فراغ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    فراغ

    ها أنت أيها المتعب تعود إلى مقهاك بعد طول غياب ، ترمي جسدك على أول طاولة فارغة وجدتها ، رغم أنك كنت تفضل أن تكون مطلة على الشارع بشكل مباشر. لاتغيير ، كل الأشياء مازلت في موضعها رغم عقدين من الزمن ، الكراسي ، الجدران .. صخب لاعبي الورق في الركن القصي من المقهى ، تلك الجماعة المنكبة على الشبكة المسهمة بتوتر ، لكن أصدقاءك غير موجودين ، تفرقت بهم السبل ، كل في مكان . تستغرق في تأملك ، تستعيد ذكريات طيبة تربطك بالمكان . لا يخرجك منها سوى النادل الذي أقبل عليك هاشا و كأنك لم تغادر المقهى أبدا؛ يحمل لك مشروبك المعتاد ، شايا بالنعناع. يضعه أمامك ، و يسلم عليك بحرارة ، ثم يقدم لك الجريدة كما تعود أن يفعل. ينصرف صامتا . حتى هو لم يمسسه التغيير ،أو هكذا بدا لك، كأن كل شيء في هذا المكان مقاوم لعوامل الزمن و عواديه. من أين يأتون بالمقاومة ؟ أمر عجيب ..
    تتأمل صفحات الجريدة ، تنظر إلى العناوين البارزة ، تعزف لحن الإثارة ، تريد استقطاب قراء كثر. لا جديد سوى الملل. تطوح بها فوق الكرسي باشمئزاز.
    تنظر إلى الأفق البعيد ترجوه أن يفرج عن جديده..تنظر إلى سرب الطيور المحلقة ، تسبح في الفضاء بمتعة ، تعلو و تنخفض بانسيابية ، مرة ترفرف بأجنحتها ، و مرة تترك للريح تلاعبها ..ثم بعد تعب تحط فوق الأشجار السامقة.
    أمامك حديقة فيحاء مغلقة في وجه الزوار ، لا يرتادها أحد ، تحيط بالمكان أسوار قديمة ، مترهلة ، كلما أعلنت الانهيار ، سارعت الجهات المسؤولة إلى تقويمها حتى صارت بمثابة رجل مطروح فوق سرير أبيض ، يرتبط بالحياة بأنابيب مغذية. تحس بتلك الأسوار الشائخة صخرة فوق قلبك تعسر تنفسك. تلهيك عن سماع أغنية مطربتك المفضلة ، و هي تصدح بأغنية " أطلال" الرائعة.
    تمد نظرك إلى قاع الشارع ، تنتظر ذاك الرجل الذي يدفع عربته المليئة بسقط المتاع ، لا يخلف موعده أبدا ، تنظر إليه يدفع عربته إلى الأعلى ، لا تعرف أين يذهب بها بعد ذلك ، لا تعرف أين يصرفها ، لا تعرف سوى أنه يعود بقليل من النقود لإعالة أسرته الصغيرة ، و مساندة طفله الوحيد ، يريده أن يتفوق في دراسته ، ليحقق الرقي الاجتماعي..لكن الرجل لا يظهر ، رغم رجائك الداخلي ، و حين يحل الغروب ، و يعلن النهار عن انصرافه بعد رحلة تعب ، تسقط من عينيك المتحجرتين دمعة ، تكفكفها بصمت بكم قميصك ، تصر تنهيدة طويلة ، ثم تقفل عائدا إلى بيتك ، هناك ، تصفعك البرودة و الفراغ..

  • عاشقة الادب
    أديب وكاتب
    • 16-11-2013
    • 240

    #2
    يتغير الانسان ويكبر ويرحل عن الاماكن التي تعودت ان تحضنه لكن هي تبقى كما هي وفية لذكرى ما ان تعود اليها تحتضنك بنفس الدفئ كاول مرة.
    خيال خصب سافر بنا للحضة في متاهات الحياة حين نحس بالفراغ القاتل والوحدة المؤلمة رغم ألفة المكان
    ابدعت
    لي شرف ان افتح النت اليوم واجد قصتك الرائعة لاستمتع وتسحرني باسلوبها الرائع
    ودي

