ضربة
نص لعبد الرحيم التدلاويو المبدع ، عبده هري
مفاجأة شديدة تلك التي صادفتني و أنا أخرج من منزلي و أتجول في أطراف المدينة : كانت الشوارع فارغة ، و النوافذ و الأبواب مقفلة ، و كان الهدوء باسطا سلطانه ، أستمتعت قليلا ، لكن ، سرعان ماهبت رياح الشك تداعب مشاعري و تهز أركان قلبي و تنبت فيه السؤال : أين ذهب الناس ؟ أين الأطفال الذين كانوا يقلقون راحتي و ينغصون علي نومي و يحرمونني من قيلولتي ؟ أين صراخ النساء و تعاركهن اليومي ؟ أين جيراني الذين يتابعون حركات الناس اليومية و بالتفصيل ؟ الحق أني اشتقت لضوضائهم ، لشغبهم ، لفضولهم ، إنهم يشعرونني بوجودي. أين اللصوص الذين يتسللون إلى جيوب الخلق ، يسلوبنها ما حملت ؟ أين رجال الشرطة و هم يوقفونني و يطلبون مني أوراق ثبوتيتي ، حتى يغضوا طرف أعينهم ؟ ماذا حصل ؟ هل مرت من هنا طيور أبابيل ببراميلها المشتعلة ؟ لا وجود لمبان مهدمة ، و لا لجثت متفحمة تزين الشوارع بفظاعات الجرم المرتكب. إذن ، أين هم أحبابي ؟ أريدكم معي ، لا تتركونني وحيدا ، ثلج الوحدة يجمد أطرافي.. هل هناك مقابلة في كرة القدم جعلت الناس يتابعونها بدل التجوال في الطرقات ؟ المقاهي فارغة على عروشها ، لا حركة و لا نأمة ، أكاد أجن ، كل فرضياتي ذهبت هباء ، لم أجن سوى ريح الخيبة . أحس بحنين للفراشة و هم يعددون جمال بضاعتهم و أنها مستوردة ذان جودة ، و لبائعي الخضر و السمك ، و لخصاماتهم الغريبة ، حيث تخرج السكاكين من قلوبهم الملأى بالضغينة ، و قد رفدتها أياد آثمة. أين القطط و الكلاب الضالة ؟ كانت إلى قريب تجوب الشوارع بكل صلف. لا ، لست نائما ، لا يمكن أن يكون هذا حلما ، أبدا ، الهواء المنعش الذي يداعب وجنتي يقول لي إنني مستيقظ. لا أعاني من ضربة شمس ، و لست تحت تأثير الهلاوس. و إذ فاجأني سرب طيور ، فقد انحنيت تفاديا لمخالبه ، حميت عيني بمرفقي لصده ، ظننته من تلك الطيور التي ظهرت في أحد أشرطة هيتشكوك. لكنها لم تؤذني ، حلقت بعيدا. لم أبال إلا بحماية نفسي ، لم أقرأ الحدث إلا بعد خروجي من الصدمة ، هناك حياة ، و إلا لما ظهرت الطيور ، هذه علامة على أني سليم الحواس. لكن ، أين ذهب الخلق ؟ هذا سؤال يحيرني ، يدخل في نفسي الخوف ، يجعلني مضطربا ، لكنه يشعرني بأني كائن اجتماعي ، فرغم حبي للعزلة و هروبي من الناس ، فذلك لا يحني حبي أن أكون وحيدا ، أن أعيش من دون الآخرين. رباه ، أيقظني من هذا الكابوس اللعين ، أخرجني من محنتي الشديدة ، أنقذني من عزلتي.. و بقيت أنتظر حدوث المعجزة ، ان يظهر الناس ، أن تعود الحياة للشوارع ، للمدينة الملعونة.
لم أدرِ كُنْه أن الإنسان كائن اجتماعي إلا اليوم حين استوحشتُ، ولأول مرة في حياتي أشتاق لشغب الشارع، لضوضاء الشارع، لتلصص أهل الحي على بعضهم؛ كلها كانت في مِلّتي سلوكيات مشينة، فكيف بي اليوم أشتاق لها وأصنفها من ثوابت الحياة؟
لا شك أن في الأمر ما يدعو للريبة، فقد يحدث أن تختل موازين التمييز عندي وأغدو فاقدا السيطرة على ملَكتي التي كنت إلى حدود الأمس أعتز بها، فهي لم تخذلني يوما.
