التباس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أم عفاف
    غرس الله
    • 08-07-2012
    • 447

    التباس

    التبـــــــاس...


    أوّل مرّة تقاطعت فيها نظرتهما أضاءت وجهه إشراقة طفوليّة فطأطأ ساحبا ابتسامة مرتبكة إلى داخله ......ملاك رقص على صفو جبينه ....حمرة عرتْ وشي وجنتيه ....ومضى ...

    قطعان من الغيوم المتلاشية تخبّ في مجرى الدّم .... سرب من التساؤلات يخيم على رصيف أخيلتها ....ما القصّة ...؟أهو القدر يستبلهها مرة أخرى وأخرى ...؟ يلقيه في طريقها ليوقفها على حقيقة الأحداث كما يرسمها التّاريخ لا كما تتراءى في عينيها ...؟ أهي عبثيّة الوجود تدحرجها من القمّة إلى السّفح لتسخر من سعيها وتستهين بقدراتها ...؟
    أهي الذّات الإلهيّة توغل في التّعالي إذلالا للأنثى الّتي ستظلّ ناقصة مهما حاولت الدّنوّ من السّماء ...؟

    ماذا يريد الله منها وهو الّذي خلقها من عجينة طيّعة تشكّلها نفحات الوجدان؟ وكيف يطلب منها أن تكون ملاكا نورانيا و طينها اللّزج لا يثبت على شاكلة ...؟

