جاء في تمهيد رواية "حدث أبو هريرة قال" قول محمودالمسعدي :
"اعلم أنه ليس في نظري أطرف من جدة القديم ...ولعله ليس شأن الكاتب الجدة والطرافة وإنما أن يفترق على يده الجوهر عن العرض العارض."
يكشف المسعدي بهذا الرأي عن توجه فكري واختيار أدبي مبنيين على رؤية مخصوصة للأدب في مضامينه وأساليبه ومراميه .
فكيف يمكن الجمع بين التجديد والتقليد في آن واحد ؟بل كيف يتسنى التجديد في صلب التقليد ؟ وهل بإمكان القدامة أن تكون مطواعا لمتطلبات الحداثة بهذه السهولة التي يدعيها المسعدي؟
قد يبدو من الوهلة الأولى أن القضية هي أساسا قضية إحياء للتراث إلا أن أمر الإحياء لا يعني بالضرورة الجدة والمواكبة لمتطلبات الحداثة، فهناك فرق واضح بين هذا المنحى ومسألة المعايشة بين توجهين.
وعنوان الكتاب في حد ذاته يحيل على هذا التصور .
فالصيغة المذكورة :"حدث أبو هريرة قال " مأثورة في المدونة العربية والإسلامية معا وقد نهج هذا المنهجَ الكثيرُ من مؤرخي الأدب والفقه ومن رواة النوادر والأخبار والخرافات والحكايات .
وحتى اسم الراوي مستأنس في الأذن العربية مادام الأمر مرتبطا بالصحابي الجليل المعروف.
بعدان هامان يثيرهما العنوان في الذهن :
* بعدا يطال الخبر في ذاته وصيغة روايته في شكل أحاديث
* وبعدا ثانيا يمس الدين وما يتصل بطبيعة الراوي الذي يتوفر على قدر معين من الثقة في ما ينقل إلى الناس.
فبماذا يمكن أن يحدّث أبو هريرة ـ رجل التاريخ والتراث ـ في كتاب من تأليف المسعدي الأديب من القرن العشرين؟
وهل بقي لأبي هريرة شيء لم يحدّث به وعنه، حتى يحييه المسعدي بعد قرون من مماته ليتدارك سهوه؟
وهل معنى هذا أن هناك ما يستوجب التدارك على النقص الذي تركه أبو هريرة الصحابي؟
لعل المسعدي أدرك هذا الأمر فأسرع بالاستدراك قائلا بأن أبا هريرة هو غير أبي هريرة الصحابي المعروف وغير أبي هريرة النحوي الذي قد لا يكون الكثيرون سمعوا عنه :
"في رواية أن أبا هريرة ثلاثة: أولهم الصحابي وثانيهم النحوي وثالثهم هذا." (من التمهيد ص13 ط 73).
فمن هذا المشار إليه ؟
لقد خرج المسعدي ببطله من الماضويّة إلى الحداثتية ، واسم الإشارة للقريب "هذا" دليل على أن الشخصية أقرب من أن نذهب بها إلى أباعد الأزمنة.
ولاشك أن التأمل في مسيرة أبي هريرة هو الكفيل بفك رموز اسم الإشارة هذا.
فكل الرحلة تتحرك في إطار تلفُّه بداوة التاريخ برِمال الصحاري وخيام الرحّل وصعلكة قطاع الطرق، وينشط فيه فكر العبودية ابتداء من ريحانة السبيّة إلى غلمان أبي هريرة.
فالزمان حقبة زمنية تعود بنا إلى إنسان آخر لا يعايشنا ولا نعايشه: إنسان قبلي تائه ..
والمكان ما بين مكة والمدينة حوانيت خمارين ودعارة تحيي في الذاكرة عهودا خوالي رتع فيها عمر بن أبي ربيعة وتعقب النساء حتى في طوافهن بالكعبة شأنه شأن أبي هريرة مع الجارية الصماء البكماء، يقول فيها الشعر إلى حد الهيام ويفسد عليها طوافها."حديث الوضع" ص 98.
وليس الماضي هو ماضي العرب وحدهم ،ففرعون حاضر يغري بألوهية وجبروت رغم عجمة كلامه وتطاوله على حرمة الدين الإلاهي:
"فكذب وعصى (بنضلدلم) ثم أدبر يسعى (بنهر تلغم) فحشر ونادى (برآ نهندم) فقال أنا ربكم الأعلى." "حديث الطين" ص98.
ومسيرة أبي هريرة تزامنت مع عهد الرياضات الصوفية تصنع في الجلد صنيعه وتتركه كالسليخة مع ملازمة العزلة شهورا.
