لا تزال تلك المرأة، منذ سنوات، منذ آلاف القصص و الحكايات، رأسها مثقل بالشيب و الذكريات، تفترش الرمل، أمام البحر، عيناها مشدودتان إلى البعيد، البعيد..تناجيان الإله في ضراعة، علّ المركب الغائب يخفق شراعه في الأفق...
هناك، في مكان قصي جدا..رجل، أدركه اليأس فصار على حافة الانهيار..سمع، ذات فجر، صوتا غريبا يخاطبه:
" إذا رأيت النار فقع فيها و لا تهرب. فإنك إن وقعت فيها انطفت، و إذا هربت منها، طلبتك و أحرقتك"
و منذ ذلك الفجر، و هو يبحث عن "النار" دون أن ينتبه إلى يأسه الذي ذاب كجليد مسه حر..
هناك، في مكان بعيد، بعيد...لا تزال أم حزينة، منذ أجيال، و عصور طويلة، منذ الأساطير الأولى، تنتحب مرددة:
" إلهي،..لماذا أعطيته ذاك القلب القلق؟...لماذا أعطيته إياه؟..أنت دفعته..فهو الآن، في طريقه إلى رحلة طويلة..يسلك مسالك مجهولة،و يخوض معارك خاسرة سلفا.."
هناك..في مكان ما..و منذ الأزل، لا يزال طفل يقف أمام البحر، حائرا، متسائلا عما يوجد خلف الأفق..
.. يتعلم السباحة و يكبر..و يخوض غمار الموج، يقاوم سطوة التيار، فلا يقوى..فيبتلعه البحر ليصير حكاية..
و في مساء هادئ، هادئ حد الرّجف..في مكان آخر، قصي جدا، يلفظه البحر طفلا٬ فيقف أمام الماء متسائلا عما يوجد خلف الأفق...
هنا..و هناك.. و هنّ منذ الأزل، بعد عشق و تمن و رجاء، و توسل، يقترنّ بـ "فارس" الأحلام.. و لما يضجرن، و يملن، أو لا يتحملن صيحاتِ الفارس٬ صهيلَ جواده و نقعَ التراب تحت سنابكه٬ يولولن٬ يندبن حظهن العاثرَ
و بماء حار حد السلخ٬ يستحممن لإزالة رائحته العالقة بالجسد.
هنا..
في مكان قريب..قريب جدا... كاتب٬ يجلس الآن، إلى مكتبه يحمل جرحا غائرا، ينزف، من زمان، حروفا و كلمات...
تعليق