    لماذا حين يقف أمامها تُراها فيه تتلألأ كزمرّدة أزهر ألقها على ضفاف الكوثر ...؟ ولماذا لا يحصل ذلك مع آخر؟
    كان في عينيه رجاء بألاّ تسأله عن شيء وأن تستسلم لنفس المدار الذي تحمله أفلاكه إلى كون بلا عواصف ... كون يستأنس فيه بصوتها يحمله على غيمة أثيرية ،تلهيه عن ألمه وتسحبه من غصّته .....كان يعرف أنّها كلّما جنّ الليل تعجن من أوهام عزمها لعبة الفراق لتقنعه باستحالة ما بينهما ....طفلا كان تراكمت من حوله صفائح الجليد .إذا انتهت حصّة العمل اقتعد فكرة تحت جدائل الشّمس في انتظارها، وتراه من بعيد كسيحا ،يمدّ حبل الاستغاثة إليها .....غارقا في وحدة لا يطرَق بابها أحد ...وتعاند غير أنّها لا تلبث أن تكسر لعبتها، تبعثر أجزاءها قطعة قطعة في الطّريق إليه ...وإذا ألهتها اللّعبة عنه ،وخاب رجاؤه، قطع كلّ السّلاسل الّتي تثقل رجولته وهبّ إليها ....فتلين، وتطوّح به الشّكوى ...وتهيم بين أسئلتها وحضوره ... .
    لم يكن يكلّم من العمّال أحدا سواها ....وكان يفتعل الأسباب ليلقي بنظرة خاطفة عليها من خلال زجاج المكتب أو من خلال الكوّة الصّغيرة التي تربطها بالعملاء ....يفعل ذلك اختلاسا فيجني ابتسامة مكبوتة، أو هزّة استنكار، فيضحك بلا صوت ويغيب ليظهر من جديد بتعلّة ثانية .....
    تململت من حولهما الشّكوك واستيقظت براكين الفضول .....
    بين الرّغبة والرّهبة استقرّ سلطان الفاعل يراود الأحداث .....
    كلّ العيون غدت عدسات التقاط لا تغفو ......وكل المواقع مراصد على أهبة :وقفت إليه ....ابتسم لها
    .....إنّهما معا ...ماذا يقولان ...؟ما الّذي بينهما ...؟
    تحرّر الحديث عنهما من قيد التردّد ....تحرّقت الأرواح من أجل لحظة غور لاستجلاء الكامن ...
    انتبذ همومه غير آبه .....ومضت في حربها تلفّ صمتها
    أصابع الغرابة ....غريب ما بداخلها .....غريبة هي
    الحقيقة ....تجلدها سياط الاستنكار ويتلقّفها اليقين بأنها شخص آخر يسكنها ...شخص يولد من جديد فيها ....بلا هويّة ....بلا ملامح ....شخص يستسلم لسيل الحياة تجرفه في مسارها إلى عالم مبهم ...عالم محفوف بالدّهشة والذّهول ....
    من حولهما انتصبت شرفات للانتظار ......ونهشت
    الوساوس جسد الفضيلة لتحيك روايات بوجوه عدّة ..
    حكايا تعرّش على سمّاعات الهاتف ....في الزّوايا .....رسائل مشفّرة تترجمها الغمزات والهمزات وابتسامات ملوّنة ...
    الكلّ يتعاطفون مع المجهول ....الكلّ ينتصرون للعفّة...
    كان لغزا مستعصيا...لم تفلّ فيه نظرات الإدانة ولا حرّك ساكنه خوف .......
    لو كانت رجلا لساورتها الشّكوك بأنه ابن ضالّ راودتها عنه لحظة شبق عابرة لكنها أنثى تحصي زهراتها زهرة زهرة وتعرف غلالها ثمرة ثمرة ....
    المرّة الوحيدة التي مدّت فيها إليه يدها ردّها واكتفى بوضع يده على صدره متأسّفا...
    لم تصافحه ....لم تلمس يدها كفّه .....لم يضع يده
    في حركة عفويّة على كتفيها ....لم يردّ شعرها
    المتطاير ....لم تحطّ طيور نظرته على عنقها ولا رست سفن شهوته على نهديها ...لم تباغته يختلها بالتهام خصرها ولا اغتسلت حدقتاه في نهر مآقيها .....لم يفتعل الاقتراب ليستشعر عبق أنوثتها ....على مسافة الطّيف وقفت ووقف الجميع خلف الأحداث في استنفار ....صارا غذاء للدقائق والسّاعات وتناثر الفتات يؤلّف لقصّة من ألف ليلة وليلة ...
    أوقفت عجلة الزّمن بالهروب وصارت تسبقه في الخروج ..تستحثّ خطاها لتقطع عليه اللّحاق بها ...تغيّر أمكنة تواجدها ...تفجؤه بالغياب ....تتجاهل أنّها رأته ....ويتعب الجميع ....تطالهم معاناة السّؤال الّذي يستخفّ بهم ويستفزّهم في تحدّ...وتمدّ الصّحراء ألسنتها ا إلى شغاف انتظارهم فيعرفون الظّمأ .....:ماذا حصل ...؟ لماذا لا يلتقيان كالعادة ...؟ لماذا لا تسعى إليه ...؟ هل تخاصما ...؟ هل يلتقيان في مكان آخر ...؟ أما كان مجرّد وهم ...؟
    كانت تشهد انكسار خطاه تحت وطأة الجفاء فتتكاثف أجنّة الرّأفة بين أضلعها، وتوشك على الارتداد ولا تفعل بل يزيد تحصّنها بالتخفّي إلى أن اقتحم عليها خلوتها يوما والدّمع يتراقص في عينيه، ينفرط متدحرجا ليفكّ عقدة لسانه :" فليذهبوا إلى الجحيم ..."قال في شبه صرخة .... كادت تقف إجلالا للحظة استثنائية يصنعها القهر .....كادت تنفلت منها يداها ..تضمّانه ...تخلّل شعره كما تفعل مع ابنها الصّغير ....كادت تفتح له صدرها ....تهدهده ...تجفّف دمعه
    ولكنّها ابتلعت صمتها وهي تحاول التنفّس دون تنهّد ..عرتها حيرة ...لا بل خوف ...نقمة ....نظر في عينيها لأوّل مرّة، فرأت عمق الأسى ....
    وكان ذلك آخر عهد لها برؤيته ....شرّع فسحة للرّهبة وغاب .....لم يسألها عنه أحد ولم تجد الجرأة لتسأل عنه أحدا .
    مضت أشهر والغيم لا ينقشع عن سماء إطراقتها...
    جاست داخلها ....كانت تسكنها رائحته .
    و تجوب الشّوارع في طريق عودتها متفرّسة المارّة ثم تعود إلى البيت خائبة .
    تفتعل الانخراط في دور الأمّ المرحة وسرعان ما يسري الخذلان إلى ادّعاءاتها ويركب الوجوم شفتيها .تنصرف إلى المطبخ تعدّ وجبة يحبّها الأطفال أو تجلس إلى التّلفاز تتابع شريطا لا يخترق زجاج عينيها ....
    وذات أصيل تهادى صوت أمّه إليها لم تنتظر لتسمعها ...سألتها عن العنوان ....اهتدت بحدسها إلى أن مكروها أصابه .....هبّت تقطع المسافة وتقطعها الأضواء الحمراء نصفين ...
    كلّما تسحّب تفكيرها يحدّثها بالعدول أشلّته ....كان بداخلها غول لأنثى تقودها حواسّها إلى حيث يجب أن تكون ....طرقت الباب،فتحت لها امرأة وسط بدت على وجهها دهشة سرقت لسانها .أشارت لها بالدّخول وهي تفترس ملامحها .
    وبصعوبة قالت :" أنا عمّته، أنا ربّيته بـعـــد وفاة أمّه...
    " ويظهر أنها لم تستطع إكمال كلامها وإنّما رفعت رأسها إلى صورة تتصدّر الجدار وغلالة من الدّموع تغشى عينيها .
    اقتربت من الصّورة ،دقّقت النّظر ،تفرّست جيدا ...
    كادت تشهق وهي ترى وجهها في امرأة أخرى تقف إلى جوار شاب وسيم ... وبينهما وقف طفل يبتسم إليها... وقبل أن تحزم كتلة الأحداث نفسها وتتكئ في زاوية من الذّاكرة وجدت خطاها تفرّ من وطأة خيبتها فتبعتها صاغرة ...
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    #2
    كادت تشهق وهي ترى وجهها في امرأة أخرى تقف إلى جوار شاب وسيم ... وبينهما وقف طفل يبتسم إليها... وقبل أن تحزم كتلة الأحداث نفسها وتتكئ في زاوية من الذّاكرة وجدت خطاها تفرّ من وطأة خيبتها فتبعتها صاغرة ...