إنه الغزالي من بعض وجوهه وهو يستجدي الحقيقة في صومعة دمشق هاربا من ضَلاله..من الشيطان. "حديث الغيبة تطلب فلا تدرك".
وتسير الرحلة لتستقر بعض الشيء في عالم المجالس والأحاديث اعتبارا واستنكارا.. ومؤانسة وإمتاعا:
" حدث معن بن سليمان قال : كنت أنا وأبو المدائن وأخي حرب نجتمع في بيت أبي هريرة كل يوم جمعة عند الظهر فنتغذى ونتحدث ثم نخرج عنه فنذهب إلى المسجد فنصلي.. "حديث الحق والباطل ص 81.
هو الجاحظ مابين المربد ومسجد البصرة وأبو حيان التوحيدي ومجالس ابن سعدان والمعري وسجالاته في بلاط الشريف الرضي إلخ..
مجالس مابين الكلام والجدل، والانسجام والخصام والخلاف والعصبية: "فدخلنا عليه مرة فوجدناه بفناء بيته وقد بسط فرشا خفيفا وجلس فأطرق وسجا." حديث الحق والباطل ص 81.
ومسيرة أبي هريرة تؤانسها
شخصيات:
ـ بكناياتها وأوصافها ومدلولاتها، من أبي رغال وتعشقه الخروج على العقل، وأبي المدائن وولعه بالكسب المالي ، وكهلان وتمرده على القبيلة إلى ريحانة المائدة والطعام وظلمة الانتفاض على سن طغيان الدم ومريم وقد ولدت لتموت..
ـ وبعصيّها وسيوفها ورماحها وغاراتها (تجربة الجماعة).
وهي مسيرة تحركها لغة عريقة عصيّة حينا كأنها الانغلاق ، طيّعة حينا آخر تستجيب لمتطلبات الصورة والتخييل، وجيزة تختزل العبارة وتلْطف في الإشارة، تلامس القصد ولا تفصّل القول وتشحذ الذهن في غير ما بلادة أو إطناب . لغة تستجيب لمقياس البلاغة عند العرب : ما أغنى قليله عن كثيره.
والصورة الشعرية توحي لك بلغة العشق العربي بجماله الأنثوي الحار. فلا ظلمة ولا ريحانة كانتا غير النار واللهب. فهما من أرض طبْع أهلها حارّ وقـّـاد : إنه الطبع العربي.
فلا عجب أن تنغلق اللغة على ذاتها ، تكره الدخيل في صفويّة عنيدة وتتعشق إعجاز القرآن في نرجسية صارخة مستهامة برحلة ابن عربي ودعوات الحجيج.
في كل هذا ما يحمّل المسعدي مسؤولية الجواب الواضح عن السؤال الذي يفرض نفسه:
ماذا يهم الإنسان المعاصر ـ إنسان ما بين الحربيـن ـ وهي فترة التأليف(1938/39) وماذا يهم شباب تونس آنذاك من كل هذه القدامة؟
فالسيف صار دبابة،والرمح بات طائرة ،والناقة تحولت سيارة . واللغة المصفاة المخصوصة بالنخبة تفرعت لهجات وتداخلت معها لغات أجنبية متعددة.
فهل بالإمكان للمعاصرة أن تتقبل تلك البداوة بغرابتها وشذوذها وقساوتها؟
وهل بإمكان التراث أن يجد الهواء الملائم لتتيسّر له الاستمرارية؟
أما كان أولى بالمؤلف أن يسلك سبيلا آخر للغة أخرى وشخصيات أكثر حياة وأشد ارتباطا بواقع العصر؟ أليست القصة كلها (حدث أبو هريرة قال) نبشا في قبور قد يستبشعها العصر الحديث والذوق الجديد؟
ثم هل تجمدت اللغة العربية واستحال تطويعها لتواكب مستجدات الكيان الحي؟ بل بطريقة أوضح وأجرأ:
أليس التشبث بخصوصيتها القديمة هو أحد العوامل الرئيسية للتعجيل بموتها ، لما ينشأ في نفس القارئ من نفور واغتراب؟
فماذا يمكن أن يكون جواب المسعدي الافتراضي على هذا السيل الهاجم من المواقف الرافضة؟
لعل أبسط جواب قد يفرض نفسه هو: هل قرأنا الكتاب جيدا؟ وكأن أبا تمام يرد على من عاب عليه قول ما لا يفهم بأن العيب في عدم فهم ما يقال.
فليس صحيحا أن المسعدي قد عزل نفسه في بوتقة التراث وأغلق وجدانه وفكره في شكل قديم ولغة موحشة.
