بحديقة عمها الندى إستيقظت لتوها من ليل طويل جلس تاركا أمواجا ريحية تداعب خصلات شعره, أطياف المكان تتواصل في ما بينها بعفوية إستسلم لسحر المكان لا ضجيج..لا بشر..لا شيء يعكر صفو باله. فتح دفتي طلاسم القباني الشيطانية و شرع بقراءتها بصوت لا يكاد يسمع منتقلا بين بيوت بالكاد يعرفها, فقد عاش بكل منها يوما من حياته بالأمس القريب. تجاويف الذاكرة التي لم يزرها النسيان إعتراها الصمت منبهرة بسحر كلمات لغة الضاد, متجاوزة جغرافية المكان متنفسة هواء وهران وبغداد.
سمح بأن يسمي نفسه كاتبا بكل ثقة و إفتخار رغم انه لم يحمل القلم يوما و لم يختبر مخاض الكتابة ,إلا أنه كان واثقا من قدرته على كتابة آلاف الروايات و الدواوين التي تجلس و حيدة بذاكرته و لا تنتظر إلا أن تخرج لفضاء أوسع و أرحب يكتنسه البياض و الصمت و النظرات الباردة التي لا تحمل أدنى تعبير أو إحساس.
أحب تسمية نفسه كاتبا ,و ما زال يفعل و هذا ما هو مقتنع به الآن و هو جالس بالحديقة يقرأ سطورا لشاعر المرأة, واضعا نظارات سميكة من مثيل التي يضعها محفوظ .
القلم لا يفارق أصابعه دون أن يستعمله إلا في تدوينه لملاحظات حول كتب, وجد نفسه جديرا بنقذها.
يحضر معارض الكتب و محاضرات حول الكتابة و واقع القراءة يشاهد الندوات على جهاز التلفاز, و ينصت لمقابلات مع أقلام عربية و أجنبية على المذياع ,يفعله كل ما يفعل الكتاب و كيف له ألا يفعل و قد صار منهم كما يعتقد .
صالون حلاقته المتواضع الكائن بحي شعبي حوله لصالون أدبي يرتاده لجانب الزبائن كتاب و مهتمون بالشأن الثقافي, يستمتعون بتبادل اللأراء في ما بينهم تحت وقع نغمات فيروز و رائحة الشاي المنعنع السائرة بصمت بين الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة .
ذلك المساء في حوالي الساعة الخامسة إلا ربع إقتحم عزلتهم رجل أربعيني مع شعر طويل و لحية سوداء كثيفة لا تبدي عن تدين, وضع نظاراته الشمسية فوق المنضدة و طلب منه حلق شعر رأسه بالكامل مخرجا كومة أوراق يبدو أنها أخذت منه وقتا لكتابتها صارخا بأعلى صوته :
- لقد فعلتها ,قتلت الكل.
تعليق