
حينما يبكي..
حينما تضحك!!
هي لحظة خمرية.. !! عرفت محلها بداخله رغم فرار العمر منه كحبات مسبحة على رصيف متسع، وإحساسه الأخرس العاجز للمرة الأولى عن تجميع الكلمات التي لاكها ومضغها مرات ومرات، وهي المنتظرة منه لو فاه ببعضها.. لولا عجزه..
تجمدت نظراته بعد أن استجمع كامل عضلات المقل وكانت مستعصية..
صوبها ناحية الخطوط المرسومة بيد فنان إغريقي، ربما جاء من زمانه العتيق على غير عادة؛ ليضع لمساته السومرية ثم انصرف لتبتلعه زحمة السيارات..القريبة جدا من مرسمه وما انتبه لضجيجها..
ظل على صمته لوقت قصير.. لاحظته.. طلبت منه أن يتحدث.. فطال الصمت.
حاولت بطريقتها الهادئة أن تعيد الكون إلى طبيعته؛ كيلا تشعره بأي حرج، أو لتلطف من غزو العرق الذي تمكن من فروته وبين التجاعيد،
فتحت الباب الزجاجي لثلاجة المرطبات الساكنة دوما على الرصيف المجاور، وقد تفصدت الحبات الرطبة على جبين الضلفة..
ترى هل شعرت بهذا الغزو الآخر؟..
تركته لاختياره المفضل، تحول بنظراته وتجول بين الأرفف المصطفة أعلى وأسفل.. حار بين الأنواع.. ورغم أنه عثر على مشروبه المفضل "التفاح الأخضر".. إلا أنه استقر على مشروب آخر..
أشعل سيجارة وراح يتنفسها كلما رشف من المشروب..
تتابع شفاهه بين حر السيجارة وبرد العصير..
تفحصت نظراته التي هدأت قليلا، وقسمات وجهه الحيي.. سألته:
كم سيجارة تشعل في النهار؟
نصف العلبة،وربما العلبة كاملة.
مدت يدها إلى جيبه.. أخرجت واحدة..أشعلتها.. سحبت نفساً عميقاً..
تأففت، ازرورقت الدنيا في وجهها، احمرت جفونها، ظلت تسعل.. وظل يضحك..
دمعت عيناها من كثرة الكح.. ودمعت عيناه من الضحك..
انسكبت ألوانها.. انطمست معالم اللوحة.. سال الكحل على الألوان.. تداخلت الخطوط الإغريقية..
"جميل احمرار الجفون مع الكحل.. يعطي مساحة أوسع من التأمل"..
حدث نفسه بنظراته العائدة إلى مستقرها الأوليّ..... ودخان سيجارته كان لا يزال في فمه....
أحس بشرخ مدية صدئة تمر بين أوصاله لما اندفع إلى رئتيه بقوة.. ازرورقت الدنيا في وجهه.. احمرت مقلتيه..
غزر ماء وجهه، وارتسامة الدمعات قد شكلت جداولا وأنهارا مع خيوط العرق الذي رجع يتفصد بشكل أشد..
"جميلة قسماته بين الضحك والبكاء"..
حدثت نفسها.. ويد الإغريقي قد عادت ترسم خطوط الرحيل، وتمهد لحظة الوداع نحو الخدود القطنية..
تعليق