فالوقوف عند ظاهرة الشكل قد يعكس قصورا واضحا عن فهم جوهر الأدب. فهلا يمكن أن نبدع إلا إذا تنكرنا للأصل؟
وهلا يمكن أن نضيف إلا إذا بدأنا من صفر؟
ألا يمكن مسايرة حركة الوجود إلى الأمام بالمحافظة على عمقها في الوراء؟
أليس لكي تعلو لا بد أن تغوص؟
إن مفهوم المسعدي للأدب ليس علوا منفصلا عن أسسه، فمثل هذا البناء عمره محدود في الزمان والمكان والقضية. وإنما الأدب الحق هو الذي يمس جوهر الإنسان ، وجوهر الإنسان لا عمر له بل هو أزليّ أو يكاد، أبديّ أو يكاد. فهموم البشرية لا تبدأ مع عمر المؤلف أو تتوقف عند زمان نشأته.
وفهم المسعدي للأدب ببعده الإنساني يحتم على كل دارس لآثاره أن يستشعر هذا التوجه، وبدون ذلك لن يستطيع التواصل معه أو إدراك أبعاده.
فالأدب يُفهم شكلا ومحتوى، وإذا كان شكل الرواية قديما فما هي مظاهر الحداثة في المضمون؟
إن مواكبة المسعدي الشاب ـ زمن التأليف ـ (1938/1939) قد تتوضح في أكثر من موضع. فذاك التاريخ هو قبيل الحرب العالمية الثانية حيث كان العالم كالمِرْجل، وطبولُ الحرب تقرع وموازين القوى تتصارع وتتهيأ للمواجهة.
و"هتلـر" يحلم بالإنسان الأرقى والأنقى والأوحد (العنصر الجِرماني الصّرف)، وأفكار "نيتشه" والإنسان المتفرْعِن المتأله بدأت تقنع بـــ"قـتْـل الإله" .
وهذه الأفكار تأثر بها آنذاك الشباب الطلابيّ ـ والمسعدي منه ـ وهو ينظر إلى عالم أفضل من عالم الهزيمة والتخلف، وقد كانت كل بلاد العرب مهزومة متخلفة، وهو في باريس يدْرس في "السربون" ويرى الدنيا غير الدنيا.
إنها حمية الشباب وحماسة الأحلام المشروعة. وفي تجربة الغيبة التي ارتمى في غمارها أبو هريرة إعلانٌ لإفلاس عالم الروح وجو البخور والأضرحة والتمسح على العتبات ،وإعلانٌ مضاد لفلسفة المادة وامتلاك الأرض وترسيخ الأقدام عليها :
"سحقا لرهبنة لا تكون إلا تألها مستحيلا أو غرورا مؤلما." ص 148.
وقد بدأ الفكر الثوري يسري إلى البلدان المستعمَرَة ليؤسس عقلية تنشد التغيير. ففي" حديث الكلب" و"حديث العدد " إشارات مكثفة إلى ما كان عليه العالم العربي حينئذ من تخلف في جل المجالات: فالبلاد العربية ( ورمزها أحياء العرب في حديث الطين) تشكو من استبداد سياسي مصحوب باستكانة وخضوع:
"أقبلت على أحياء أخرى ذليلة مستكينة عليها أمير عردّ مستبد."ص117 من بايات ودايات وخديويين وطغاة عموما...
ومن الناحية الاجتماعية الاقتصادية يشير المسعدي إلى التخلف الكبير الذي كانت عليه العديد من بلدان العالم وبالأخص بلاد العرب، ومنها تونس. فالمجاعات مستفحلة والحرمان عام وشامل من غير أن يتحرك الناس للتغيير والإصلاح:"نظرت فإذا هم في سنة شديدة متخاذلون متآكلون وعلى ذلك يصَلّون ويدْعون الاستسقاء وربهم."ص115.
إنها سنة القحط عرفتها تونس سنة 1938،ومع ذلك كانت العامة تفسّر حالها تفسيرا غيبيا محمّلة القضاء والقدر مسؤولية واقعها المأسوي.
ولعل هذا ما يفسر أحد أسباب ميلاد قصيدتي "نشيد الجبار" و"إرادة الحياة" للشابي رغبة في اقتلاع الجذوع وهد القبور رمسا برمس.
يقول كهلان في حديث الكلب:
"كنا من شدة السنة في مثل لهاث الكلب، نطلب القوت بالسيوف ونكمن للقوافل والأحياء ويُكمن لنا ونغير ويغار علينا..فنحن إلى عاجل الثبور ...فأغرنا ...فلم نصب إلا نوَيات هزالا مُصّت مرارا. فكأننا قتلنا ميتة." صص106/107.
