قنينة أحلام تائهة.
هناك في ناصية البحر ، و على مقربة من نهد الشاطئ القاحل؛ كنت أساعدها على ارتداء ثوب رملي، بدت فيه بناية حب أكثر منها امرأة عثرت عليها عارية ؛ و كأن البحر يرفضها لتكون وليمة شهية لأعماقه، واريت جسدها الغض في الرمل بسرعة قبل أن يتحوم حولها الفضوليون و بعض الكائنات الغرائزية، وجهها البراق رغم التعب البادي على ملامحها يقول أنا مسافرة على أمواج الحيرة.
قمت برش وجهها ببعض ماء البحر الذي كان يحاول ملامسة أرجلها، فتحت نوافذ عينيها بمهل، و راحت تتحسس أرجلها، و لاحت الغرابة على تقاسيم خدها النضر:
-أيمكن أن يكون لدي أرجل؟
-يعني تريدين أن يكون لك أجنحة؟
-بل زعانف..
امرأة حمقاء أرهقها منظر الغروب، حيث كانت الشمس ترتمي في أحضان المتوسط، بعيدا هناك حيث يمتطي الشباب صهوة البحر نحو الغربة؛ بحثا عن عمود إنارة لزقاق أحلامهم المنهارة. هكذا بدى جوابها.
همت بالوقوف، فارتميت على ساعديها لأمنعها من الوقوف.
-أتمنعني من الوقوف؟
-بل أمنع عيون الناس من رؤية تمثال بحري.
-ماذا تقصد؟
-أنت عارية.
-و كيف تريدني.
-عفوا، هل أنت امرأة تحب رشقنا بأنوثتها؟
-بل حورية عبثت بها رسالة حب تائهة؟
-حورية..أنت كذلك و لا أكذبك، و لكن أي رسالة نزعت عنك ثيابك؟
-رسالة وجدتها في قاع البحر، عندما كنت ألتقط الأصداف؛ لأوزعها على صديقاتي.
-في قاع البحر؟ حسبما أعرف، كنت غريقة و قد لفظك البحر هنا. و الحمد لله أنه لم يلتهمك.
-من هذا الأحمق البشري الذي أصادفه، هل كل البشر مثلك؟
-يبدو أن الحديث للنساء مرهق دائما.
أحست ببعض الدوخة في رأسها.
-إبقي مكانك مرتدية الرمال حتى أعود ببعض الملابس.
بسرعة توجهت نحو غرفة الفندق المحاذي للشاطئ حيث نزلت، و قمت بإقناع إحدى الموظفات لتعيرني بعض الملابس.
بعد مشادة معها و بصعوبة فائقة ألبستها الثياب، تأبطتها نحو الغرفة في الفندق؛ و هي تتأفف مني و لولا الإرهاق الذي تمكن منها لفرت مني.
-أنصحك أن تأخذي دشا لتستعيدي بعض نشاطك.
دخلت الدش و لم يطل الأمر حتى صاحت:
-ألم أقل لك أن لي زعانف؟.
-يا امرأة هذيانك بدأ يصيب أعصابي بالتشويش.
-تعالى و انظر كيف عادت حقيقتي.
-إن كنت تريدين أن تقومي بعمل مخل بالحياء؟ ، فرجاء افعليه بعيدا عني.
-تعالى أرجوك.
-يعني فرجة مجانية، فلأرى ما هناك.
تمتمت بهاته الكلمات و أنا أفتح باب الحمام.
-مستحيل..لا لا يمكن..
-بل صحيح.
-و لكن.....أريد توضيحا
-وقعت في شباك قارب صيد لم أقلت منه إلا بصعوبة، و بعد خلاصي كنت متهالكة جدا فجرفني التيار حيث وجدتني.
-أكملي...
دعوتها تكمل حديثها و أنا أراقب زعانفها التي كانت تغطي أرجلها.
-هل تذكر حديثي عن الرسالة.
-نعم نعم..ما خطبها.
-وجدتها داخل قنينة زجاجية في قاع المحيط، أرهقني ما كانت تحمله من ألم و حزن، امرأة تنتظر عودة زوجها من الغربة، حبيبها الذي غدرت به اليابسة؛ فارتحل يقطع البحر يبحث عما يعيد له كينونته. ثم توالت الرسائل كل أمسية. و آخر رسالة كانت مصحوبة بصورته المشرقة. عرفته من صورته، كان هو بنفسه الذي صارع عاصفة البحر، حيث كان القارب يتخفف من راكبيه ليبقى صامدا في وجه الريح العاتية، راقبت يديه و هما تتراخى و يسلما أمر جسده لقرار البحر، التقطناه نحن معشر الحوريات لنعيده لليابسة، فكل الجثث الغريقة التي تصل الشواطئ دائما من قبيل شفقتنا على تلك الأجساد الغرقى. أما وقوعي في شباك الصيد فكان بعدما قررت أن أخبر زوجته بمصيره.
عندما استعادت عافيتها قررت العودة للبحر، اصطحبتها في جنح الليل كي لا نكون عرضة للمراقبة من أعين الناس و تطفلهم، و على مقربة من الشاطئ، كانت تصل مسامعنا أصوات خافتة، دنوت منها.
كانت مجموعة شباب تحضر قاربا للإبحار، حفنة أحلام سيذروها البحر لأحشائه.
قالت لي:
-ستكون الليلة صاخبة بالأحداث.
و اختفت في عمق البحر حيث ستنهمك في مهمة انتشال بضعة أحلام لم يحتملها الوطن.
**************************
إهداء: للذين صاحبتهم أحلام في عرض البحر، حيث لم تحتمل سواعدهم النفاق و الزيف.
