لم تكن لي !
كانت الكاميرا الفقيرة تحوم بتؤدة حول ملامحه ، بأسلوب مخرجي قناة الجزيرة، ونسق بلاغتهم، و قد حولوه إلي محض ممثل طيب ، يؤدي دورا في حقيقته .. التي يتنازعون كشفها ، بقشور يعرفونها من خلال كتبه و ورواياته و أشعاره ومقالاته ، خاضعة الرؤية لمؤثرات عدة ، منها ما يعرض عبر شاشة خلفية ، و ماتم تثبيته من تابلوهات ملونة ، و كلها تتجمل بصورته ، ما بين الغضب ، والنزوح إلي الفرح ، و الإصرار على رسم كبريائه بألوان القزح ؛ و كم تبهجني حد الانشراح ! معرفتي به ، لم تنأ بي بعيداخارج المشهد ، لم ترحمني ، من السقوط في دوائر المخيلة ، و الذكريات القاسية .. و أيضا الهزلية .
و لولا وشيجة ما ، تتحكم في علاقتنا ، ما كنت هنا ، و لا كان أصر أن أكون هنا ؛ لأرى ، و أحتفل به ومعه .
و لا أدري .. أهو الكيد ، أم الدونية ، أم الصدق الكامن خلف عشوائية التصرفات ، ما بين حسن و قبيح ، وصل مداه إلي التنكيل و الاغتيال !
كانت الشاشة تعرض فيلما عن اغتصاب قطعة أرض ممنوحة لمؤسسة ثقافية ، كان هو نفسه بطله الأوحد ، الذي أتى من سفره الطويل _ رغم حضوره الدائم واقعيا _ ، ليجدالقطعة محاطة باللصوص ، وكان المخرج البليد ، يعطيه زخم الحلم بإماطة الأذى ، و الدنيا كلها تنتظره ( خارج الفيديو .. على مقاعد العرض في القاعة( ليقودها في ثورة ، تحطم تلك القلاع اللصة .
كان بشعره القطني يصرخ مع لقطةالنهاية ، بينما الهمهمات تتلاقى ، و الدموع تتعاشق في الكراسي الخلفية ،لشخوص يحبونه كثيرا و جدا ، لكنهم تفاجأوا بقدرته الفائقة على اختزال معاناتهم ، و تعبهم و عذابات الرحيل، بين قسم البوليس ، و المبيت في القطعة المهدورة في ليالي الشتاء لحراستها ، دون أن ينبس بكلمة واحدة ،تحفظ و لو قليلا مما قدموا من أعمار، من قلق و عذاب و قهر ، و ما تشبعتبه أجسادهم من سياط البرد و التهديد بالسجن و القتل ، وما تعرض له مديرالمكان شخصيا من إهانة ، وصلت حد دهس وجهه بالأحذية .. وهاهو خلف البطل منتفخ الصدر و اليقين ، و البشر و السعادة يلونان وجهه مثل الطيبين في مدينتنا غير الطيبة !
فجأة كان أمامي المخرج ذاته ، بعد توسلاته لي ، و إصراره على تواجدي معه ، لإعادة شريحة الفرقة المسرحية بعد حجبها من قبل إدارة المسرح ، بسبب عروضها الفاشلة .
: جاءت أوامر بوقف البروفات !
: أي أوامر ، و هذا النوع من العروض يحتاج لجنة تقييم ، تقرر إن كانت تستمر أم لا ؟
: رفض النص الذي كتبته !
: أي نص تم رفضه .. أنت تكذب !
: سافر أنت بنفسك إن كنت تكذبني؛ و على كل حال لن أتوقف ، اخترت نصا بديلا ، و اتفقت معهم على العمل ..المشكلة كانت عودة الشريحة ، و قد عادت ، لا يهم إن كان نصا لك أم كان لغيرك !
: تعلم أن النص أرهقني كثيرا ، و تعلم أيضا أنه كان حلمك الكبير الذي تبنيته ، و آمنت به ، و كم كابدت من مواقف لأجله
كان يتحرك بطيئا ، حتى أصبح ما بيني و بينه يسمح بصرخة و بصقة كبيرة .
نظرت إليهما، و إلي أعضاء الفرقة المتناثرين في حزن مبلل ، ثم انسحبت
ضاحكا باكيا ، باكيا ضاحكا ، و قد انتهكت جسدي غيلان ، من كل اتجاه ، تنهش ، و تفتح أنهارا للدم ، و قبورا للأحلام الخضراء !
كان أيضا عائدا من سفره الطويل ، حين طلب مني المخرج الصديق أن أهاتفه فورا ؛ ليكون معنا شاعرا للعرض الذي تتم بروفاته على قدم و ساق ، بعد أن سافر النص لإدارة المسرح بالعجوزة ، وتمت طباعته للفرقة بحسب عدد الشخصيات الرئيسية !
غير أن صوت المغنى كسر خاطري ، صلبني على جذوع الكلمات : أحلف بسماها و بترابها ..
أحلف ...............
أحلف بالمدنه و بالمدفع ........................
و رغما .. تشهر ورقة في كتيب أنيق : أليس هذا ، ما قالوا أنه رفض ، و حلفوا على تلك الكذبة الأيمان الغليظة ، مجاز و أمامه توقيعات اللجنة ؟
و المغنى بفرح : بولادي .. في أيامي الجايه
ما تغيب الشمس العربية
طول ما أنا عايش فوق الدنيا !
نال مني البكاء ، و الألم ينزف عاصرا روحي ؛ و أظنه لن يتوقف حتى الشهقة الأخيرة ، في حياة لم تكن لي !
لم يكن كابوسا ذاك الذي زارني تلك الليلة ، حين عانقته ، ورفعته على كتفي ، برغم نحافة هيكلي ، و عظامي النخرة ، و جموع من خلفنا ، كنت أرى شخوصهم واحدا واحدا ، كضحايا .. أعداء و أصدقاء ، بل رأيته هو نفسه بينهم يردد معهم ، في هتافات مزق حروفها الضباب ، و غيبها تماما ، بيد أني صحوت مرتبكا ، و ابتسامة ضالة رأتها زوجتي بالقرب مني تبحث عني!
تعليق