    الأستاذة أم عفاف التبست علي الخاتمة حقا

    لم أفهم جيدا

    هل كان البيت الذي قصدته غير بيت الذي كانت تدور بينه و بينها قصة نار
    أم كانت مجرد طيف له طارده لحظات وهم

    و لكن الحق القصة مدهشة
    تفاصيل أتقنت حبكها و بلغة راقية جدا و ممتعة كنت مشدودا للنص بقوة

    رائع رائع
    و هذا ما كنت أنتظره حقيقة منك

    سأعود للنص لقرائته لأفهمه جيدا ربما غاب عني أثناء القراءة خيط ما
    تقديري استاذتي أم عفاف
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      عدت و استنتجت أنها أمه ربما؟
      فالحديث الذي استهللت به القصة و نظراته البريئة الموجهة نحوها كانت قمة طفولته و احتياجه لها

      هل أخطأت أستاذتي
      فالعنوان يوحي بان هناك التباس في فهم مشاعر هذا الرجل


      تقديري أستاذتي
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • أم عفاف
        غرس الله
        • 08-07-2012
        • 447

        #4
        أستاذ بسباس عبدالرزاق صباح الخيرات
        من دواعي امتناني أن تكون دائما حاضرا
        إن لم يكن التباسا ما كان القارئ أيضا يقع فيه
        شرط أساسي أن تطرح الأسئلة أستاذي أما الحقيقة التي كنا نعتقد أنها ذات وجه واحد فقد صار لها ألف قناع حتى التبس علينا الأمر
        وصرنا لا نفرق بين الوجه الحقيق والاقنعة
        لك تقديري وفوق ذلك مودة خالصة
        تحايا

        تعليق

        • نجاح عيسى
          أديب وكاتب
          • 08-02-2011
          • 3967

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أم عفاف مشاهدة المشاركة
          التبـــــــاس...


          أوّل مرّة تقاطعت فيها نظرتهما أضاءت وجهه إشراقة طفوليّة فطأطأ ساحبا ابتسامة مرتبكة إلى داخله ......ملاك رقص على صفو جبينه ....حمرة عرتْ وشي وجنتيه ....ومضى ...