    تعليق

    • أم عفاف
      غرس الله
      • 08-07-2012
      • 447

      #3
      اخي عبدالرّحيم
      قرات القصة قبل الآن وتركت أثرا يصعب معه عدم العودة
      قصّة معتّقة بمضامينها وتصويرها وزخم المشاعر الإنسانية التي تتجاوب في أرجائها
      نقلتني إلى عالم مليء بالصدق والحياة رغم الفراغ
      ولولا الفراغ ما كان الإبداع
      فللفراغ فضل كل الأعمال الناجحة وعملك كان ناجحا بلا منازع
      شكرا لأنك منحتني فرصة ماتعة في الولوج إلى عالم جميل صنعته يداك
      بالغ الاحترام وتحايا

      تعليق

      • عبدالرحيم التدلاوي
        أديب وكاتب
        • 18-09-2010
        • 8473

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عاشقة الادب مشاهدة المشاركة
        يتغير الانسان ويكبر ويرحل عن الاماكن التي تعودت ان تحضنه لكن هي تبقى كما هي وفية لذكرى ما ان تعود اليها تحتضنك بنفس الدفئ كاول مرة.
        خيال خصب سافر بنا للحضة في متاهات الحياة حين نحس بالفراغ القاتل والوحدة المؤلمة رغم ألفة المكان
        ابدعت
        لي شرف ان افتح النت اليوم واجد قصتك الرائعة لاستمتع وتسحرني باسلوبها الرائع
        ودي
        أختي البهية ، عاشقة الأدب
        أشكرك على تعليقك الرائع ، و تفاعلك القيم.
        ممتن لك الإشادة المشجعة.
        شرف لي أن ينال نصي رضاك.
        مودتي

        تعليق

        • حواء الأزداني
          أديبة وكاتبة
          • 28-10-2013
          • 138

          #5
          مترهلة ، كلما أعلنت الانهيار ، سارعت الجهات المسؤولة إلى تقويمها حتى صارت بمثابة رجل مطروح فوق سرير أبيض ، يرتبط بالحياة بأنابيب مغذية


          نتوحد كي نبني حديقة جميلة ..نرويها بالسعادة ،،نختصر الزفير فيها إلى الرئتين ..وحين تضمر أعشابها وتشيخ أزهارها ..وتتوسم الخطوط في أسوارها ..نرميها في دار رعاية الحكومة .
          حــــــواء الأزداني

          ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

          تعليق

          • عبدالرحيم التدلاوي
            أديب وكاتب
            • 18-09-2010
            • 8473

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة أم عفاف مشاهدة المشاركة
            اخي عبدالرّحيم
            قرات القصة قبل الآن وتركت أثرا يصعب معه عدم العودة
            قصّة معتّقة بمضامينها وتصويرها وزخم المشاعر الإنسانية التي تتجاوب في أرجائها
            نقلتني إلى عالم مليء بالصدق والحياة رغم الفراغ
            ولولا الفراغ ما كان الإبداع
            فللفراغ فضل كل الأعمال الناجحة وعملك كان ناجحا بلا منازع
            شكرا لأنك منحتني فرصة ماتعة في الولوج إلى عالم جميل صنعته يداك
            بالغ الاحترام وتحايا
            أختي المبدعة الراقية ، أم عفاف
            شكرا لك على تعليقك القيم ، أسعدني تفاعلك الرائع.
            ممتن لك التشجيع.
            مودتي

            تعليق

            • بسباس عبدالرزاق
              أديب وكاتب
              • 01-09-2012
              • 2008

