الحمار و"هولاكو"
كنت أتفرج على جمر ينبض، بدون ماء أو حتى مضخات، يعيدني إلى ماض بعيد، وينقلني فجأة إلى مستقبل غامض، وأنا كورقة خريفية في مهب الريح، حين اقتحم حفيدي الصغير وحدتي المتقلّبة، مزهوا، مندهشا، يسألني، ويشدني من يدي، لأرى ذلك المخلوق الغريب الذي يقف على أربع أمام البيت، في رأسه حبل، وله أذنان طويلتان، وعينان واسعتان، وعنق طويل... وشعر.. وذيل...
وعندما استجبت لرغبته...وخرجت معه، فوجئت أن ذلك المخلوق... ليس إلا رفيق الصبا، وصديق العمر، فأحسست بشيء من الإحراج، لأن حفيدي الصغير لا يعرف أن ذلك الحمار..كان صديق جدّه ورفيق دربه، وهوالذي مشاها معه خطوة خطوه، وعاشها معه على الحلوة والمُرّة، وتحت سقف واحد، وكثيراما كان يقاسمه اللقمة، وحتى له فضل كبير في الحصول عليها.
ولكي أُصلح الموقف، ويدرك حفيدي حقيقة العلاقة هذه، اعتذرت من الحمار، وطلبت منه الصفح، وعدم مؤاخذة هذا الجيل..الذي استبدل أحسن الأصدقاء وأكثرهم إخلاصا وصبرا بالسيارة، وصندوق الدنيا بالتلفزيون، والعد على ألأصابع والكتابة بماء الجير والفحم... بالحاسوب!
طلبت من حفيدي أن يتقدم من الحمار..ويعتذر، وأن يضع يده على جسمه الناعم، ليتحسس النعومة غير الممكيجة، وألْفته، وإخلاصه وصبره.
وعندما تقدم حفيدي خطوة واحدة إلى الأمام، رفع الحمار يده اليمنى، وضرب بهاالأرض فرحا وسعادة بعودة أيام زمان، وفتح صفحة جديدة ، متناسيا هذا التجاهل المؤلم للحياة الطويلة المشتركة، ومتناسيا قضبان الرّمان والخراطيم المطاطية التي كنا نجلده بها...
لكن حفيدي توقف واحتج على رفع اليد اليمنى بدل اليسرى، ورفض أن يضع يده على جسم الحمار، أو الاقتراب منه، فرحت أبذل مجهودا في شرح حسن نيّة الحمار... وعدم فهمه في السياسة، وانه من العيب أن ترد يد الحمار، صاحب الفضل، خائبة.
تقدم حفيدي ، متشجعا، خطوتين إلى الأمام، ومد يده مرة أخرى للملامسة، لكن الحمار ، هذه المرة، مدّ عنقه وكاد يلامس وجه حفيدي، كأنه يريد معانقته أو تقبيله على خده.
خاف حفيدي ثانية، وتراجع إلى الوراء.
عدت من جديد أحاول أن أبين حسن نيّة الحمار، وأنه لا مجال للشك أو الريبة، فتقدم حفيدي مترددا ثلاث خطوات إلى الأمام، لكن الحمار الذي فقد صبره وحزم أمره، رفع صوته عاليا وأخذ يضرب الهواء بحوافره، وكاد أن يصيب حفيدي ويحطم رأسه لولا أنني أسرعت وأخذت حفيدي إلى الداخل، لأريه الأكثر حضارة ورقيا وامتيازا... على الشاشة الصغيرة!
لكن الشاشة الصغيرة كانت ملتهبة من التصويت على الميزانية، ولم تكشف إلّاصورة هولاكو الذي يصارع البقاء عن طريق البحث عن صوت واحد...!!
17 يناير 1998
تعليق