كادت حتى أن تجحد بالجوهر المنيع
؛ المضيئ بداخلها و الذي يحول دونها و الظلام الدامس الملتف حولها .. ..
لا شيئ سوى ضجيج مؤلم يتلف عقلها ؛
و دموعا تنحت القلب و تهطل بغزارة جرح نازف لا يكف :
ما جدوى هذا الترف ؟!
ما جدوى الإبداع الذي لايراه و لايقدره أحد ؟!
إنها حروف خرساء لن تتناهى لمسامع شخص في الوجود ..
ما جدوى العقل الذي لا ينصت له سوى الورق ؛ و لا يكترث به سوى ريح تشتت أجزاءه الممزقة ؟!
إنها حتماً سياطٌ أخرى للعذاب .. سياطٌ أخرى للعذاب
هكذا .. تتساءل ياسمين و تجيب وسط تلك الأجساد التي لا تُبصر و لا تسمع و لا تشعر
إلاّ لِمَا يميلُ إليه الهوى النابع من الأنا و المتكرّس حولها ؛
و لأنّ الله جلّ في عُلاه هو ربُّ العالمين ؛ يربي خلقه بما يُصقلهم و يُصلحهم و يُقيم اعوجاجهم
و يتناسب مع ظروفهم و أحوالهم ؛ شاءت عنايته أن تستيقظ ياسمين ذات يوم و الألم يغزو عينيها
فخالت أنها حالةٌ عابرة ستمضي بمرور الوقت ؛ و لكنّ الوقت حمل معه تطورات الحالة التي لم تكن عابرة أبداً
هرعت ياسمين إلى المستشفى بعد أن تورّم نصف وجهها و اختفى جمال عينيها في كدمات تسبب بها
الفيروس الذي اجتاحهما على حين غرّة .. ..
أسرع الطبيب إليها و هو يتأمل وجهها ؛ فطأطأت رأسها حياءً ثم رفعته على السؤال الذي هزّ أركانها و أدهشها :
لِمَا عيناكِ مليئة بالحزن يا ابنتي ؟!
يجب عليك التغلب على هذا الحزن بداخلك ؛
لأن هذا النوع من الفيروسات يقوى و يشتد إذا ماكان المريض مكتئباً و حزيناً .
؛
يااااه .. كيف شعر بي هذا الطبيب ؟!
هل لا زال على وجه الأرض بشر تشعر بالآخرين ؟!
كيف أدرك كل هذا بنظرة و احدة ومن أول لقاء ؟!
ما بالهم قومي إذن لا يشعرون !؟!!؟!!
ثم أردف الطبيب ليقاطع خواطرها قائلا :
ياسمين استمري على هذا الدواء ؛ و راجعيني بعد أسبوع يا ابنتي .
؛
يومان .. و بريق الأمل الخافت يتحول إلى وهج محرق ؛ لتستيقظ ياسمين و هي لا تكاد ترى ؛
يا الله إن هذا المصل مزعج جداً يزيد الغبش على عيني ..
يا ربِّ متى تنتهي هذه الزوبعة .. أيُّ بلاء هذا الذي يداهمني من كل صوب ..
ثم أخذت تمسح عيناها ولكن دون جدوى .. ..
عادت للطبيب قبل موعد المراجعة ؛ وهو يُحدّقُ بها ألماً و يُقلّبُ كفّيه يأساً و يهزُّ رأسه عجزاً :
ياسمين لقد تأخرتِ في المجيئ ؛ و الفيروس قد تمكّن من العين و بدأ يتلفها
و كل ما استطيع تقديمه لكِ هو هذا الدواء ؛ حتى نحافظ على ما تبقّى .. راجعيني بعد اسبوع يا ابنتي
؛
كلماتٌ كالصاعقة أتت على ما تبقى من الياسمين ؛ فلم تصدق أبداً ما سمعته
ذهبت إلى أفضل المستشفيات ؛ و تنقلت بين أفضل الأطباء و كلُّهم أجمعوا على ذات العبارة .
.. و بدأ ميلاد الخوف و لحظات الإنكسار ؛ و بدأ نور البصيرة ينبثق و يرى الأمور على حقيقتها ..