هناك في ناصية البحر ، و على مقربة من نهد الشاطئ القاحل؛ كنت أساعدها على ارتداء ثوب رملي، بدت فيه بناية حب أكثر منها امرأة عثرت عليها عارية ؛ و كأن البحر يرفضها لتكون وليمة شهية لأعماقه، واريت جسدها الغض في الرمل بسرعة قبل أن يتحوم حولها الفضوليون و بعض الكائنات الغرائزية، وجهها البراق رغم التعب البادي على ملامحها يقول أنا مسافرة على أمواج الحيرة.
قمت برش وجهها ببعض ماء البحر الذي كان يحاول ملامسة أرجلها، فتحت نوافذ عينيها بمهل، و راحت تتحسس أرجلها، و لاحت الغرابة على تقاسيم خدها النضر:
-أيمكن أن يكون لدي أرجل؟
-يعني تريدين أن يكون لك أجنحة؟
-بل زعانف..
امرأة حمقاء أرهقها منظر الغروب، حيث كانت الشمس ترتمي في أحضان المتوسط، بعيدا هناك حيث يمتطي الشباب صهوة البحر نحو الغربة؛ بحثا عن عمود إنارة لزقاق أحلامهم المنهارة. هكذا بدى جوابها.
همت بالوقوف، فارتميت على ساعديها لأمنعها من الوقوف.
-أتمنعني من الوقوف؟
-بل أمنع عيون الناس من رؤية تمثال بحري.
-ماذا تقصد؟
-أنت عارية.
-و كيف تريدني.
-عفوا، هل أنت امرأة تحب رشقنا بأنوثتها؟
-بل حورية عبثت بها رسالة حب تائهة؟
-حورية..أنت كذلك و لا أكذبك، و لكن أي رسالة نزعت عنك ثيابك؟
-رسالة وجدتها في قاع البحر، عندما كنت ألتقط الأصداف؛ لأوزعها على صديقاتي.
-في قاع البحر؟ حسبما أعرف، كنت غريقة و قد لفظك البحر هنا. و الحمد لله أنه لم يلتهمك.
-من هذا الأحمق البشري الذي أصادفه، هل كل البشر مثلك؟
-يبدو أن الحديث للنساء مرهق دائما.
أحست ببعض الدوخة في رأسها.
-إبقي مكانك مرتدية الرمال حتى أعود ببعض الملابس.
بسرعة توجهت نحو غرفة الفندق المحاذي للشاطئ حيث نزلت، و قمت بإقناع إحدى الموظفات لتعيرني بعض الملابس.
بعد مشادة معها و بصعوبة فائقة ألبستها الثياب، تأبطتها نحو الغرفة في الفندق؛ و هي تتأفف مني و لولا الإرهاق الذي تمكن منها لفرت مني.
-أنصحك أن تأخذي دشا لتستعيدي بعض نشاطك.
دخلت الدش و لم يطل الأمر حتى صاحت:
-ألم أقل لك أن لي زعانف؟.
-يا امرأة هذيانك بدأ يصيب أعصابي بالتشويش.
-تعالى و انظر كيف عادت حقيقتي.
-إن كنت تريدين أن تقومي بعمل مخل بالحياء؟ ، فرجاء افعليه بعيدا عني.
-تعالى أرجوك.
-يعني فرجة مجانية، فلأرى ما هناك.
تمتمت بهاته الكلمات و أنا أفتح باب الحمام.
-مستحيل..لا لا يمكن..
-بل صحيح.
-و لكن.....أريد توضيحا
-وقعت في شباك قارب صيد لم أقلت منه إلا بصعوبة، و بعد خلاصي كنت متهالكة جدا فجرفني التيار حيث وجدتني.
-أكملي...
دعوتها تكمل حديثها و أنا أراقب زعانفها التي كانت تغطي أرجلها.
-هل تذكر حديثي عن الرسالة.
-نعم نعم..ما خطبها.
-وجدتها داخل قنينة زجاجية في قاع المحيط، أرهقني ما كانت تحمله من ألم و حزن، امرأة تنتظر عودة زوجها من الغربة، حبيبها الذي غدرت به اليابسة؛ فارتحل يقطع البحر يبحث عما يعيد له كينونته. ثم توالت الرسائل كل أمسية. و آخر رسالة كانت مصحوبة بصورته المشرقة. عرفته من صورته، كان هو بنفسه الذي صارع عاصفة البحر، حيث كان القارب يتخفف من راكبيه ليبقى صامدا في وجه الريح العاتية، راقبت يديه و هما تتراخى و يسلما أمر جسده لقرار البحر، التقطناه نحن معشر الحوريات لنعيده لليابسة، فكل الجثث الغريقة التي تصل الشواطئ دائما من قبيل شفقتنا على تلك الأجساد الغرقى. أما وقوعي في شباك الصيد فكان بعدما قررت أن أخبر زوجته بمصيره.
عندما استعادت عافيتها قررت العودة للبحر، اصطحبتها في جنح الليل كي لا نكون عرضة للمراقبة من أعين الناس و تطفلهم، و على مقربة من الشاطئ، كانت تصل مسامعنا أصوات خافتة، دنوت منها.
كانت مجموعة شباب تحضر قاربا للإبحار، حفنة أحلام سيذروها البحر لأحشائه.
قالت لي:
-ستكون الليلة صاخبة بالأحداث.
و اختفت في عمق البحر حيث ستنهمك في مهمة انتشال بضعة أحلام لم يحتملها الوطن.
**************************
إهداء: للذين صاحبتهم أحلام في عرض البحر، حيث لم تحتمل سواعدهم النفاق و الزيف.
تعليق