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
              ها أنت أيها المتعب تعود إلى مقهاك بعد طول غياب ، ترمي جسدك على أول طاولة فارغة وجدتها ، رغم أنك كنت تفضل أن تكون مطلة على الشارع بشكل مباشر. لاتغيير ، كل الأشياء مازلت في موضعها رغم عقدين من الزمن ، الكراسي ، الجدران .. صخب لاعبي الورق في الركن القصي من المقهى ، تلك الجماعة المنكبة على الشبكة المسهمة بتوتر ، لكن أصدقاءك غير موجودين ، تفرقت بهم السبل ، كل في مكان . تستغرق في تأملك ، تستعيد ذكريات طيبة تربطك بالمكان . لا يخرجك منها سوى النادل الذي أقبل عليك هاشا و كأنك لم تغادر المقهى أبدا؛ يحمل لك مشروبك المعتاد ، شايا بالنعناع. يضعه أمامك ، و يسلم عليك بحرارة ، ثم يقدم لك الجريدة كما تعود أن يفعل. ينصرف صامتا . حتى هو لم يمسسه التغيير ،أو هكذا بدا لك، كأن كل شيء في هذا المكان مقاوم لعوامل الزمن و عواديه. من أين يأتون بالمقاومة ؟ أمر عجيب ..
              تتأمل صفحات الجريدة ، تنظر إلى العناوين البارزة ، تعزف لحن الإثارة ، تريد استقطاب قراء كثر. لا جديد سوى الملل. تطوح بها فوق الكرسي باشمئزاز.
              تنظر إلى الأفق البعيد ترجوه أن يفرج عن جديده..تنظر إلى سرب الطيور المحلقة ، تسبح في الفضاء بمتعة ، تعلو و تنخفض بانسيابية ، مرة ترفرف بأجنحتها ، و مرة تترك للريح تلاعبها ..ثم بعد تعب تحط فوق الأشجار السامقة.
              أمامك حديقة فيحاء مغلقة في وجه الزوار ، لا يرتادها أحد ، تحيط بالمكان أسوار قديمة ، مترهلة ، كلما أعلنت الانهيار ، سارعت الجهات المسؤولة إلى تقويمها حتى صارت بمثابة رجل مطروح فوق سرير أبيض ، يرتبط بالحياة بأنابيب مغذية. تحس بتلك الأسوار الشائخة صخرة فوق قلبك تعسر تنفسك. تلهيك عن سماع أغنية مطربتك المفضلة ، و هي تصدح بأغنية " أطلال" الرائعة.
              تمد نظرك إلى قاع الشارع ، تنتظر ذاك الرجل الذي يدفع عربته المليئة بسقط المتاع ، لا يخلف موعده أبدا ، تنظر إليه يدفع عربته إلى الأعلى ، لا تعرف أين يذهب بها بعد ذلك ، لا تعرف أين يصرفها ، لا تعرف سوى أنه يعود بقليل من النقود لإعالة أسرته الصغيرة ، و مساندة طفله الوحيد ، يريده أن يتفوق في دراسته ، ليحقق الرقي الاجتماعي..لكن الرجل لا يظهر ، رغم رجائك الداخلي ، و حين يحل الغروب ، و يعلن النهار عن انصرافه بعد رحلة تعب ، تسقط من عينيك المتحجرتين دمعة ، تكفكفها بصمت بكم قميصك ، تصر تنهيدة طويلة ، ثم تقفل عائدا إلى بيتك ، هناك ، تصفعك البرودة و الفراغ..

              نص رائع رائع

              الفراغ سيجارة يتربع دخانها كضبابة على القلب
              يمسك بقوة على أيدينا

              جميل جدا ما قرأت لك استاذي
              محبتي
              السؤال مصباح عنيد
              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

              تعليق

              • ادريس الحديدوي
                أديب وكاتب
                • 06-10-2013
                • 962

                #8
                نص جميل و مشوق .. شدني بقوة حتى النهاية الممزوجة بالبرودة القاتلة .. أنه الفراغ!!
                مودتي و تقديري أخي عبد الرحيم
                ما أجمل أن يبتسم القلم..و ما أروعه عندما تنير سطوره الدرب..!!

                تعليق

                • عبدالرحيم التدلاوي
                  أديب وكاتب
                  • 18-09-2010
                  • 8473

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة حواء الأزداني مشاهدة المشاركة
                  مترهلة ، كلما أعلنت الانهيار ، سارعت الجهات المسؤولة إلى تقويمها حتى صارت بمثابة رجل مطروح فوق سرير أبيض ، يرتبط بالحياة بأنابيب مغذية


                  نتوحد كي نبني حديقة جميلة ..نرويها بالسعادة ،،نختصر الزفير فيها إلى الرئتين ..وحين تضمر أعشابها وتشيخ أزهارها ..وتتوسم الخطوط في أسوارها ..نرميها في دار رعاية الحكومة .
                  أختي البهية ، حواء
                  أشكرك على تعليقك الشاعري.
                  بوركت.
                  مودتي

                  تعليق

                  • عبدالرحيم التدلاوي
                    أديب وكاتب
                    • 18-09-2010
                    • 8473

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                    نص رائع رائع

                    الفراغ سيجارة يتربع دخانها كضبابة على القلب
                    يمسك بقوة على أيدينا

                    جميل جدا ما قرأت لك استاذي
                    محبتي
                    أخي البهي ، بسباس
                    الروعة في حضورك العطر ، و في تقبلك النص.
                    شكرا لك على تعليقك المزن.
                    مودتي

                    تعليق

                    يعمل...
                    X