فمسيرة أبي هريرة ليست منعزلة عن واقعها المعاصر ،فهناك التصاق بالبيئة العربية الإسلامية التونسية مع محيطها العالمي . والكتاب مطبوع بسمات تكشف عن عقلية الشرق ببخوره وسحرته وخرافاته ،وحلم الغرب بامتلاك العالم وتغيير معايير الكون ،وفي باطن أبي هريرة أثر لهذه النيتشوية المتوثبة:
"يشتد على روحي ** جموح في دمي يجري" ص66
ولكنه هو نفس جموح روح المتنبي وحلمه باختراق النجوم:
إذا غامرت في شرف مروم ** فلا تقنع بما دون النجوم
جدلية الشرق والغرب / والماضي والحاضر بحثا عن الإنسان الضائع في خضم القطبين لإيجاد التوازن الطبيعي حتى لا يكون في القطيعة مع الماضي قطع مع أسباب الحياة ،ولا في الانغلاق عن العالم الخارجي تقوقع مميت لا يزيد إلا تخلفا وعجزا.
فالشكل في الرواية قديم والمضمون معاصر وفي تلك المزاوجة ما يحقق التلاقح والتناسل والتواصل ومن ثم التعايش : تعايش الإنسان بعيدا عن الانتماء الضيق والفكر الأحادي العقيم.
لقد بدأ العالم العربي يَخرج مثقفوه من اللغة الأحادية إلى ثنائية اللغة، ومن ثقافة الدين والفقه إلى ثقافة أرحب وأشمل بعيدا عن اعتبارات التحريم والتجريم .
فدراسة القرآن لم تعد تمنع عن قراءة كتب الفلسفة، وشرح الأحاديث لا يتعارض مع التأمل في الظواهر الطبيعية. فقدر البشرية هي التي تصنعه بعقلها الجماعي التنويريّ .
وهذه الفكرة هي فكرة الجيل الجديد من الشباب حتى ولو تصادم مع عقول السلف العربي.
وما حيرة المسعدي إلا حيرة الإنسان مطلقا وغايته كما يقول في المقدمة أن يدرك العالم المنشود:
"أروم أن أفتح لي مسلكا إلى كياني الإنساني وأقضي حجا إلى موطني المفقود: وفاء حنين إلى الجوهر الفرد" .
إن المسعدي يرسم للقارئ خطة للتعامل مع مسيرة بطله:
فلئن كان الشكل تقليديا فعلى القارئ ألا يتعجل الحكم على الأثر. ولئن كان التوجه الفكري غربيا من نواح فمن الحيف الحكم على صاحبه بالاغتراب. وإنما الأدب ثنائية: شكل ومحتوى في تكامل ضروري.
وقد كان ابن رشيق حسم المسألة من زمن بعيد في عمدته بأنّ: "اللفظ جسم وروحه المعنى"
فقضية إحياء التراث عمل واع وليس بمحض الصدفة ،وجِدة القديم عند المسعدي ممكنة بشرط أن يكون هذا القديم حيا نابضا .واللغة العربية والثقافة العربية ليستا إلا عنوانا لهذه الحياة وقد تكونان تعرضتا إلى شيء من الاهتزاز أحيانا ولكن نبض الحياة ظل ناطقا قرونا طويلة.
ومن يتأمل سلوك أبي هريرة وهو يبحث عن أناه الضائع بين تفاؤل وتشاؤم وألم وأمل وحركة وجمود يستحضر تأثر المسعدي بغربة أبي حيان التوحيدي في الإشارات الإلهية: "الغريب من هو في غربته غريب." ، بقدر تأثره بفلسفة كامو Camus في رحلة بطله الغريب المضنية وبالكون والفساد لسارتر Sartre.
فجوهر الإنسان واحد وإنما الشكل هو المتغير.
ولهذه الأسباب العميقة يدعو القارئ إلى كثير من الوعي بهذه المسألة: "وليس لطالب أن يطلب فيه جديدا من المعاني طريفا لأنه لا يكون عندي أطرف مما ينشأ في نفس القارئ عند مطالعته من الأفكار والمشاعر." ص12
فهل تكون من هذا المنظار مسألة القدامة والحداثة مسألة مغلوطة أطروحة ومبحثا؟
فكم من أثر معاصر منفصل منبتّ عن واقعه وكأنه مقبور في عوالم غابرة بينما نجد من الكتابات القديمة ما صمدت أمام عوادي الدهر رغم سعي الكثيرين إلى طمس معالمها .
فالخلود يكتبه الإبداع . والإبداع لا شكل له ولا جنس ولا دين. والإبداع لا عمر له ولا تاريخ ولا جغرافيا.
