بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي ربيع عقب الباب
أعلم أن مقامك أكبر من هذا النص المتواضع
ولكن هذا ما استطاع قلمي أن يجود به
وإن كان مقامك في القلب بحجم الكون الكبير
أستاذي ربيع عقب الباب
أعلم أن مقامك أكبر من هذا النص المتواضع
ولكن هذا ما استطاع قلمي أن يجود به
وإن كان مقامك في القلب بحجم الكون الكبير
صح
======
تغير وجهها، واكتست ملامحه بالحزن، لاحت أمام عينيها صورة الشيخ خليل، فتبرمت وقالت بضيق: هو السبب. الله يسامحه!
****
طوحت شالها الأسود على رأسها، ونهضت مسرعة، وهي تغمغم: هو إيه اللي جرى؟!.
فتحت الباب، تفاجأت بالشيخ خليل، أحست بالخجل، غطت فمها بالشال، وقالت بصوت منخفض لا يكاد يسمع: اتفضل يا مولانا.
رج الشيخ جسده الممتلئ، وشد الحزام على بطنه المنتفخ كامرأة حبلى في أيامها الأخيرة: شكرا! سألها بصوته الأجش: عويضه موجود؟ أجابته: لا. كأنه كان يعرف الإجابة، ولكنه يريد أن يثبت حالة، رفع عصاه عاليا، واستدار حول نفسه دائرة كاملة، وهو يقول: طيب. قولي له الشيخ خليل في انتظارك في الجامع بعد صلاة المغرب.
زمّت شفتيها، وحدثت نفسها بخوف وهي تغلق الباب خلفه: خير اللهم اجعله خير! دارت في رأسها كل الأفكار السيئة، وأخذت تذهب وتجيء. تجلس تارة في الصالة، وتدخل تارة أخرى إلى الحجرة الوحيدة، وهي تقول بقلق شديد: يا ترى عملت أيه يا عويضه؟! نادت أولادها الثلاثة. سألتهم: حد فيكم عارف أبوكم عمل أيه؟! نظروا إليها باستغراب، ولم ينطقوا، وانطلقوا بعدها خارج الدار، يواصلون لعبهم، فيما ظلت هي حائرة.
انكمشت في نفسها كسلحفاة داخل جلدها، أخذت تفكر في زوجها. زوجها مسكين يعمل أجريا على باب الله. يعمل في كل شيء. تارة يعمل في أرض غيره باليومية، وتارة يرفع الطوب والرمل خلف البنائين، يحملها فوق أكتافه، ويصعد بها إلى الأسطح العالية حتى تنقطع أنفاسه، يهدم جدارا أو يحفر أرضا صلبة. لا يترك عملا يأتيه بلقمة عيش إلا ويعمل فيه. يخرج من بعد صلاة الفجر، ولا يعود إلا قرب المغرب. يعود مهدودا، يجلس معها ومع الأولاد قليلا، بالكاد يضع اللقمة في فمه، ثم يغطّ في نوم ثقيل حتى يولد فجر اليوم الجديد. لا تتذكر أنه يوما أخذ راحة. شعرت بغصة في حلقها حينما تذكرت قوله ذات ليلة، حين حدق فيها بعينين لامعتين من الأسى، وهمس فيها بحزن: (ألا هو نأكل منين لو الواحد تعب يومين!)
كان ما يدبره من عمله، وما تدبره هي من بيع قوالب الجبن والطيور، بالكاد يكفي لأكلهم وشربهم وملبسهم، وبالكاد يبقى مبلغ ضئيل يدخرونه كما تقول له دوما للزمن.