          قطعان من الغيوم المتلاشية تخبّ في مجرى الدّم .... سرب من التساؤلات يخيم على رصيف أخيلتها ....ما القصّة ...؟أهو القدر يستبلهها مرة أخرى وأخرى ...؟ يلقيه في طريقها ليوقفها على حقيقة الأحداث كما يرسمها التّاريخ لا كما تتراءى في عينيها ...؟ أهي عبثيّة الوجود تدحرجها من القمّة إلى السّفح لتسخر من سعيها وتستهين بقدراتها ...؟
          أهي الذّات الإلهيّة توغل في التّعالي إذلالا للأنثى الّتي ستظلّ ناقصة مهما حاولت الدّنوّ من السّماء ...؟

          ماذا يريد الله منها وهو الّذي خلقها من عجينة طيّعة تشكّلها نفحات الوجدان؟ وكيف يطلب منها أن تكون ملاكا نورانيا و طينها اللّزج لا يثبت على شاكلة ...؟

          لماذا حين يقف أمامها تُراها فيه تتلألأ كزمرّدة أزهر ألقها على ضفاف الكوثر ...؟ ولماذا لا يحصل ذلك مع آخر؟
          كان في عينيه رجاء بألاّ تسأله عن شيء وأن تستسلم لنفس المدار الذي تحمله أفلاكه إلى كون بلا عواصف ... كون يستأنس فيه بصوتها يحمله على غيمة أثيرية ،تلهيه عن ألمه وتسحبه من غصّته .....كان يعرف أنّها كلّما جنّ الليل تعجن من أوهام عزمها لعبة الفراق لتقنعه باستحالة ما بينهما ....طفلا كان تراكمت من حوله صفائح الجليد .إذا انتهت حصّة العمل اقتعد فكرة تحت جدائل الشّمس في انتظارها، وتراه من بعيد كسيحا ،يمدّ حبل الاستغاثة إليها .....غارقا في وحدة لا يطرَق بابها أحد ...وتعاند غير أنّها لا تلبث أن تكسر لعبتها، تبعثر أجزاءها قطعة قطعة في الطّريق إليه ...وإذا ألهتها اللّعبة عنه ،وخاب رجاؤه، قطع كلّ السّلاسل الّتي تثقل رجولته وهبّ إليها ....فتلين، وتطوّح به الشّكوى ...وتهيم بين أسئلتها وحضوره ... .
          لم يكن يكلّم من العمّال أحدا سواها ....وكان يفتعل الأسباب ليلقي بنظرة خاطفة عليها من خلال زجاج المكتب أو من خلال الكوّة الصّغيرة التي تربطها بالعملاء ....يفعل ذلك اختلاسا فيجني ابتسامة مكبوتة، أو هزّة استنكار، فيضحك بلا صوت ويغيب ليظهر من جديد بتعلّة ثانية .....
          تململت من حولهما الشّكوك واستيقظت براكين الفضول .....
          بين الرّغبة والرّهبة استقرّ سلطان الفاعل يراود الأحداث .....
          كلّ العيون غدت عدسات التقاط لا تغفو ......وكل المواقع مراصد على أهبة :وقفت إليه ....ابتسم لها
          .....إنّهما معا ...ماذا يقولان ...؟ما الّذي بينهما ...؟
          تحرّر الحديث عنهما من قيد التردّد ....تحرّقت الأرواح من أجل لحظة غور لاستجلاء الكامن ...
          انتبذ همومه غير آبه .....ومضت في حربها تلفّ صمتها
          أصابع الغرابة ....غريب ما بداخلها .....غريبة هي
          الحقيقة ....تجلدها سياط الاستنكار ويتلقّفها اليقين بأنها شخص آخر يسكنها ...شخص يولد من جديد فيها ....بلا هويّة ....بلا ملامح ....شخص يستسلم لسيل الحياة تجرفه في مسارها إلى عالم مبهم ...عالم محفوف بالدّهشة والذّهول ....
          من حولهما انتصبت شرفات للانتظار ......ونهشت
          الوساوس جسد الفضيلة لتحيك روايات بوجوه عدّة ..
          حكايا تعرّش على سمّاعات الهاتف ....في الزّوايا .....رسائل مشفّرة تترجمها الغمزات والهمزات وابتسامات ملوّنة ...
          الكلّ يتعاطفون مع المجهول ....الكلّ ينتصرون للعفّة...
          كان لغزا مستعصيا...لم تفلّ فيه نظرات الإدانة ولا حرّك ساكنه خوف .......
          لو كانت رجلا لساورتها الشّكوك بأنه ابن ضالّ راودتها عنه لحظة شبق عابرة لكنها أنثى تحصي زهراتها زهرة زهرة وتعرف غلالها ثمرة ثمرة ....
