عودة للسلمان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فراس عبد الحسين
    أديب وكاتب
    • 18-08-2013
    • 180

    عودة للسلمان

    عودة للسلمان
    فراس عبد الحسين
    يركض بي الزمن وأللهث خلفه بخطوات الكهولة المتثاقلة, أحاول اللحاق به , أتمنى أن اسبقه بعزم الشباب قبل فوات الأوان, شعور غريب مزيج من الرهبة, الاعتزاز بالنفس, الانتصار, احساس عجيب بالانتماء لذلك المكان البعيد المجهول, هل أصبحت كهلاً مثلي, أ تحولت لأطلال أم ما زلت بهيبتك وعنفوانك.
    رمادي شاحب يتأفعى فوق بحر رمال متلاطم الكثبان, ذرات الرمال تضرب زجاج السيارة الامامي بقوة, تلاقينا كرات الشوك تتدحرج مسرعة امامنا, كأنها هاربة من غول مفزع خرج من أحشاء الصحراء للتو, كما هي الطريق لم تختلف كثيراً منذ اكثر من خمسين عاماً مضت.
    بانت ملامحه من بعيد, بدأ يكبر أكثر فأكثر كأنه قلعة رومانية مهيبة, ما ان وصل لم تكن سوى جدران متهاوية أيله للسقوط شوهها الزمن توغلت بأسسها الرطوبة, جدران تحمل في مكنونات ذاكرتها الكثير من الاحزان, صرخات الالم وضحكات الأمل, ضمت بين طياتها أمالاً واحلام, عادت لذهني ساعات الصمود والاباء, كم سعيد بأيام الشباب في عجز الكهولة.
    انهارت قلاع المراقبة واختفى الحراس, باب حمراء كبيرة, تحدث صريراً مزعج يرسخ في الاذهان بعد فتحها, لاستقبال السجناء او لتوديعهم, قُلعت الأن اختفت, جميلة هي الحرية, كم جميلة هي السجون بلا أبواب, لكن من يسرق باب سجن كئيبة ليضعها في منزله..!
    لامس حجر جداره الهش, عادت به الذاكرة للعام 1962, لنهاية الشهر الثالث تحديداً, عشرات الالاف المتظاهرين من شمال الوطن لجنوبه من الشيب والشباب يملئون الفضاء ضجيجاً بصرخات الغضب, (يوم الاحد الدامي مسمار في نعش الاستعمار الفرنسي) لافتة كبيرة على وسع الشارع أحمل طرفها, لإدانة مجزرة الاستعمار الفرنسي بحق الشعب الجزائري الشقيق, قبل هجوم الشرطة والحرس القومي بالعصي والهراوات, حتى ملئوا بنا السيارات للمعتقلات لحين صدور حكم الاعتقال لسجن نكرة السلمان*.
    نفض غبار الصخر الاصفر من يده, أتجه لباحة السجن الواسعة تغطيها الرمال وتملئها شجيرات الاشواك الجافة, كم داست فوق هذه الرمال أقدام حافية تحمل أجساد نحيلة, صوت الضجيج والصخب يصم الاذان نشجع فريقنا, العشرات يركضون وهم يركلون الكرة بحماس, في ساعة الاستراحة الاسبوعية.
    مئات السجناء بعضهم يصفق والاخر يدق على أواني الطبخ بعزف غير متناسق, أثناء الاحتفال بختان إخواننا المسيحيين من المعتقلين, السجناء تملئ وجوههم البسمة وهم يضعون اطفالهم بأحضانهم يتحدثون مع امهاتهم وزوجاتهم في يوم المواجهة بعد فراق مرير دام طويلاً.
    مسح دموعه بيده وأتجه صوب القواويش العشرة, بالتحديد للرقم ستة حيث أنهى محكوميته, اقُتلعت بابه الخشبية ايضاً, من يسرق باب قاووش ويضعها باباً لغرفة في داره..! دلف داخله مسح خده الايسر بالجدار وعفر وجهه بترابه, أتجه لركنه البعيد حفر التراب بيده, أخرج قطعة حديدية صدئة ثم أخرج كيساً فتحه ونثر محتوياته رفات لبقايا كتب متعفنة, يعرفها جيداً كتب الفلسفة الماركسية, الاقتصاد, تاريخ الحزب, الحركة العمالية, هي مصادر الاجتماعات السرية كانت تأتي عن طريق العوائل بسرية تامة, جمعها وأرجعها للحفرة مثلما كانت.
    كنا نجلس هناك بحلقة الاجتماع السري عندما دخل علينا أحد أفراد الحرس القومي بدأ بالسب والشتم, نهضت بسرعة محاولاً اسكاته, ثم نهض معي باقي افراد الحلقة ولم يفلته من ايدينا الا ضربات حرس السجن بالعصي والهراوات بعد دخولهم علينا.
    اقتادوني والمعتقلين لخارج السجن لصحراء بعيدة, طلبوا منا الاعتراف عن من كان يقود الاجتماع, - زينوه صفر هو وجماعته, امر مدير السجن الحراس بعد عدم حصوله على الاعتراف, أقترب بجانبي وهمس بأذني – أعترف من قام بالاعتداء لتجنب نفسك ورفاقك أمور لا تحمد عقباها, - ان بذلك جريمة تتحمل أنت مسئوليتها كاملة, ستنتهي فترة محكوميتنا بيوم ويمضي الزمان وتمر السنين, تبقى انت بتأنيب الضمير ما حييت, توالت علي الضربات والركل من كل جانب أمام انضار مدير السجن الذي لم يحرك ساكناً.
