انتظار
كان واقفا ينتظرها , لم يتأخر , وصل بالوقت المحدد , تسارعت ضربات قلبه وهو يحدق بالفضاء الممتد امامه , افكاره مشتته , حاول ان يكون اكثر هدوءا , لكن يديه لم تتوقفا عن الارتجاف , (يا الهي هل ستأتي وتزيل كل هذا الحزن عن قلبي المريض , ام انها تتركني اصارع المرض لوحدي) . كانت السماء ملبدة بالغيوم , والبرد قارص يتغلغل في العظام , لكنه لم يفكر للحظة ان يترك المكان ويعود من حيث اتى . كان عازما على لقائها بعد كل تلك السنين الطويلة التي عاشها بعيدا عنها . حاول ان يتذكر ملامحها ووجودها الساحر , لكنه وجد نفسه يصارع الذكريات القديمة التي تضغط على قلبه وتجعله اكثر حزنا وصمتا ... ظلام الليل يمتد عميقا تاركا فراغا ذهنيا غامضا , حاول ان يعرف ما حدث فعلا . وما الذي اتى به هنا , مشدودا بكل هذه القيود فوق سرير ابيض . فتح عينيه بصعوبة , كانت الاشياء من حوله مشوشة . الم رأسه يزداد كلما حاول التركيز اكثر. كان ممدا على السرير, رأسه مشدود , ورجله مرفوعة بأثقال , والم يكاد يقتله , سمع اصواتا قريبة منه لم يفهمها , كانوا ملتفين حوله , فرحين بعودته للحياة , بعد ان كان غائبا عن الوعي مدة لا يعلمها . ظل صامتا يرقب الملتفين حوله , (من انتم ؟ ) كان السؤال يضغط على ذاكرته دون جدوى , حاول ان يتكلم فلم يستطع . (اين هي؟) اخيرا سمع صوته يعلو في الردهة . لم يجبه احد , كانوا ينظرون اليه من دون اجابة . احس برأسه ثقيلا جدا , وكل شيء من حوله كان يدور , يدور بلا رحمة , لكنه ظل يسمع صدى صراخه مرتفعا في الردهة , يريد ان يعرف ما الذي حصل لهما , اخيرا استسلم لالام جسده , متيقننا ان لا احد يسمعه الان , لقد صار وحيدا منذ ان انفجرت السيارة المفخخة في السوق وانتشرت الجثث مثل الغبار . كانت تمسك يده اليمنى قبل ان يفرقهما دوي الانفجار . لم يعرف كيف وصل هنا . وكم مضى عليه من الوقت راقدا في هذه المستشفى التي تملؤها رائحة الموت الخانقة. بعد ايام , استطاع النهوض مستندا على عكازات وخرج اخيرا من الردهة , عازما رغم الامه على رؤيتها , ظل واقفا فترة طويلة بجانب سريرها في الردهة الاخرى . نعم لقد رأها . كانت تبدو كالملاك , راقدة على السرير , غائبة عن العالم , لا تشعر باي شيء من حولها , لكن الجراح تملأ جسدها. لم يقل شيئا . احس بالحزن يعتصر قلبه مثلما الانتظار الان يشتت خياله , فصار كطائر جريح ضائع بين اوراق الشجر. (الا نذهب يا ابي ؟... منذ ساعتين ونحن امام قبر امي )
التفت الى ابنه , كان وجهه شاحبا جدا , وعيونه مغسولة بالدموع , لم يعرف لم كان ابنه قاسي القلب هكذا , لماذا يبدو كالحجر , لا يشعر بوجودها هنا وفرحها بقدومنا اليها بعد كل هذا الفراق . توكأ على عصاه خافضا رأسه , متعثرا بخطواته , خلف ابنه الذي كان يسبقه للخروج من المقبرة .
مناف بن مسلم
تعليق