لم تكن لي حيلة في الجلوس بأحد المقاعد الخلفية، حيث كان يستلقي كهل احتل جزءا كبيرا من الكرسي المتبقي، جلست بصعوبة فائقة و أنا أتأفف منه.
-عندك حق.
-نعم يا أستاذ؟
-كراسي ضيقة مثل هذه لا تصلح إلا للتلاميذ من الطور الابتدائي.
-الضيق في القلوب.
و كأنه فهم من كلامي أنه المقصود من تأففي و نظرتي الحادة التي كنت أرشق بها كامل الحضور في الحافلة. فلاذ بالصمت و أشاح بوجهه نحو زجاج النافذة؛ تاركا لي بعض مساحة إضافية تتيح لي بعض الراحة في الجلوس. رغم ذلك كانت ركبتي خارج المقعد.
لم يطل الوقت حتى امتلأت الحافلة تماما و اكتظت بالركاب. الفوضى كانت السمة البارزة في المشهد. كم هائل من المساعدات المجانية للشيوخ و العجائز، الكثير من الشباب تنازل عن كراسيه لهم. و الصراخ يتعالى: هيا لينا، و بعضهم يسخر من الحافلة و من هيكلها المتداعي، أمامي يداعب شيخ الإسفنج الخارج الجلد الممزق للمقاعد.
في هذه الفوضى، شقت فتاة ممشوقة القوام مع زميلاتها رواق الحافلة؛ و هي تتدافع وسط الركاب حتى كانت محطتها عندي، و بالأصح عند فخذي تماما، أزحت رجلي اليمنى قليلا لأتيح لها فسحة كافية للوقوف و الاستناد للكرسي، فأمامنا رحلة طويلة نوعا ما، 27 كلم تبدو مرهقة في زمن الصيف، فيكفي أنك تنزل مبللا من العرق و بعضهم يتعرض للالتهاب في فخذية جراء العرق و الاحتكاك المنجر من كثرة التحرك للحصول على بعض الراحة المنعدمة في حافلات الوطن.
بدأت أستعيد صفاء ذهني و رحت أصمم حديثا يليق بأستاذي الذي تولى تأطيري لشهادة الدكتوراه، تلك الدرجة العلمية التي لن تكون ذات فائدة في خضم الحياة و عما سأواجهه مستقبلا، كيف لا و شهادة الماجستير تشبه ورقة صممت من طرف الباعة لاحتواء حفنة كاكاو.
طوال ثلاث سنوات لم أزر الجامعة إلا للتسجيل، في آخر مرة طلبت يومها من أستاذي أن يقوم بتوفير مادة الإيزوبروبوكسيد لأقوم بتجاربي العلمية المتعلقة بالرقاقات الشمسية. رغم أنه لم يكن يعنيه إلا تسجيلي سنة أخرى ليستفيد من منحة التأطير، لم تتوفر المادة بعد و الدكتوراه أصبحت في مكب الهاويةأثناء تذكر تلك المحادثة بدأ رأسي يغلي و بعض الحرارة و الدفء تتسرب نحو فخذي، انتبهت للفتاة و هي تتلمس كيف ترمي بجسدها على رجلي، بطريقة جد خبيثة، فحين تنوي التحدث لزميلاتها تقترب منهم و بعدها تلقي بالنار علي، تلك الومضات الغرائزية جعلتني أرتجف قليلا. لن أصف حجم الصراع الذي انتابني عن مدى متعتي أو اشمئزازي.
همس الذي يحتل بقعتي من الكرسي في أذني:
-بصحتك.
-ماذا تعني؟
-واش؟ هذا الزين الكل مرمي عندك و تقولي ما فهمتش.1
-أيمكنك أن تتنحى نحو النافذة قليلا لأبتعد عنها؟
-يستحي ...مسكين... و أطلق ضحكة متهكمة علي ثم مازحني: أنستبدل الأماكن سيدي.
لوحت برأسي مستغربا قائلا : لا حول و لا قوة إلا بالله.
أشرت للفتاة أن أريد لها أن تبتعد عني، اعتذرت قائلة: واقيلا ديرونجيت-2
ارتحت قليلا و نعمت ببعض الراحة من الجانبين الجسدي و الروحي، رغم ما كان ينتابني من تفكير حول ما سأواجهه عندما أقابل الأستاذ في الجامعة.
-أنت لست جديا بخصوص تخرجك.
-و لكن لا يتوفر عندي المحلول لمتابعة البحث، هذا إضافة إلى كم المسؤوليات المنزلية.
-أعرف ما تعانيه و لكنه ليس عذرا لتأخر بحثك.