    بعد العودة انزلونا بباب السجن وطلبوا منا الركض للقاووش الذي يبعد اكثر من 100 متر, كان بقية الحراس يحملون الكثير من قطع الحجر بأحجام مختلفة, لا اعلم لماذا يتحول الانسان في ساعة التحدي والامتحان الى شخص صعب المراس, تذكرت حينها كلام والدي كان دائماً يقول تمسك بمبادئك وكن صلباً دائماً مثل الفولاذ ما بقيت حياً فالإنسان حي بمبادئه وميت اذا تخلى عنها بيوم, كنت أسير على مهل وخلفي بقية الرفاق وكأننا في نزهة على شاطئ جميل والحجر ينهال على رؤوسنا مثل المطر.
    وصلت لمكاني والدم يسيل من رؤوسنا, استقبلنا بقية السجناء بخرق القماش وبعض المعقمات من صيدلية السجن وهم يهتفون – ابطال ليتنا كنا معكم.
    هنا كنت مطروح هنا والرفاق الاطباء يعالجونني ويضمدون جروحي ليلاً نهاراً حتى شفيت تماماً, جثى على ركبتيه يقبل تراب الارض قبلات متواصلة, هنا كان ينام رفيقي حمزة السلمان, وهنا عبد الوهاب الطاهر, سليم اسماعيل, حنا بطرس, كاكا درويش وأخرين, أنتم احياء في ذاكرتي ما حييت.
    نهض من مكانه بتثاقل وأتجه لطرف السجن البعيد, مجرد جدران مهدمه لم يبقى واقفاً منها الا القليل, رمق بعينيه مئات المعتقلين يقفون صباحاً بالطوابير على أبوابها العديدة, يدخلون ويخرجون مسرعين, يصفر أحد الحراس بصافرته بعد وقت قصير ويصرخ جميع الحراس ( كافي انتهى الوقت.. ارجعوا لمكانكم) يعود اكثر من نصف المعتقلين بدون قضاء حاجتهم, عليهم الصبر والانتظار لحين فترة المراحيض المسائية.
    ذهب للطرف الاخر من السجن لخربة أخرى, رائحة الخبز الحار تفوح من المكان ممزوجة برائحة الرز والمرق, جلب وضوضاء عشرات المعتقلين يطبخون بأوعية طبخ كبيرة عديدة, وأخرين يخبزون الخبر بتنورين كبيرين, بقية السجناء يقفون بطوابير طويله يحملون بأيديهم الصحون بانتظار حصتهم من وجبة الغداء اليومية, كل أيام السجن طوابير مملة.
    في أواخر عام 1964 أثناء التعداد الصباحي في ساحة السجن, يذيعون أسمي الثلاثي بمكبر الصوت, أفراج لانتهاء محكوميته, انتهت سنوات السلمان بحلوها ومرها ولم تبقى منها سوى الذكريات.
    لا اعلم الان هل أنتم احياء ام اموات, لكنني عدت.. فأيام العمر قد مضت سريعاً مثل لمح البصر, ولم تبقى سوى أعمالنا اما نتفاخر بها ونرفع رؤوسنا أمام عوائلنا وأحفادنا كما فعلت, او تنكس بها الرؤوس وللابد كما فعلتم, ربما لا يعلم أحد بما قمتم به غير ذاتكم, لكنها كفيلة بتعذيبكم طوال حياتكم البائسة.
    اعُتقلت لأني حلمت, بوطن الحلم فيه من المحرمات, لم أحلم بأنانية بشيء شخصي, حلمت بوطن حر وشعب سعيد وسعيت لتحقيقه ما حييت.
    ليس المهم أن تجد نفسك منتصراً في اليوم الاخير, وإنما المهم أن تجد نفسك على الاقل شخصاً قد كافح فعلاً.*
    اطفى جهاز التسجيل بيده وخرج من مكان باب السجن, ركب سيارة الاجرة حيث السائق ينتظره, ليعود من حيث أتى.

    * الأب اوغسطينوس
    * سجن في صحراء محافظة المثنى بالعراق/ انشائه الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي لاعتقال الثوار ضد الاحتلال.
    فراس العراقي
  • عاشقة الادب
    أديب وكاتب
    • 16-11-2013
    • 240

    #2
    سرد ممتع لتاريخ محفور في الذاكرة
    رحلة رغم مرارة الاحداث لانها سجن لكن اعطيتها باسلوبك المتمكن نكهة الحنين لماض بكل بتفاصله
    لن اقول سوى ابدعت وامتعتنا باسلوب ولغة متقنة
    ودي
    التعديل الأخير تم بواسطة عاشقة الادب; الساعة 06-06-2014, 17:59.

    تعليق

    • فراس عبد الحسين
      أديب وكاتب
      • 18-08-2013
      • 180

      #3
      كانت معايشة وزيارة للسجن وحديث طويل مع من عاش الاحداث بكل تفاصيلها.. أغلبها حقيقة والبقية من خيال الكاتب, سعيد بوجودك سيدتي عاشقة الأدب,...... كوني بخير
      فراس العراقي

      تعليق

      يعمل...
      X