بتلقائية اختار مقعدا قريبا منها، حيث تسمح المسافة بالتقاط أنفاسها المنفلتة من عقال قلبها، تتنفس بصعوبة بالغة تتراوح بين المتعة بالمشهد، و ألم تعتصره ابتسامة ترشق بها الموسيقي؛ الذي كان يناور مع البيانو فوق المسرح، رجل في منتصف الثلاثينيات، يرتدي نظارات سوداء. أدرك من خلالهما أنه شخص كفيف لا يستطيع رصد ابتسامتها المتداعية، توزع قلبه بينهما، امرأة يتابعها يوميا منذ أسبوع، و رجل اجتاحت مشاعره و أحاسيسه الموسيقية فؤاده.
امرأة اعترضت طريقه حين اصطدمت به في الرواق المؤدي نحو جهاز الكشف الإشعاعي، أو السكانير كما يطلق عليه أهل بلدته، فسقطت أوراقها متناثرة على بلاط الأرضية، تتسابق مع دمعها أيهم أقدر على التعريف بها لرجل مجهول الهوية.
-أنا آسف.
-الأسف لن ينفعني.
تناول أوراقها ليتناهى لسمعه حديث الممرضة لطبيبها الذي كان يشرف على الكشف عليها.
-من الصعب الحصول لها على كلية هذه الأيام.
-ليت بمقدوري أن أمنحها الأمل.
-لقد كنت صريحا معها لكي لا تعيش بقية أيامها على الوهم.
لم يكن ليغيب عنها هذا الحوار فتسمرت في مكانها و تاهت حواسها في المكان تبحث عن حضن يستدرجها لتهدأ، لتحس بالأمان و ربما بالشغف للحياة أكثر.
تابع مراقبتها عن قرب، مسافة تمنحه الاقتراب لدرجة قياس ضربات قلبها، لم تكن لتتعرف عليه، فحادث اعتراضي داخل دائرة الألم لم يكن ليسمح لها بتذكر وجهه.
استغرق الموسيقي الأعمى في عزفه، و كأنه يعزف بأوتار قلبه، ما استنهض بداخلها بؤرة الحزن و أثار أحاسيسها، كان يعزف فوق عينيها، و ينتزع الدمع رغما عنها و استسلمت للمشهد تماما منكمشة بداخلها.
تناول منديلا و قربه منها:
-شكرا.
-هل أعجبك عزفه.
-آلمني و استشعرت ألمه، أكثر من متعته بالعزف.
و فجأة سقطت مغمى عليها، فانتفض بسرعة في وسط المسرح يصرخ للمساعدة:
-اتصلوا بالنجدة أرجوكم.
أوصلها لبيتها هناك حيث تعرف بها أكثر، و وطد علاقته بها، تحين الفرصة حتى ناولها رقم هاتفه؛ لتتصل به إن عاودتها الآلام، و أدرك خلال فحصها من طرف طبيبها المشرف عليها في المستشفى؛ أنه تبقى لها أقل من أربعة أشهر، فإن لم تحصل على كلية فمصيرها الموت المحتم.
كانت الساعة تشير للعاشرة ليلا، فتوجه نحو مقهي الرواق الأنيق، هناك حيث يمارس متابعة الأعمى منذ أيام قليلة.
-صونيا.
-نعم، هل هناك شيء يمكنني أن أقدمه لك.
-عصير التفاح.
يقبل العصير و كأنه يتذوق اليد التي قدمته، و يستمتع باللحظة أكثر مما يستمتع بذوق العصير، يطارد نقرات حذائها.
-هل تستلطفها؟
-عفوا.
-أذناك تتابع تحركاتها أكثر مما أتابع أنا رشاقة خدمتها للزبائن.
-رجل خارج دائرة الضوء، ليس بإمكانه إلفات نظرها نحوه.
-هل ستصارحها بإعحابك بها؟ أم سترهق قلبك يوميا بسماعها تضحك و تتحدث للزبائن و هم يبادرونها بحديث الإعجاب، و أحيانا يغازلونها؟
-رضيت بدور اللوحة المعلقة على جدارها.