الأستاذ: صلاح داود
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمود المسعدي أديب تونسي كبير
"اعلم أنه ليس في نظري أطرف من جدة القديم ...ولعله ليس شأن الكاتب الجدة والطرافة وإنما أن يفترق على يده الجوهر عن العرض العارض."
يكشف المسعدي بهذا الرأي عن توجه فكري واختيار أدبي مبنيين على رؤية مخصوصة للأدب في مضامينه وأساليبه ومراميه .
فكيف يمكن الجمع بين التجديد والتقليد في آن واحد ؟بل كيف يتسنى التجديد في صلب التقليد ؟ وهل بإمكان القدامة أن تكون مطواعا لمتطلبات الحداثة بهذه السهولة التي يدعيها المسعدي؟
قد يبدو من الوهلة الأولى أن القضية هي أساسا قضية إحياء للتراث إلا أن أمر الإحياء لا يعني بالضرورة الجدة والمواكبة لمتطلبات الحداثة، فهناك فرق واضح بين هذا المنحى ومسألة المعايشة بين توجهين.
وعنوان الكتاب في حد ذاته يحيل على هذا التصور .
فالصيغة المذكورة :"حدث أبو هريرة قال " مأثورة في المدونة العربية والإسلامية معا وقد نهج هذا المنهجَ الكثيرُ من مؤرخي الأدب والفقه ومن رواة النوادر والأخبار والخرافات والحكايات .
وحتى اسم الراوي مستأنس في الأذن العربية مادام الأمر مرتبطا بالصحابي الجليل المعروف.
بعدان هامان يثيرهما العنوان في الذهن :
* بعدا يطال الخبر في ذاته وصيغة روايته في شكل أحاديث
* وبعدا ثانيا يمس الدين وما يتصل بطبيعة الراوي الذي يتوفر على قدر معين من الثقة في ما ينقل إلى الناس.
فبماذا يمكن أن يحدّث أبو هريرة ـ رجل التاريخ والتراث ـ في كتاب من تأليف المسعدي الأديب من القرن العشرين؟
وهل بقي لأبي هريرة شيء لم يحدّث به وعنه، حتى يحييه المسعدي بعد قرون من مماته ليتدارك سهوه؟
وهل معنى هذا أن هناك ما يستوجب التدارك على النقص الذي تركه أبو هريرة الصحابي؟
لعل المسعدي أدرك هذا الأمر فأسرع بالاستدراك قائلا بأن أبا هريرة هو غير أبي هريرة الصحابي المعروف وغير أبي هريرة النحوي الذي قد لا يكون الكثيرون سمعوا عنه :
"في رواية أن أبا هريرة ثلاثة: أولهم الصحابي وثانيهم النحوي وثالثهم هذا." (من التمهيد ص13 ط 73).
فمن هذا المشار إليه ؟
لقد خرج المسعدي ببطله من الماضويّة إلى الحداثتية ، واسم الإشارة للقريب "هذا" دليل على أن الشخصية أقرب من أن نذهب بها إلى أباعد الأزمنة.
ولاشك أن التأمل في مسيرة أبي هريرة هو الكفيل بفك رموز اسم الإشارة هذا.
فكل الرحلة تتحرك في إطار تلفُّه بداوة التاريخ برِمال الصحاري وخيام الرحّل وصعلكة قطاع الطرق، وينشط فيه فكر العبودية ابتداء من ريحانة السبيّة إلى غلمان أبي هريرة.
فالزمان حقبة زمنية تعود بنا إلى إنسان آخر لا يعايشنا ولا نعايشه: إنسان قبلي تائه ..
والمكان ما بين مكة والمدينة حوانيت خمارين ودعارة تحيي في الذاكرة عهودا خوالي رتع فيها عمر بن أبي ربيعة وتعقب النساء حتى في طوافهن بالكعبة شأنه شأن أبي هريرة مع الجارية الصماء البكماء، يقول فيها الشعر إلى حد الهيام ويفسد عليها طوافها."حديث الوضع" ص 98.
وليس الماضي هو ماضي العرب وحدهم ،ففرعون حاضر يغري بألوهية وجبروت رغم عجمة كلامه وتطاوله على حرمة الدين الإلاهي:
"فكذب وعصى (بنضلدلم) ثم أدبر يسعى (بنهر تلغم) فحشر ونادى (برآ نهندم) فقال أنا ربكم الأعلى." "حديث الطين" ص98.
ومسيرة أبي هريرة تزامنت مع عهد الرياضات الصوفية تصنع في الجلد صنيعه وتتركه كالسليخة مع ملازمة العزلة شهورا.