          المرّة الوحيدة التي مدّت فيها إليه يدها ردّها واكتفى بوضع يده على صدره متأسّفا...
          ل
          م تصافحه ....لم تلمس يدها كفّه .....لم يضع يده
          في حركة عفويّة على كتفيها ....لم يردّ شعرها
          المتطاير ....لم تحطّ طيور نظرته على عنقها ولا رست سفن شهوته على نهديها ...لم تباغته يختلها بالتهام خصرها ولا اغتسلت حدقتاه في نهر مآقيها .....لم يفتعل الاقتراب ليستشعر عبق أنوثتها ....على مسافة الطّيف وقفت ووقف الجميع خلف الأحداث في استنفار ....صارا غذاء للدقائق والسّاعات وتناثر الفتات يؤلّف لقصّة من ألف ليلة وليلة ...
          أوقفت عجلة الزّمن بالهروب وصارت تسبقه في الخروج ..تستحثّ خطاها لتقطع عليه اللّحاق بها ...تغيّر أمكنة تواجدها ...تفجؤه بالغياب ....تتجاهل أنّها رأته ....ويتعب الجميع ....تطالهم معاناة السّؤال الّذي يستخفّ بهم ويستفزّهم في تحدّ...وتمدّ الصّحراء ألسنتها ا إلى شغاف انتظارهم فيعرفون الظّمأ .....:ماذا حصل ...؟ لماذا لا يلتقيان كالعادة ...؟ لماذا لا تسعى إليه ...؟ هل تخاصما ...؟ هل يلتقيان في مكان آخر ...؟ أما كان مجرّد وهم ...؟
          كانت تشهد انكسار خطاه تحت وطأة الجفاء فتتكاثف أجنّة الرّأفة بين أضلعها، وتوشك على الارتداد ولا تفعل بل يزيد تحصّنها بالتخفّي إلى أن اقتحم عليها خلوتها يوما والدّمع يتراقص في عينيه، ينفرط متدحرجا ليفكّ عقدة لسانه :" فليذهبوا إلى الجحيم ..."قال في شبه صرخة .... كادت تقف إجلالا للحظة استثنائية يصنعها القهر .....كادت تنفلت منها يداها ..تضمّانه ...تخلّل شعره كما تفعل مع ابنها الصّغير ....كادت تفتح له صدرها ....تهدهده ...تجفّف دمعه
          ولكنّها ابتلعت صمتها وهي تحاول التنفّس دون تنهّد ..عرتها حيرة ...لا بل خوف ...نقمة ....نظر في عينيها لأوّل مرّة، فرأت عمق الأسى ....
          وكان ذلك آخر عهد لها برؤيته ....شرّع فسحة للرّهبة وغاب .....لم يسألها عنه أحد ولم تجد الجرأة لتسأل عنه أحدا .
          مضت أشهر والغيم لا ينقشع عن سماء إطراقتها...
          جاست داخلها ....كانت تسكنها رائحته .
          و تجوب الشّوارع في طريق عودتها متفرّسة المارّة ثم تعود إلى البيت خائبة .
          تفتعل الانخراط في دور الأمّ المرحة وسرعان ما يسري الخذلان إلى ادّعاءاتها ويركب الوجوم شفتيها .تنصرف إلى المطبخ تعدّ وجبة يحبّها الأطفال أو تجلس إلى التّلفاز تتابع شريطا لا يخترق زجاج عينيها ....
          وذات أصيل تهادى صوت أمّه إليها لم تنتظر لتسمعها ...سألتها عن العنوان ....اهتدت بحدسها إلى أن مكروها أصابه .....هبّت تقطع المسافة وتقطعها الأضواء الحمراء نصفين ...
          كلّما تسحّب تفكيرها يحدّثها بالعدول أشلّته ....كان بداخلها غول لأنثى تقودها حواسّها إلى حيث يجب أن تكون ....طرقت الباب،فتحت لها امرأة وسط بدت على وجهها دهشة سرقت لسانها .أشارت لها بالدّخول وهي تفترس ملامحها .
          وبصعوبة قالت :" أنا عمّته، أنا ربّيته بـعـــد وفاة أمّه...
          " ويظهر أنها لم تستطع إكمال كلامها وإنّما رفعت رأسها إلى صورة تتصدّر الجدار وغلالة من الدّموع تغشى عينيها .
          اقتربت من الصّورة ،دقّقت النّظر ،تفرّست جيدا ...
          كادت تشهق وهي ترى وجهها في امرأة أخرى تقف إلى جوار شاب وسيم ... وبينهما وقف طفل يبتسم إليها... وقبل أن تحزم كتلة الأحداث نفسها وتتكئ في زاوية من الذّاكرة وجدت خطاها تفرّ من وطأة خيبتها فتبعتها صاغرة ...