-في الحقيقة استشرت بعض المخابر عن المحلول و قد تمت مساعدتي و لكن المساعدة تأتي بعد 6 اشهر و تحت مصروفي الخاص. و سيتم اشتراءه من الخارج من أحد المخابر المنتجة خصيصا لي.
-كما تريد و لكن أسرع.
رغم محاولتي إثارة موضوع النقود ليحاول مساعدتي و لو بنصف الثمن، لكن ذلك لم يكن ليجدي؛ فهو نفسه يراني صندوقا و أجرة شهرية يتقاضاها جراء متابعتي المزيفة. رغم أن غالبية المتخرجين يعانون من نقص في التأطير.
أتذكر صديقي يوم أتاني شاكيا:
-هل هذه جامعة حقا و بؤرة نور؟
-و هل ترى غير ذلك.
-إنها بؤرة اللصوص ياسين، صدقني..
-أعتقد أنك تهذي.
-لا لا، أتصدق أن الأستاذ المؤطر استولى على بحثي و نشره في مجلة عالمية باسمه و اسم مساعده.
-و لكنك أنت من تعب عليه وحده.
-أتعرف أنهم أضافوا اسمي و كأنني نكرة و هم بذلك يعتقدون أنهم يتصدقون علي.
حملت نفسي المتآكلة نحو البيت أعدها ليوم متعب من العمل في مصنع الألمنيوم. ذلك المكان حيث تم تهميشي و تقديم مهندس آخر لا لشيء فقط لأنه نسيب لصاحب المعمل. هذا و الأجرة زهيدة لا تكفي حتى لسد رمق الجوع.
كنت أمشط زقاق الحي و أنا أدحرج علبة طماطم مرمية، لا أعرف لما هي بالذات وقعت أمامي و كأنها أتت لتقاسمني همومي. هناك استقبلني أولادي و هم يجرون نحوي بخطى بريئة، و زوجتي عند الباب تحضر ابتسامة عودتني بها لتزيح عني بعض ما تتوقعه من تلك الزيارة. ثم حرضت الأولاد على مشاغبتي و اللعب معي. فربما أتناسى و لو للحظات بعض متاعب الدنيا..
1: كل هذا الجمال مرمي عندك و تدعي أنك لم تفهم.
2- أعتقد أنني أزعجتك.
هي أحد اليوميات التي لم أستطع إلا أن أكتبها هكذا.
-عندك حق.
-نعم يا أستاذ؟
-كراسي ضيقة مثل هذه لا تصلح إلا للتلاميذ من الطور الابتدائي.
-الضيق في القلوب.
و كأنه فهم من كلامي أنه المقصود من تأففي و نظرتي الحادة التي كنت أرشق بها كامل الحضور في الحافلة. فلاذ بالصمت و أشاح بوجهه نحو زجاج النافذة؛ تاركا لي بعض مساحة إضافية تتيح لي بعض الراحة في الجلوس. رغم ذلك كانت ركبتي خارج المقعد.
لم يطل الوقت حتى امتلأت الحافلة تماما و اكتظت بالركاب. الفوضى كانت السمة البارزة في المشهد. كم هائل من المساعدات المجانية للشيوخ و العجائز، الكثير من الشباب تنازل عن كراسيه لهم. و الصراخ يتعالى: هيا لينا، و بعضهم يسخر من الحافلة و من هيكلها المتداعي، أمامي يداعب شيخ الإسفنج الخارج الجلد الممزق للمقاعد.
في هذه الفوضى، شقت فتاة ممشوقة القوام مع زميلاتها رواق الحافلة؛ و هي تتدافع وسط الركاب حتى كانت محطتها عندي، و بالأصح عند فخذي تماما، أزحت رجلي اليمنى قليلا لأتيح لها فسحة كافية للوقوف و الاستناد للكرسي، فأمامنا رحلة طويلة نوعا ما، 27 كلم تبدو مرهقة في زمن الصيف، فيكفي أنك تنزل مبللا من العرق و بعضهم يتعرض للالتهاب في فخذية جراء العرق و الاحتكاك المنجر من كثرة التحرك للحصول على بعض الراحة المنعدمة في حافلات الوطن.
بدأت أستعيد صفاء ذهني و رحت أصمم حديثا يليق بأستاذي الذي تولى تأطيري لشهادة الدكتوراه، تلك الدرجة العلمية التي لن تكون ذات فائدة في خضم الحياة و عما سأواجهه مستقبلا، كيف لا و شهادة الماجستير تشبه ورقة صممت من طرف الباعة لاحتواء حفنة كاكاو.