إنكمش في داخله و راح يقاسمه متابعتها، مع فارق وحيد، يراقبها و هو يصفه لها.
-أرجوك لا أريد تفاصيل جسمها، أريدك أن تصف حجم ابتسامتها، و رشاقة حديثها مع الزبائن.
-سيعذبك هذا.
-و لكنه يمنحني فرصة المواصلة للتقدم في الحياة.
-كيف؟
-أن تتقاسم الناس الفرح، و تشاركهم الألم هو جوهر إنسانيتنا.
بعد أن كشر الليل عن أنيابه، اعتدل و ابتدر الأعمى بتحية و واعده على الالتقاء كل ليلة في نفس الوقت.
عند المشرب و قبل خروجه من المقهى، همس بأذن النادلة:
-إنه معجب كبير بك.
-أعرف ذلك، و هو شخص محترم و فنان لا يدرك الناس قيمته.
-أيمكنك التحدث معه بين الحين و الآخر؟.
-سأحاول متى سمح وقت العمل. و لكن لن أعدك بأكثر من ذلك.
بعد أن انتصف الليل، اعتزم زيارة الحانة، له رغبة جامحة في إشباع فضوله أكثر.
عند باب الحانة لاحظ فتاة تتربصها أعين الذئاب، كتلة لحم شهي تستعد البهيمية البشرية لنهش براءتها البكر، كان بعضهم يتحدث لصاحب الحانة:
-من أين أتيت بها؟
-فتاة متشردة، ستكون من نصيب من يدفع أكثر.
-سأكون أول من يعلمها المتعة.
-سنرى.
-الليلة، أصر على ذلك.
-ليس بعد، لحد الساعة ما زال المزاد في تواصل.
تواصلت يومياته منقسمة على الثلاثة، و في يوم ماطر اندس بين زبائن الحانة نحو الفتاة، و هو يتحدث لمالكها:
-سأعطيك ضعف السعر الذي يقدمه أي شخص لك.
و بعد أن اتفقا و بصعوبة بالغة، تناولها منه و قام باصطحابها لبيته.
فوق الأريكة كانت تنتفض مثل حمامة تطاردها طيور كاسرة، نبضات قلبها تجاوزت حنجرتها، و راحت تتسلل من عينيها دموع تنهال على الجدران و على أثاث بيته باللعنة.
-اسمعي، لن أؤذيك.
-ابتعد عني.
أخرج من حقيبة كانت فوق طاولة بجانب الأريكة، مجموعة أوراق، و ظرفا أنيقا بلون زهري جميل.
-أنا من دائرة الشرطة الجنائية، و هذه أوراقك الجديدة التي تمنحك حياة جديدة.
ثم راح يصف لها بيتا في أحد القرى البعيدة التي لن يتمكن من إيجادها صاحب الحانة.
-غدا صباحا، حاولي أن تخرجي نحو بيتي و سأصطحبك نحو محطة الحافلات لتستقلي رحلة نحو حياتك الجديدة، قدمي هذه الرسالة لصاحب البيت و سيعرف ما سيقوم به.
بعد مائة يوم من الألم، كانوا عند قبره واقفين، و أخوه بجانبه يقف شامخا و مفتخرا به.
-أعرف بحزنكم عليه، و لكنه أراد لكم أن تعيشوا سعداء بعده.
سارع الأعمى لطرح سؤال و هو يتذوق البصر لأول مرة:
-و لكن كيف استطاع إخفاء الأمر علينا.
وضعت المرأة يدها على موقع كليتها التي حصلت عليها ذات ليلة عاصفة بالأحزان، و هي تستمع بشجن لأخيه؛ الذي كان يبلل تراب قبر أخيه بالدموع:
-كان يعاني من سرطان دماغي تمكن منه، و اكتشف الأطباء أن لا فائدة من مواصلته العلاج، و منح على أكبر تقدير مائة يوم، و كانت نصيحتهم أن ينعم بأيامه القليلة، و لكنه دائما يعكس الحياة في عقله.