برزت في رأسها آخر مشاجرة بينهما كداومة كادت تقلب حياتهما كدرا، حين قال لها مباغتا: (عايز أشتري تلفزيون بالقرشين اللي محوشينهم.). تخيلت في بادئ الأمر أنه يمازحها ويداعبها كما اعتاد معها. غير أن نبرة صوته الجادة جعلتها تنظر إليه بتوجس. عاد جملته؛ فرمقته بغضب وضيق، وتركته وانصرفت. ذهب خلفها، وأمسكها من ذراعها، قال لها مبتسما محاولا تلطيف الأجواء بينهما: (نفسي أتفرج على المسلسل زي الواد حسنين.) ردت عليه بصرامة وحدة: (هو أنت بتلاقي الفلوس في الأرض. ولادنا أولى بيهم.) أجلسها، وجلس في مواجهتها، وطفق ينظر إلى عينيها السوداوين، لامس أنفها الرفيع، ومسك أرنبته بين أصبعيه بحركة تضحكها، قال بصوت هادئ محاولا إقناعها: (ما هم برضه الولاد نفسهم يتفرجوا على التلفزيون زي بقية العيال.) اعترضت على كلامه، أدارت وجهها الناحية الأخرى، قالت بصوت أكثر حدة، وكأنها تنهي الجدال الدائر بينهما: (خلي القرشين ينفعونا لوقت زنقة.) فلما لم يجد معها مخرجا، رضخ قائلا، وهو يهز رأسه: (ما هو أن ما قدرش عليك.) ضحكا ببراءة وصفاء بعدها سويا، وبديا كحمامتين يتبادلان الغزل.
استيقظت من أفكارها تعلو شفتيها ابتسامة خفيفة، وقالت محدثة نفسها: طول عمره حنين وأصيل عويضة! لكن السؤال عاد إليها كمطرقة تضرب فوق رأسها: يا ترى عملت إيه يا عويضة؟! وضعت يدها على خدها وشهقت من أعماقها وهي تقول: (مؤكد عمل حاجة كبيرة. ما هو الشيخ خليل ما يجيش بنفسه إلا لو كان عمل حاجة كبيرة.)
اشتعلت نيران القلق في صدرها، وظل عقلها أسيرا للحيرة، ولم تفلت منها إلا حينما رأت عويضة يدخل من الباب، انطلقت نحوه كرصاصة، بادرته دون انتظار: (هو أنت عملت إيه يا عويضة؟!) تبدل وجهه الضاحك، حدق فيها مبهوتا، ثم سألها: (عملت إيه في إيه يا وليه!) قصت عليه ما دار بينها وبين الشيخ خليل، استولى عليه الخوف والقلق، شعر بنفسه كطائر ذبيح، وأخذ يفكر: (أنا ما عملتش حاجة. يا ترى عايز أيه مني الشيخ؟)
داهم السؤال رأسه، ولم يهدأ له بال حتى سمع أذان المغرب، ارتدى على الفور جلبابه الصوف الأسود، وتلفع (بكشميره) الرصاصي اللون، أطلق ساقيه للريح كحصان شارد، ولم يأخذ نفسه إلا عند المسجد. توضأ ودخل خلف الشيخ في الصلاة، وعقلة يتأرجح كبندول يفكر في الشيخ. لا يعرف كم صلى وماذا قرأ، لكنه ما كاد يسمع الشيخ يسلم وينهي الصلاة، حتى ألقى بجسده بجوار الشيخ.
تطلع إلى الشيخ بخوف وشغف ينتظر منه ماذا سيقول. تابعه وهو يتفحص الحاضرين بنظرة شاملة، وكأنما يحصيهم فردا فردا، وحين تأكد من وجود كل من طرق بابهم، قال الشيخ مثبتا العدد: (كله موجود.) ردوا عليه بصوت واحد: (أيوه.)
خطب الشيخ بعد ذلك قليلا عن فعل الخير وثوابه، وجزاء الحسنة بعشرة أمثالها، همس أحد الحاضرين في الذي يجلس بجواره: (هو ليه مش عايز يدخل في الموضوع على طول.) كأنما سمعه الشيخ، فرمقه بنظرة حادة، وقال: (ندخل في الموضوع يا جمعه.)
تربع الشيخ في جلسته، ودار ببصره بين الوجوه المتطلعة إليه بتحفز: (جاركم إبراهيم صميدة محتاج عملية.) ران الصمت على الجميع، فتابع الشيخ، وهو يدعك بيديه على فخذيه: (والعملية محتاجة فلوس كتير.) ودون أن يمهلهم فرصة للتفكير أو التعليق، أضاف بسرعة، وبصوت رنان حازم:( وكل واحد يدفع اللي يقدر عليه.)
