أخذ يفكر بصوت عال ، يتساءل : هل التغيير ضروري وحتمي ؟ أليس كلنا نقترف أخطاءً رهيبة ؟
لا تعاقب نفسك وتظن أنك كنت قادراً على تغيير ما حدث ، الفرص الأخيرة لا تأتي دوما متأخرة .
كف عن إثارة القلق ، مازال هناك أمل .
شرب قهوته التي غالباً ما تعاند حظه وانطلق في صباح غير عادي ، يمر في شوارع حيه القديم ، الحيطان مكفهرة وقد ملأتها عبارات مضطهدة هي الأخرى ، أبواب المنازل صامتة كأنها تنزف على غياب أهلها والياسمين استحى أن يسترق النظر كعادته ليرى الأطفال يلعبون .
المحاماة مهنة سيئة هذه الأيام ، جل القضايا تافهة ولا تحتاج إلى قضاة أو محامين ، فقط إلى كلمة شرف وبعض وفاء ، بات الدفاع عن الأبرياء أصعب من الدفاع عن المذنبين .
كعادتها المحكمة تعج بمئات من المراجعين والمحامين والقضاة ورجال الشرطة والسماسرة والمرتشين ، يمكنك أن تخمّن ما يدور بين تجمع هنا ومجموعة هناك ، بازار حقيقي على أسعار القضايا يشارك فيها الجميع ولكل قضية سعر ومخرج ، بعض القضايا قد تنام لسنوات ولا حرج في أن تضيع أو يضيع بعض محتواها .
ابتسم وهو يرى أبو سمير يتقدم نحوه ويعطيه بعض الأوراق قائلاً : أهلاً استاذ هائل ... كنت سآخذهم إلى مكتبك لو تأخرت .
_ الله يقويك يا أبا سمير ... عندي شغل كثير .
تفحص الأوراق قليلاً وابتسم ثم ناوله مبلغاً من المال . شكره أبو سمير وهو يتفحص النقود : والله يا أستاذ فلوسك فيها بركة . ضكحا معاً وغادر كل منهما في اتجاه .
مر من أمام غرفة قاضي الاستئناف فوجده يتكلم بالهاتف غارقاً في دنيا أخرى رغم الضجيج الهائل في أروقة المحكمة والبهو المقابل لمكتبه ، أحب للحظة أن يقتحم مكتبه ويضع أوراقه أمامه ساخراً منه : يا عيب الشوم ... توقعتك أغلى من السعر الذي دفعته لأبا سمير . لم يلحظه القاضي ولم يلحظ الشرر الذي كان يتطاير من عينيه فقد كان منهمك في عقد صفقة أخرى .
مضت ثلاث سنوات أحرقت فيها المحكمة بما فيها من قضايا وملفات ، شباب منتشون ملثمون أحرقوها وهم يرفعون رايات سوداء ويهتفون : الله أكبر ... الله أكبر ... الله أكبر
صعدا إلى حافلة عامة ستقلهما إلى تجمع للنازحين ، لم يعرف أحدهما الآخر ، وبعد مسير الحافلة بقليل انتبه هائل إلى الشخص الذي يجاوره في المقعد فصعق عندما رأى القاضي في غرفة الاستئناف ، وقف وصرخ بسائق الحافلة : انزلني هنا لو سمحت . استغرب الجميع تصرفه ، أوقف السائق الحافلة إلى جانب الطريق متسائلاً : خير يا أستاذ ؟؟ هل غيرت رأيك ؟
حمل حقيبته ووقف إلى جانب السائق مشيراً نحو القاضي قائلاً : أنصحكم بارتداء كمامات فذاك الرجل رائحته نتنة للغاية ولن أرافقه حتى لو إلى جهنم .
تعليق