          صباحك جميل مبارك اخت صالحة ..
          ...ونص ساحر ( بدون أي مجاملة) ...يالروعة قلمك ..وأرجو ألا ازعجك لو قلت أنها من أجمل ما قرأت لك ...
          لستُ ناقدة ..ولا أظنني سأكون ..، لكن كمتذوقة اقول لقد كانت قراءة هذا النص متعة بِحق ..
          عبارات سلسة .واسلوب رائع رائق ..لا لبس فيه ..ولا عثرات ..ومفردات منتقاة بعناية ورويّة ..
          كل هذا اجتمع ليتألق باقة مشاعر إنسانية ملونة ...رغم الأسى ...والحزن الذي يلفها بشريط
          من الشجن والإلتباس ...
          راقتني جدا ام عفاف ..سيما تلك الفقرات التي لونتُها بالأحمر ...حقاً أنك لكاتبة متمكنة من ادواتها ..
          خصوصاً هذه العبارة ( لو كانت رجلا لساورتها الشّكوك بأنه ابن ضالّ راودتها عنه لحظة شبق عابرة لكنها أنثى تحصي زهراتها زهرة زهرة ) هي ليست اجمل ما في القصة من عبارات طبعاً ...لكنها والحق راقتني جداً لتميزها ..!
          قوية هذه العبارة ..ورصينة ...ومعبرة عن ثقة وكبرياء الأنوثة ..الحقّة..حين تترفع عن الدنايا وتتنزه عن النزوات ..!!
          ألف تحية سيدتي الكريمة ..
          مع خالص ودي وتمنياتي ..لقلمك الرزين بالمزيد من التألق والإبداع ...
          صباحك خير وبركة ..
          ونهارك سعيد بِرضى الرحمن ...

          التعديل الأخير تم بواسطة نجاح عيسى; الساعة 31-05-2014, 04:23.

          تعليق

          • مناف بن مسلم
            أديب وكاتب
            • 19-09-2013
            • 72

            #6
            سرب من التساؤلات يخيم على رصيف أخيلتها ....ما القصّة ...؟أهو القدر يستبلهها مرة أخرى وأخرى ...؟ يلقيه في طريقها ليوقفها على حقيقة الأحداث كما يرسمها التّاريخ لا كما تتراءى في عينيها ...؟
            الاستاذة ام عفاف
            تلك هي الفصة دائما ... نحن نرى .. نحن نفهم .. ولكن الحقيقة شيء اخر ... تولد القصة من نص نقرأه .. نغرق بين امواج كلماته لكن يبقى القارء ( غارقا في وحدة لا يطرَق بابها أحد )
            نص عميق عميق جدا ... يلامس القلب ويثير التساؤلات
            لكي كل التقدير والاحترام ايتها الاستاذة الرائعة
            مناف بن مسلم