تطلعوا في وجوههم البعض، ودارت بينهم همسات، وكأنما يريدون أن يقولوا للشيخ: (العين بصيرة واليد قصيرة.) لكن نبرة صوته التي ارتفعت فجأة جعلتهم ينتبهون إليه: (وكل واحد يحط نفسه مطرحه.) ثم وجه بصره نحو عويضه، الذي ظل فمه فاغرا، وقال له: (ولا إيه يا عويضه.) رد عليه عويضه دون تردد: (صحيح. معاك حق!) سأله الشيخ بصوت منخفض، وقد مال ناحيته، وكأنما لا يريد أن يسمعه أحد غيرهما: (وأنت معاك فلوس يا عويضه.)
شعر عويضة بنفسه كطائر مبتل الجناحين يعجز عن الطيران، ولاحت له صورة الشيخ، وهو يردد في خطبة سابقة مكررا: (الكذاب بيروح النار.) وتذكر أنه لم يكذب في حياته أبدا. وتبدت له صورة زوجته هنية، فحدثها معاتبا: (قلت لك نشتري بيهم تلفزيون.) لكزه الشيخ في ركبته، فانتفض جسده، وأجابه متلعثما وهو يبتلع ريقه بصعوبة كثعبان ابتلع صيدا ثمينا: (معاي يا مولاي قرشين كنت..) تهته قليلا، ثم غير حديثه قائلا: (أجيبهم يا مولاي.. إبراهيم صميدة أولى بيهم، وأهو كله ثواب.) قالها ولا يدري إن كان سعيدا أو حزينا. كل ما يعرفه أنه وجد نفسه، ينهض دون كلمة، تحرك كجثة هامدة حتى دخل داره.
*****
خرج عويضه من صمته، وصرخ فيها: (قلت لك نشتري بيهم تلفزيون!) نظرت إليه كالبلهاء لا تعرف ما الذي يقصده، تابع وهو يلوح بيديه في الهواء: (أهو الشيخ عايز القرشين اللي محوشينهم؛ علشان إبراهيم صميدة العيان.)
تذكرت هنية حالة إبراهيم صميدة المزرية، ووجهه الأصفر الممتقع كثمرة ليمون تالفة، وجسده الذي تآكلت ضخامته حتى صار كهيكل عظمي، حين زارته منذ يومين، وحالة زوجته التي تضاءل جسدها، وذهبت نضرته من كثرة البكاء عليه.
نكست زوجته هنية وجهها إلى الأرض ولم تنطق، فيما مشى عويضه ناحية حصيرة من الحلف، وجلس عليها واجما، فرد ساقيه، ووضع يديه على رأسه، نظر إلى الأرض بحزن وانكسار.
صمت برهة، ثم زفر بقوة، وقال بصوت يملأه الحزن، وهو يرنو إلى وجه هنية القمحي: (ما هو أنا ماكنتش أعرف أكذب.) اقتربت منه بثوبها الأخضر الواسع المزركش بورود صفراء، ووضعت يدها على كتفه، وقالت له مواسية: (برضه أنت عملت الصح!)
أزاح يدها من على كتفه، وقال معاتبا وهو يشيح بيديه في الهواء: (أيوه.. بس أنت برضه السبب!) ابتعدت عنه قليلا، فتمتم بغضب في نفسه كأنه يلومها: (كان واجب مسمعش كلامها.)
زرّ عويضه عينيه في سقف البيت المسقوف بالجريد وعروق الخشب، وقال دون أن يوجه نظره نحوها: (روحي أعملي كباية شاي.)
استدارت واتجهت صوب المطبخ الضيق المبني من الطوب الأبيض الجيري، وهي تحدث نفسها، وتلومها.
أمسك عويضة عودا وأخذ يخط به على الأرض لفترة قصيرة، ثم همس بعدها في نفسه: (أنا عملت الصح، وبرضه ماكنتش أعرف أكذب.) أحس أنه أخطأ في حق زوجته، وأنبّ نفسه بشدة قائلا: (ما كنش يصح أعمل معاها كده.) ثم علت شفتيه ابتسامة، وتابع مع نفسه: (ومؤكد أنا اللي عملته الصح.) وقف مسرعا متجها نحوها في المطبخ، وهو يقول بفرحة شديدة كطفل يندفع نخو حضن أمه: (أنا لازم اعتذر لها، وأقولها أحنا عملنا الصح!)
قنا في 10/1/2014
تعليق