إنه الغزالي من بعض وجوهه وهو يستجدي الحقيقة في صومعة دمشق هاربا من ضَلاله..من الشيطان. "حديث الغيبة تطلب فلا تدرك".
وتسير الرحلة لتستقر بعض الشيء في عالم المجالس والأحاديث اعتبارا واستنكارا.. ومؤانسة وإمتاعا:
" حدث معن بن سليمان قال : كنت أنا وأبو المدائن وأخي حرب نجتمع في بيت أبي هريرة كل يوم جمعة عند الظهر فنتغذى ونتحدث ثم نخرج عنه فنذهب إلى المسجد فنصلي.. "حديث الحق والباطل ص 81.
هو الجاحظ مابين المربد ومسجد البصرة وأبو حيان التوحيدي ومجالس ابن سعدان والمعري وسجالاته في بلاط الشريف الرضي إلخ..
مجالس مابين الكلام والجدل، والانسجام والخصام والخلاف والعصبية: "فدخلنا عليه مرة فوجدناه بفناء بيته وقد بسط فرشا خفيفا وجلس فأطرق وسجا." حديث الحق والباطل ص 81.
ومسيرة أبي هريرة تؤانسها
شخصيات:
ـ بكناياتها وأوصافها ومدلولاتها، من أبي رغال وتعشقه الخروج على العقل، وأبي المدائن وولعه بالكسب المالي ، وكهلان وتمرده على القبيلة إلى ريحانة المائدة والطعام وظلمة الانتفاض على سن طغيان الدم ومريم وقد ولدت لتموت..
ـ وبعصيّها وسيوفها ورماحها وغاراتها (تجربة الجماعة).
وهي مسيرة تحركها لغة عريقة عصيّة حينا كأنها الانغلاق ، طيّعة حينا آخر تستجيب لمتطلبات الصورة والتخييل، وجيزة تختزل العبارة وتلْطف في الإشارة، تلامس القصد ولا تفصّل القول وتشحذ الذهن في غير ما بلادة أو إطناب . لغة تستجيب لمقياس البلاغة عند العرب : ما أغنى قليله عن كثيره.
والصورة الشعرية توحي لك بلغة العشق العربي بجماله الأنثوي الحار. فلا ظلمة ولا ريحانة كانتا غير النار واللهب. فهما من أرض طبْع أهلها حارّ وقـّـاد : إنه الطبع العربي.
فلا عجب أن تنغلق اللغة على ذاتها ، تكره الدخيل في صفويّة عنيدة وتتعشق إعجاز القرآن في نرجسية صارخة مستهامة برحلة ابن عربي ودعوات الحجيج.
في كل هذا ما يحمّل المسعدي مسؤولية الجواب الواضح عن السؤال الذي يفرض نفسه:
ماذا يهم الإنسان المعاصر ـ إنسان ما بين الحربيـن ـ وهي فترة التأليف(1938/39) وماذا يهم شباب تونس آنذاك من كل هذه القدامة؟
فالسيف صار دبابة،والرمح بات طائرة ،والناقة تحولت سيارة . واللغة المصفاة المخصوصة بالنخبة تفرعت لهجات وتداخلت معها لغات أجنبية متعددة.
فهل بالإمكان للمعاصرة أن تتقبل تلك البداوة بغرابتها وشذوذها وقساوتها؟
وهل بإمكان التراث أن يجد الهواء الملائم لتتيسّر له الاستمرارية؟
أما كان أولى بالمؤلف أن يسلك سبيلا آخر للغة أخرى وشخصيات أكثر حياة وأشد ارتباطا بواقع العصر؟ أليست القصة كلها (حدث أبو هريرة قال) نبشا في قبور قد يستبشعها العصر الحديث والذوق الجديد؟
ثم هل تجمدت اللغة العربية واستحال تطويعها لتواكب مستجدات الكيان الحي؟ بل بطريقة أوضح وأجرأ:
أليس التشبث بخصوصيتها القديمة هو أحد العوامل الرئيسية للتعجيل بموتها ، لما ينشأ في نفس القارئ من نفور واغتراب؟
فماذا يمكن أن يكون جواب المسعدي الافتراضي على هذا السيل الهاجم من المواقف الرافضة؟
لعل أبسط جواب قد يفرض نفسه هو: هل قرأنا الكتاب جيدا؟ وكأن أبا تمام يرد على من عاب عليه قول ما لا يفهم بأن العيب في عدم فهم ما يقال.
فليس صحيحا أن المسعدي قد عزل نفسه في بوتقة التراث وأغلق وجدانه وفكره في شكل قديم ولغة موحشة.