تناول الأعمى زوجته النادلة و هو يراقب ابتسامتها بعينيه، هامسا بينه و بين نفسه:
-سأكون نافذتك على الحياة.
مقتبسة من فيلم Seven Pounds و تحية كبير للممثل ويل سميث لأدائه المدهش جدا.
امرأة اعترضت طريقه حين اصطدمت به في الرواق المؤدي نحو جهاز الكشف الإشعاعي، أو السكانير كما يطلق عليه أهل بلدته، فسقطت أوراقها متناثرة على بلاط الأرضية، تتسابق مع دمعها أيهم أقدر على التعريف بها لرجل مجهول الهوية.
-أنا آسف.
-الأسف لن ينفعني.
تناول أوراقها ليتناهى لسمعه حديث الممرضة لطبيبها الذي كان يشرف على الكشف عليها.
-من الصعب الحصول لها على كلية هذه الأيام.
-ليت بمقدوري أن أمنحها الأمل.
-لقد كنت صريحا معها لكي لا تعيش بقية أيامها على الوهم.
لم يكن ليغيب عنها هذا الحوار فتسمرت في مكانها و تاهت حواسها في المكان تبحث عن حضن يستدرجها لتهدأ، لتحس بالأمان و ربما بالشغف للحياة أكثر.
تابع مراقبتها عن قرب، مسافة تمنحه الاقتراب لدرجة قياس ضربات قلبها، لم تكن لتتعرف عليه، فحادث اعتراضي داخل دائرة الألم لم يكن ليسمح لها بتذكر وجهه.
استغرق الموسيقي الأعمى في عزفه، و كأنه يعزف بأوتار قلبه، ما استنهض بداخلها بؤرة الحزن و أثار أحاسيسها، كان يعزف فوق عينيها، و ينتزع الدمع رغما عنها و استسلمت للمشهد تماما منكمشة بداخلها.
تناول منديلا و قربه منها:
-شكرا.
-هل أعجبك عزفه.
-آلمني و استشعرت ألمه، أكثر من متعته بالعزف.
و فجأة سقطت مغمى عليها، فانتفض بسرعة في وسط المسرح يصرخ للمساعدة:
-اتصلوا بالنجدة أرجوكم.
أوصلها لبيتها هناك حيث تعرف بها أكثر، و وطد علاقته بها، تحين الفرصة حتى ناولها رقم هاتفه؛ لتتصل به إن عاودتها الآلام، و أدرك خلال فحصها من طرف طبيبها المشرف عليها في المستشفى؛ أنه تبقى لها أقل من أربعة أشهر، فإن لم تحصل على كلية فمصيرها الموت المحتم.
كانت الساعة تشير للعاشرة ليلا، فتوجه نحو مقهي الرواق الأنيق، هناك حيث يمارس متابعة الأعمى منذ أيام قليلة.
-صونيا.
-نعم، هل هناك شيء يمكنني أن أقدمه لك.
-عصير التفاح.
يقبل العصير و كأنه يتذوق اليد التي قدمته، و يستمتع باللحظة أكثر مما يستمتع بذوق العصير، يطارد نقرات حذائها.
-هل تستلطفها؟
-عفوا.
-أذناك تتابع تحركاتها أكثر مما أتابع أنا رشاقة خدمتها للزبائن.
-رجل خارج دائرة الضوء، ليس بإمكانه إلفات نظرها نحوه.
-هل ستصارحها بإعحابك بها؟ أم سترهق قلبك يوميا بسماعها تضحك و تتحدث للزبائن و هم يبادرونها بحديث الإعجاب، و أحيانا يغازلونها؟
-رضيت بدور اللوحة المعلقة على جدارها.
إنكمش في داخله و راح يقاسمه متابعتها، مع فارق وحيد، يراقبها و هو يصفه لها.
-أرجوك لا أريد تفاصيل جسمها، أريدك أن تصف حجم ابتسامتها، و رشاقة حديثها مع الزبائن.