طوال ثلاث سنوات لم أزر الجامعة إلا للتسجيل، في آخر مرة طلبت يومها من أستاذي أن يقوم بتوفير مادة الإيزوبروبوكسيد لأقوم بتجاربي العلمية المتعلقة بالرقاقات الشمسية. رغم أنه لم يكن يعنيه إلا تسجيلي سنة أخرى ليستفيد من منحة التأطير، لم تتوفر المادة بعد و الدكتوراه أصبحت في مكب الهاويةأثناء تذكر تلك المحادثة بدأ رأسي يغلي و بعض الحرارة و الدفء تتسرب نحو فخذي، انتبهت للفتاة و هي تتلمس كيف ترمي بجسدها على رجلي، بطريقة جد خبيثة، فحين تنوي التحدث لزميلاتها تقترب منهم و بعدها تلقي بالنار علي، تلك الومضات الغرائزية جعلتني أرتجف قليلا. لن أصف حجم الصراع الذي انتابني عن مدى متعتي أو اشمئزازي.
همس الذي يحتل بقعتي من الكرسي في أذني:
-بصحتك.
-ماذا تعني؟
-واش؟ هذا الزين الكل مرمي عندك و تقولي ما فهمتش.1
-أيمكنك أن تتنحى نحو النافذة قليلا لأبتعد عنها؟
-يستحي ...مسكين... و أطلق ضحكة متهكمة علي ثم مازحني: أنستبدل الأماكن سيدي.
لوحت برأسي مستغربا قائلا : لا حول و لا قوة إلا بالله.
أشرت للفتاة أن أريد لها أن تبتعد عني، اعتذرت قائلة: واقيلا ديرونجيت-2
ارتحت قليلا و نعمت ببعض الراحة من الجانبين الجسدي و الروحي، رغم ما كان ينتابني من تفكير حول ما سأواجهه عندما أقابل الأستاذ في الجامعة.
-أنت لست جديا بخصوص تخرجك.
-و لكن لا يتوفر عندي المحلول لمتابعة البحث، هذا إضافة إلى كم المسؤوليات المنزلية.
-أعرف ما تعانيه و لكنه ليس عذرا لتأخر بحثك.
-في الحقيقة استشرت بعض المخابر عن المحلول و قد تمت مساعدتي و لكن المساعدة تأتي بعد 6 اشهر و تحت مصروفي الخاص. و سيتم اشتراءه من الخارج من أحد المخابر المنتجة خصيصا لي.
-كما تريد و لكن أسرع.
رغم محاولتي إثارة موضوع النقود ليحاول مساعدتي و لو بنصف الثمن، لكن ذلك لم يكن ليجدي؛ فهو نفسه يراني صندوقا و أجرة شهرية يتقاضاها جراء متابعتي المزيفة. رغم أن غالبية المتخرجين يعانون من نقص في التأطير.
أتذكر صديقي يوم أتاني شاكيا:
-هل هذه جامعة حقا و بؤرة نور؟
-و هل ترى غير ذلك.
-إنها بؤرة اللصوص ياسين، صدقني..
-أعتقد أنك تهذي.
-لا لا، أتصدق أن الأستاذ المؤطر استولى على بحثي و نشره في مجلة عالمية باسمه و اسم مساعده.
-و لكنك أنت من تعب عليه وحده.
-أتعرف أنهم أضافوا اسمي و كأنني نكرة و هم بذلك يعتقدون أنهم يتصدقون علي.
حملت نفسي المتآكلة نحو البيت أعدها ليوم متعب من العمل في مصنع الألمنيوم. ذلك المكان حيث تم تهميشي و تقديم مهندس آخر لا لشيء فقط لأنه نسيب لصاحب المعمل. هذا و الأجرة زهيدة لا تكفي حتى لسد رمق الجوع.
كنت أمشط زقاق الحي و أنا أدحرج علبة طماطم مرمية، لا أعرف لما هي بالذات وقعت أمامي و كأنها أتت لتقاسمني همومي. هناك استقبلني أولادي و هم يجرون نحوي بخطى بريئة، و زوجتي عند الباب تحضر ابتسامة عودتني بها لتزيح عني بعض ما تتوقعه من تلك الزيارة. ثم حرضت الأولاد على مشاغبتي و اللعب معي. فربما أتناسى و لو للحظات بعض متاعب الدنيا..
1: كل هذا الجمال مرمي عندك و تدعي أنك لم تفهم.
2- أعتقد أنني أزعجتك.
هي أحد اليوميات التي لم أستطع إلا أن أكتبها هكذا.
تعليق