فالوقوف عند ظاهرة الشكل قد يعكس قصورا واضحا عن فهم جوهر الأدب. فهلا يمكن أن نبدع إلا إذا تنكرنا للأصل؟
وهلا يمكن أن نضيف إلا إذا بدأنا من صفر؟
ألا يمكن مسايرة حركة الوجود إلى الأمام بالمحافظة على عمقها في الوراء؟
أليس لكي تعلو لا بد أن تغوص؟
إن مفهوم المسعدي للأدب ليس علوا منفصلا عن أسسه، فمثل هذا البناء عمره محدود في الزمان والمكان والقضية. وإنما الأدب الحق هو الذي يمس جوهر الإنسان ، وجوهر الإنسان لا عمر له بل هو أزليّ أو يكاد، أبديّ أو يكاد. فهموم البشرية لا تبدأ مع عمر المؤلف أو تتوقف عند زمان نشأته.
وفهم المسعدي للأدب ببعده الإنساني يحتم على كل دارس لآثاره أن يستشعر هذا التوجه، وبدون ذلك لن يستطيع التواصل معه أو إدراك أبعاده.
فالأدب يُفهم شكلا ومحتوى، وإذا كان شكل الرواية قديما فما هي مظاهر الحداثة في المضمون؟
إن مواكبة المسعدي الشاب ـ زمن التأليف ـ (1938/1939) قد تتوضح في أكثر من موضع. فذاك التاريخ هو قبيل الحرب العالمية الثانية حيث كان العالم كالمِرْجل، وطبولُ الحرب تقرع وموازين القوى تتصارع وتتهيأ للمواجهة.
و"هتلـر" يحلم بالإنسان الأرقى والأنقى والأوحد (العنصر الجِرماني الصّرف)، وأفكار "نيتشه" والإنسان المتفرْعِن المتأله بدأت تقنع بـــ"قـتْـل الإله" .
وهذه الأفكار تأثر بها آنذاك الشباب الطلابيّ ـ والمسعدي منه ـ وهو ينظر إلى عالم أفضل من عالم الهزيمة والتخلف، وقد كانت كل بلاد العرب مهزومة متخلفة، وهو في باريس يدْرس في "السربون" ويرى الدنيا غير الدنيا.
إنها حمية الشباب وحماسة الأحلام المشروعة. وفي تجربة الغيبة التي ارتمى في غمارها أبو هريرة إعلانٌ لإفلاس عالم الروح وجو البخور والأضرحة والتمسح على العتبات ،وإعلانٌ مضاد لفلسفة المادة وامتلاك الأرض وترسيخ الأقدام عليها :
"سحقا لرهبنة لا تكون إلا تألها مستحيلا أو غرورا مؤلما." ص 148.
وقد بدأ الفكر الثوري يسري إلى البلدان المستعمَرَة ليؤسس عقلية تنشد التغيير. ففي" حديث الكلب" و"حديث العدد " إشارات مكثفة إلى ما كان عليه العالم العربي حينئذ من تخلف في جل المجالات: فالبلاد العربية ( ورمزها أحياء العرب في حديث الطين) تشكو من استبداد سياسي مصحوب باستكانة وخضوع:
"أقبلت على أحياء أخرى ذليلة مستكينة عليها أمير عردّ مستبد."ص117 من بايات ودايات وخديويين وطغاة عموما...
ومن الناحية الاجتماعية الاقتصادية يشير المسعدي إلى التخلف الكبير الذي كانت عليه العديد من بلدان العالم وبالأخص بلاد العرب، ومنها تونس. فالمجاعات مستفحلة والحرمان عام وشامل من غير أن يتحرك الناس للتغيير والإصلاح:"نظرت فإذا هم في سنة شديدة متخاذلون متآكلون وعلى ذلك يصَلّون ويدْعون الاستسقاء وربهم."ص115.
إنها سنة القحط عرفتها تونس سنة 1938،ومع ذلك كانت العامة تفسّر حالها تفسيرا غيبيا محمّلة القضاء والقدر مسؤولية واقعها المأسوي.
ولعل هذا ما يفسر أحد أسباب ميلاد قصيدتي "نشيد الجبار" و"إرادة الحياة" للشابي رغبة في اقتلاع الجذوع وهد القبور رمسا برمس.
يقول كهلان في حديث الكلب:
"كنا من شدة السنة في مثل لهاث الكلب، نطلب القوت بالسيوف ونكمن للقوافل والأحياء ويُكمن لنا ونغير ويغار علينا..فنحن إلى عاجل الثبور ...فأغرنا ...فلم نصب إلا نوَيات هزالا مُصّت مرارا. فكأننا قتلنا ميتة." صص106/107.