-سيعذبك هذا.
-و لكنه يمنحني فرصة المواصلة للتقدم في الحياة.
-كيف؟
-أن تتقاسم الناس الفرح، و تشاركهم الألم هو جوهر إنسانيتنا.
بعد أن كشر الليل عن أنيابه، اعتدل و ابتدر الأعمى بتحية و واعده على الالتقاء كل ليلة في نفس الوقت.
عند المشرب و قبل خروجه من المقهى، همس بأذن النادلة:
-إنه معجب كبير بك.
-أعرف ذلك، و هو شخص محترم و فنان لا يدرك الناس قيمته.
-أيمكنك التحدث معه بين الحين و الآخر؟.
-سأحاول متى سمح وقت العمل. و لكن لن أعدك بأكثر من ذلك.
بعد أن انتصف الليل، اعتزم زيارة الحانة، له رغبة جامحة في إشباع فضوله أكثر.
عند باب الحانة لاحظ فتاة تتربصها أعين الذئاب، كتلة لحم شهي تستعد البهيمية البشرية لنهش براءتها البكر، كان بعضهم يتحدث لصاحب الحانة:
-من أين أتيت بها؟
-فتاة متشردة، ستكون من نصيب من يدفع أكثر.
-سأكون أول من يعلمها المتعة.
-سنرى.
-الليلة، أصر على ذلك.
-ليس بعد، لحد الساعة ما زال المزاد في تواصل.
تواصلت يومياته منقسمة على الثلاثة، و في يوم ماطر اندس بين زبائن الحانة نحو الفتاة، و هو يتحدث لمالكها:
-سأعطيك ضعف السعر الذي يقدمه أي شخص لك.
و بعد أن اتفقا و بصعوبة بالغة، تناولها منه و قام باصطحابها لبيته.
فوق الأريكة كانت تنتفض مثل حمامة تطاردها طيور كاسرة، نبضات قلبها تجاوزت حنجرتها، و راحت تتسلل من عينيها دموع تنهال على الجدران و على أثاث بيته باللعنة.
-اسمعي، لن أؤذيك.
-ابتعد عني.
أخرج من حقيبة كانت فوق طاولة بجانب الأريكة، مجموعة أوراق، و ظرفا أنيقا بلون زهري جميل.
-أنا من دائرة الشرطة الجنائية، و هذه أوراقك الجديدة التي تمنحك حياة جديدة.
ثم راح يصف لها بيتا في أحد القرى البعيدة التي لن يتمكن من إيجادها صاحب الحانة.
-غدا صباحا، حاولي أن تخرجي نحو بيتي و سأصطحبك نحو محطة الحافلات لتستقلي رحلة نحو حياتك الجديدة، قدمي هذه الرسالة لصاحب البيت و سيعرف ما سيقوم به.
بعد مائة يوم من الألم، كانوا عند قبره واقفين، و أخوه بجانبه يقف شامخا و مفتخرا به.
-أعرف بحزنكم عليه، و لكنه أراد لكم أن تعيشوا سعداء بعده.
سارع الأعمى لطرح سؤال و هو يتذوق البصر لأول مرة:
-و لكن كيف استطاع إخفاء الأمر علينا.
وضعت المرأة يدها على موقع كليتها التي حصلت عليها ذات ليلة عاصفة بالأحزان، و هي تستمع بشجن لأخيه؛ الذي كان يبلل تراب قبر أخيه بالدموع:
-كان يعاني من سرطان دماغي تمكن منه، و اكتشف الأطباء أن لا فائدة من مواصلته العلاج، و منح على أكبر تقدير مائة يوم، و كانت نصيحتهم أن ينعم بأيامه القليلة، و لكنه دائما يعكس الحياة في عقله.
تناول الأعمى زوجته النادلة و هو يراقب ابتسامتها بعينيه، هامسا بينه و بين نفسه:
-سأكون نافذتك على الحياة.
مقتبسة من فيلم Seven Pounds و تحية كبير للممثل ويل سميث لأدائه المدهش جدا.
تعليق