يا الله .. هل سأعيش في ظلمة مطبقة ؟!
عليّ إذن أن احفظ مداخل و مخارج و ممرات البيت حتى أعرف كيف أتنقل ؛
ولكن .. كيف سأعرف كذا و كذا من الأمور ؟!
كيف سأرى وجه أمي ؟!
كيف سأشاهد هلال رمضان و شمس العيد ؛ و أشياء أخرى كثيرة ؟!
يااا رب يااا رب ابقي لي هاتان العينان و خذ أي شيئ آخر ..
هَــهْ .. مـــــــاذا ؟!! .. يا إلهي .. ..
ماذا لو فقدت أُذناي ؟!
لا .. لا .. فكيف سأسمع الأذان و انصتُ للقرآن ؟!
كيف سأسمع صوت أمي وهي تناديني ؟!
بل كيف سأصغي لتغريد العصافير و شدو البلابل و هدير البحر و حفيف الشجر ؟!
ماذا لو فقدت قدماي ؛ أو يداي ؟!
لا .. لا .. كيف سأتنقل ؟!
كيف سأتمكن من قضاء حوائجي ؟!
مَنْ سيساعد أمي ؟!
؛
هنا لم تستطع ياسمين حتى أن تبكي ؛
لأن الطبيب حذرها من البكاء و أخبرها بأنه يضرّ عينيها و يزيد حالتهما سوءاً
فغرقت بين أسئلة و إجابات لتكتشف بأنه لا يمكنها الإستغناء و لا حتى عن أحد أناملها ؛
فسبحان الذي أبدعنا وصورنا فأحسن صورنا ؛ وسبحانه القائل : ( و في أنفسكم أفلا تبصرون ) .
؛
يا رب إن الصحة و العافية و سلامة الجسد تاجٌ مضيئ ؛
و كنزٌ لا يقدر بثمن لم أكن أدرك معناه و قيمته لجهلي و جحودي
يا رب منك الداء و منك الدواء .. اشفيني و عافيني و لا تحوجني لطبيب يُداويني
أنت الشافي لدائي ؛ أنت و لا أحد و لا شيئ سواك
فكل ما سواك باطل ، و كله لا محالة زائل ، و أنت سبحانك القائل : ( و إذا مرضت فهو يشفين )
يا رب إنك ترى نفسي و لا يراها سواك
و أنت العليم بحالي و لا عليم بي سواك
فلم تعد الدنيا مُرادي و لا بضاعتي .. أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلبي ؛ فعاونّي بك عليّ
و خلصني بك من سواك .. و اخرجني بنورك من عبوديتي و ميولي لغيرك
فكل طلبٍ لغيرك خسران مبين .
؛
و على وجه اليقين بدت الحياة أكثر إشراقاً ، و أدركت ياسمين أن السعادة هي شعور خفيّ
لا يتعلّق بمادة زائلة ، و لا يتجسد في أرواح متقلبة ، و لا ينحصر بمكان ، و لا يتقيّد بزمان
فكل ذلك من بهرجة الدنيا و خداعها ؛ بل إن السعادة كل السعادة هي أن تعرف الله حقَّ معرفته
و أن تدرك نعمه عليك .
.. مضت الأيام ؛ و ياسمين لا تكف عن الدعاء و التضرع إلى الله بالأقوال و الأفعال ..
و لأنه سبحانه يُخفي رحمته في عذابه ؛ و قد كتبها في أزله لجميع خلقه ؛ عاد لياسمين بصرها و جمال عينيها
و انبهر الطبيب و اندهش من تماثلهما للشفاء و من سرعة استجابتهما للدواء ؛
ولكنه يجهل حقيقة الدواء الذي كان بفضل الله سبباً للبرء و العافية ،
وما هي إلا أيام و انتهت تلك الزوبعة بسلام
و نقشت على بتلات الياسمين اشراقات نورانية تجعلها تتحسس السعادة حتى في الحزن و الكمد ؛
لتعيش بنفس راضية وَ وجهٌ لا تفارقه الابتسامة أبداً ؛ فالحياة نعمة رغم قسوة الوجود
و في مدارات الكبد تُصقل النفس و يستقيم اعوجاجها و تُدرك الحقيقة الغائبة .
تعليق