            تعليق

            • أم عفاف
              غرس الله
              • 08-07-2012
              • 447

              #7
              [QUOTE=نجاح عيسى;1069667]صباحك جميل مبارك اخت صالحة ..
              ...ونص ساحر ( بدون أي مجاملة) ...يالروعة قلمك ..وأرجو ألا ازعجك لو قلت أنها من أجمل ما قرأت لك ...
              لستُ ناقدة ..ولا أظنني سأكون ..، لكن كمتذوقة اقول لقد كانت قراءة هذا النص متعة بِحق ..
              عبارات سلسة .واسلوب رائع رائق ..لا لبس فيه ..ولا عثرات ..ومفردات منتقاة بعناية ورويّة ..
              كل هذا اجتمع ليتألق باقة مشاعر إنسانية ملونة ...رغم الأسى ...والحزن الذي يلفها بشريط
              من الشجن والإلتباس ...
              راقتني جدا ام عفاف ..سيما تلك الفقرات التي لونتُها بالأحمر ...حقاً أنك لكاتبة متمكنة من ادواتها ..
              خصوصاً هذه العبارة ( لو كانت رجلا لساورتها الشّكوك بأنه ابن ضالّ راودتها عنه لحظة شبق عابرة لكنها أنثى تحصي زهراتها زهرة زهرة ) هي ليست اجمل ما في القصة من عبارات طبعاً ...لكنها والحق راقتني جداً لتميزها ..!
              قوية هذه العبارة ..ورصينة ...ومعبرة عن ثقة وكبرياء الأنوثة ..الحقّة..حين تترفع عن الدنايا وتتنزه عن النزوات ..!!
              ألف تحية سيدتي الكريمة ..
              مع خالص ودي وتمنياتي ..لقلمك الرزين بالمزيد من التألق والإبداع ...
              صباحك خير وبركة ..
              ونهارك سعيد بِرضى الرحمن ...

              [/QUOTE
              نجاح العزيزة
              كم أنا فخورة بأن تكوني قريبة
              تقرئينني كما أقرؤك ، مازلت على مسافة وأنت محقة حين قلت أنني لا أدخل نصوصك .
              يستحيل أن يكون الأمر مقصودا ،لكن وجب صديقتي ،وجب أن أدخل نصوصك كلما أتيحت الفرصة .
              ليتنا ندخلها منافسة نزيهة ترفعنا وترتقي بما نكتب وليتني أكون قريبة من ذوقك الرفيع فعلا .
              والله أنني سعيدة فوق السعادة بدخولك نصي المتواضع هذا وأسعد بإعجابك واهتمامك بتشريحه ومفصلته .
              شكرا لأنك كنت هنا .وسأنتظر دائما طلّتك الجميلة والمميزة .
              كل محبّتي واحترامي

              تعليق

              • اياد الخطيب
                أديب وكاتب
                • 27-02-2014
                • 52

                #8
                " الكلّ ينتصر للعفّة " وأنا أنتصر لأمّ عفاف
                أنغمس في سحر الكلمات التي تمتطي أجنحة الطيور
                وهذا الشعر الذي يفوح من بين السطور
                وهذا الشغف الكامن في عتمة الصدور
                تستحقين الاحترام يا سيدتي وأنتظر أن أقرأ لك المزيد من النصوص .

                تعليق

                • حواء الأزداني
                  أديبة وكاتبة
                  • 28-10-2013
                  • 138

                  #9
                  نص في قمة الروعة ..قلم يتبربع فوق صروح الأقلام الأخرى بلا شك ..لك أجمل الحب أستاذتي القديرة .
                  حــــــواء الأزداني

                  ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

                  تعليق

                  • حدريوي مصطفى
                    أديب وكاتب
                    • 09-11-2012
                    • 100

                    #10
                    لا التباس في الأحاسيس...
                    كانت صادقة، تنسكب ناعمة كالقطر من بين الغيم...
                    فلا تكلفة ولا حشو ، لعل التلقائية والحس الأنثوي الراقي كانا القائد...
                    استمتعت حقا بهذا النص
                    مودتي وفائق احترامي
                    بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

                    تعليق

                    يعمل...
                    X