فمسيرة أبي هريرة ليست منعزلة عن واقعها المعاصر ،فهناك التصاق بالبيئة العربية الإسلامية التونسية مع محيطها العالمي . والكتاب مطبوع بسمات تكشف عن عقلية الشرق ببخوره وسحرته وخرافاته ،وحلم الغرب بامتلاك العالم وتغيير معايير الكون ،وفي باطن أبي هريرة أثر لهذه النيتشوية المتوثبة:
"يشتد على روحي ** جموح في دمي يجري" ص66
ولكنه هو نفس جموح روح المتنبي وحلمه باختراق النجوم:
إذا غامرت في شرف مروم ** فلا تقنع بما دون النجوم
جدلية الشرق والغرب / والماضي والحاضر بحثا عن الإنسان الضائع في خضم القطبين لإيجاد التوازن الطبيعي حتى لا يكون في القطيعة مع الماضي قطع مع أسباب الحياة ،ولا في الانغلاق عن العالم الخارجي تقوقع مميت لا يزيد إلا تخلفا وعجزا.
فالشكل في الرواية قديم والمضمون معاصر وفي تلك المزاوجة ما يحقق التلاقح والتناسل والتواصل ومن ثم التعايش : تعايش الإنسان بعيدا عن الانتماء الضيق والفكر الأحادي العقيم.
لقد بدأ العالم العربي يَخرج مثقفوه من اللغة الأحادية إلى ثنائية اللغة، ومن ثقافة الدين والفقه إلى ثقافة أرحب وأشمل بعيدا عن اعتبارات التحريم والتجريم .
فدراسة القرآن لم تعد تمنع عن قراءة كتب الفلسفة، وشرح الأحاديث لا يتعارض مع التأمل في الظواهر الطبيعية. فقدر البشرية هي التي تصنعه بعقلها الجماعي التنويريّ .
وهذه الفكرة هي فكرة الجيل الجديد من الشباب حتى ولو تصادم مع عقول السلف العربي.
وما حيرة المسعدي إلا حيرة الإنسان مطلقا وغايته كما يقول في المقدمة أن يدرك العالم المنشود:
"أروم أن أفتح لي مسلكا إلى كياني الإنساني وأقضي حجا إلى موطني المفقود: وفاء حنين إلى الجوهر الفرد" .
إن المسعدي يرسم للقارئ خطة للتعامل مع مسيرة بطله:
فلئن كان الشكل تقليديا فعلى القارئ ألا يتعجل الحكم على الأثر. ولئن كان التوجه الفكري غربيا من نواح فمن الحيف الحكم على صاحبه بالاغتراب. وإنما الأدب ثنائية: شكل ومحتوى في تكامل ضروري.
وقد كان ابن رشيق حسم المسألة من زمن بعيد في عمدته بأنّ: "اللفظ جسم وروحه المعنى"
فقضية إحياء التراث عمل واع وليس بمحض الصدفة ،وجِدة القديم عند المسعدي ممكنة بشرط أن يكون هذا القديم حيا نابضا .واللغة العربية والثقافة العربية ليستا إلا عنوانا لهذه الحياة وقد تكونان تعرضتا إلى شيء من الاهتزاز أحيانا ولكن نبض الحياة ظل ناطقا قرونا طويلة.
ومن يتأمل سلوك أبي هريرة وهو يبحث عن أناه الضائع بين تفاؤل وتشاؤم وألم وأمل وحركة وجمود يستحضر تأثر المسعدي بغربة أبي حيان التوحيدي في الإشارات الإلهية: "الغريب من هو في غربته غريب." ، بقدر تأثره بفلسفة كامو Camus في رحلة بطله الغريب المضنية وبالكون والفساد لسارتر Sartre.
فجوهر الإنسان واحد وإنما الشكل هو المتغير.
ولهذه الأسباب العميقة يدعو القارئ إلى كثير من الوعي بهذه المسألة: "وليس لطالب أن يطلب فيه جديدا من المعاني طريفا لأنه لا يكون عندي أطرف مما ينشأ في نفس القارئ عند مطالعته من الأفكار والمشاعر." ص12
فهل تكون من هذا المنظار مسألة القدامة والحداثة مسألة مغلوطة أطروحة ومبحثا؟
فكم من أثر معاصر منفصل منبتّ عن واقعه وكأنه مقبور في عوالم غابرة بينما نجد من الكتابات القديمة ما صمدت أمام عوادي الدهر رغم سعي الكثيرين إلى طمس معالمها .
فالخلود يكتبه الإبداع . والإبداع لا شكل له ولا جنس ولا دين. والإبداع لا عمر له ولا تاريخ ولا جغرافيا.
الأستاذ: صلاح داود
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمود المسعدي أديب تونسي كبير