يئستُ في تقليب الأخماس بالأسداس دون جدوى، الشارع موحش، الزقاق موحش، فرن الحي موحش، الحمام البلدي موحش.. أحسست برغبة في إفراغ حضارتي المكبوتة، فاغتنمتها فرصة حين مددت جسمي على طول الزقاق، واستلقيت ممارسا رغبتي التي كانت الضوضاء تمنعني إياها. وضعت راحتي تحت رأسي وتمددت رافعا رجلي اليمنى فوق اليسرى، وأرخيت العنان لحنجرتي تتنقل بين سطور المقامات شدواَ حيناَ وزعيقا حينا. أعجبني صوتي فجربت تقليد أصوات الحيوانات، نعقتُ ومُؤْتُ وخُرْتُ وصهلت، وحين نهقت أعجبني وزن النهيق الموزون فغاليتُ قليلا حين أغلقت عيني وتماديتُ في غيي وحريتي الفوضاوية؛ لم أشعر إلا وشرذمة من الصغار تحيط بي مشكلة دائرة. يدور الصغار في حلقة ويتصايحون" وا السكايري". فتحت عيناي في فزع وصرخت فيهم بملء جهدي وأنا أقف منتصبا:" السكايريا هما باواتكم أولاد .....".
تيقنوا أنني لست كسرانا، فابتعدوا قليلا هاربين من بطشي:" وا المسطي".
" والله ياباباكم......".
فُتِحتْ نافذةٌ مجاورة، وإذا برأس الجارة التي طالما نهرتُ صغارها وشكوتُ لها ضجيجهم المؤرق. حركت رأسها ذات اليمين وذات الشمال وصاحت:" أتعبتنا بشكاويك من صغارنا، وها أنت الآن تأتي بأسوأ مما يفعلون " ياودي يا الطالب اللي نتسناو باراكتو يا ودي؟. الله يأخذ فيك الحق، حرمت علينا اليوم الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي.
شعرتُ بضآلتي وغادرت مكرها حينا احتماء من عيون أهله.
نص لعبد الرحيم التدلاويو المبدع ، عبده هري
مفاجأة شديدة تلك التي صادفتني و أنا أخرج من منزلي و أتجول في أطراف المدينة : كانت الشوارع فارغة ، و النوافذ و الأبواب مقفلة ، و كان الهدوء باسطا سلطانه ، أستمتعت قليلا ، لكن ، سرعان ماهبت رياح الشك تداعب مشاعري و تهز أركان قلبي و تنبت فيه السؤال : أين ذهب الناس ؟ أين الأطفال الذين كانوا يقلقون راحتي و ينغصون علي نومي و يحرمونني من قيلولتي ؟ أين صراخ النساء و تعاركهن اليومي ؟ أين جيراني الذين يتابعون حركات الناس اليومية و بالتفصيل ؟ الحق أني اشتقت لضوضائهم ، لشغبهم ، لفضولهم ، إنهم يشعرونني بوجودي. أين اللصوص الذين يتسللون إلى جيوب الخلق ، يسلوبنها ما حملت ؟ أين رجال الشرطة و هم يوقفونني و يطلبون مني أوراق ثبوتيتي ، حتى يغضوا طرف أعينهم ؟ ماذا حصل ؟ هل مرت من هنا طيور أبابيل ببراميلها المشتعلة ؟ لا وجود لمبان مهدمة ، و لا لجثت متفحمة تزين الشوارع بفظاعات الجرم المرتكب. إذن ، أين هم أحبابي ؟ أريدكم معي ، لا تتركونني وحيدا ، ثلج الوحدة يجمد أطرافي.. هل هناك مقابلة في كرة القدم جعلت الناس يتابعونها بدل التجوال في الطرقات ؟ المقاهي فارغة على عروشها ، لا حركة و لا نأمة ، أكاد أجن ، كل فرضياتي ذهبت هباء ، لم أجن سوى ريح الخيبة . أحس بحنين للفراشة و هم يعددون جمال بضاعتهم و أنها مستوردة ذان جودة ، و لبائعي الخضر و السمك ، و لخصاماتهم الغريبة ، حيث تخرج السكاكين من قلوبهم الملأى بالضغينة ، و قد رفدتها أياد آثمة. أين القطط و الكلاب الضالة ؟ كانت إلى قريب تجوب الشوارع بكل صلف. لا ، لست نائما ، لا يمكن أن يكون هذا حلما ، أبدا ، الهواء المنعش الذي يداعب وجنتي يقول لي إنني مستيقظ. لا أعاني من ضربة شمس ، و لست تحت تأثير الهلاوس. و إذ فاجأني سرب طيور ، فقد انحنيت تفاديا لمخالبه ، حميت عيني بمرفقي لصده ، ظننته من تلك الطيور التي ظهرت في أحد أشرطة هيتشكوك. لكنها لم تؤذني ، حلقت بعيدا. لم أبال إلا بحماية نفسي ، لم أقرأ الحدث إلا بعد خروجي من الصدمة ، هناك حياة ، و إلا لما ظهرت الطيور ، هذه علامة على أني سليم الحواس. لكن ، أين ذهب الخلق ؟ هذا سؤال يحيرني ، يدخل في نفسي الخوف ، يجعلني مضطربا ، لكنه يشعرني بأني كائن اجتماعي ، فرغم حبي للعزلة و هروبي من الناس ، فذلك لا يحني حبي أن أكون وحيدا ، أن أعيش من دون الآخرين. رباه ، أيقظني من هذا الكابوس اللعين ، أخرجني من محنتي الشديدة ، أنقذني من عزلتي.. و بقيت أنتظر حدوث المعجزة ، ان يظهر الناس ، أن تعود الحياة للشوارع ، للمدينة الملعونة.
لم أدرِ كُنْه أن الإنسان كائن اجتماعي إلا اليوم حين استوحشتُ، ولأول مرة في حياتي أشتاق لشغب الشارع، لضوضاء الشارع، لتلصص أهل الحي على بعضهم؛ كلها كانت في مِلّتي سلوكيات مشينة، فكيف بي اليوم أشتاق لها وأصنفها من ثوابت الحياة؟
لا شك أن في الأمر ما يدعو للريبة، فقد يحدث أن تختل موازين التمييز عندي وأغدو فاقدا السيطرة على ملَكتي التي كنت إلى حدود الأمس أعتز بها، فهي لم تخذلني يوما.
يئستُ في تقليب الأخماس بالأسداس دون جدوى، الشارع موحش، الزقاق موحش، فرن الحي موحش، الحمام البلدي موحش.. أحسست برغبة في إفراغ حضارتي المكبوتة، فاغتنمتها فرصة حين مددت جسمي على طول الزقاق، واستلقيت ممارسا رغبتي التي كانت الضوضاء تمنعني إياها. وضعت راحتي تحت رأسي وتمددت رافعا رجلي اليمنى فوق اليسرى، وأرخيت العنان لحنجرتي تتنقل بين سطور المقامات شدواَ حيناَ وزعيقا حينا. أعجبني صوتي فجربت تقليد أصوات الحيوانات، نعقتُ ومُؤْتُ وخُرْتُ وصهلت، وحين نهقت أعجبني وزن النهيق الموزون فغاليتُ قليلا حين أغلقت عيني وتماديتُ في غيي وحريتي الفوضاوية؛ لم أشعر إلا وشرذمة من الصغار تحيط بي مشكلة دائرة. يدور الصغار في حلقة ويتصايحون" وا السكايري". فتحت عيناي في فزع وصرخت فيهم بملء جهدي وأنا أقف منتصبا:" السكايريا هما باواتكم أولاد .....".
تيقنوا أنني لست كسرانا، فابتعدوا قليلا هاربين من بطشي:" وا المسطي".
" والله ياباباكم......".
فُتِحتْ نافذةٌ مجاورة، وإذا برأس الجارة التي طالما نهرتُ صغارها وشكوتُ لها ضجيجهم المؤرق. حركت رأسها ذات اليمين وذات الشمال وصاحت:" أتعبتنا بشكاويك من صغارنا، وها أنت الآن تأتي بأسوأ مما يفعلون " ياودي يا الطالب اللي نتسناو باراكتو يا ودي؟. الله يأخذ فيك الحق، حرمت علينا اليوم الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي.
شعرتُ بضآلتي وغادرت مكرها حينا احتماء من عيون أهله.
تعليق