مصير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    مصير



    رأيت في ما يرى النائم ، أن أبي :
    صفق الباب خلفه بقوة ، فاهتزت للصوت الشديد أركان البيت ، و أركان صدري ، بدأ جسمي يرتجف بشدة ، و
    قلبي كأنه في مهب الريح ، استويت في جلستي ، و بقيت أنتظر ، ترقبي شبيه بالباحث عن طريدة ، لقد علم أبي بأمر غيابي عن المدرسة ، بل انقطاعي عنها ، الساعة ساعة حساب.
    وقف قبالتي و قد غطى حضوره منافذ الضوء ، كان طويلا و عريضا ، أو هكذا كان يظهر لي ، نزع حزام سرواله ، ثم هوى علي كمن يهوي على كومة صوف يريد نفض الغبار عنها ..سرت اللسعات في جسمي سريان الدواء الزكام ، كنت أتألم متضرعا ، اعترضت أمي ضرباته ، فأزاحها بقبضة يده ، لكن إصرارها أبعده :
    _ ماذا فعل ليستحق كل هذا الضرب ؟
    _الحرامي ، حمل كناش السلف ، و ذهب به إلى البقال ليشتري قنينة جافيل ؟
    _ ماذا قلت ؟ قالتها بصوت يحمل الكثير من الاستغراب.
    رد أبي سريعا و بغضب :
    _ما سمعتيه يا امرأة الشؤم /
    توسلت إلى الله أن يرحمني من هذا العذاب ، و أن يجد لي مخرجا. في لحظة ، و أنا أنظر بعيني الرعب إلى أبي اللاهث من العمل السادي ، رأيت سرواله يسقط لتظهر عورته ، ضحكت ، و استغللت انشغاله برفعه لأتفلت كما الماء من بين شقوق الأصابع..تبعتني لعناته. كنت أفكر في تلك اللحظة في كيفية إخباره هو الشحيح ، أن المدرسة طلبت مني ، ذات رغبة في غرس قيم النظافة ، و إخراج الشعار إلى حيز الفعل ، الانخراط في تنظيف طاولاتنا التي كادت تفقد لونها الأصلي بفعل كتاباتنا المتكررة و خدشنا المستمر. لقد تم تخصيص يوم للنظافة عسانا ننجح في جعل أقسامنا بيئة طيبة لتلقي العلم ، نحن الذين ندخلها نطيفة و نتركها عفنة. كل واحد منا دعي للاتيان بمادة ما أو وسيلة تساعد على إنجاح التظاهرة. و قد تكلفت أو لنقل بشكل أدق ، كلفت بجلب قنينة جافيل المنظف الأكيد.
    غير أني لم أتمكن من ذلك لغيابه الطويل في عمله ، و حتى حين يحضر ، يحضر الصمت.
    لقد ادعيت أن أبي فلاح ، و الفلاح في ذهن الكثيرين رجل ذو مال. و هذا ليس بالصحيح ، على الأقل ، في ما يتعلق بأبي ، إضافة إلى بخله البين. للخروج من هاته الورطة ، جلبت الكناش ، و كان بإمكاني اختلاس بعض من ماله الموضوع في دولابه غير المقفل.
    كان بإمكاني ذلك ، من دون أن يعلم ، و بذا أتجنب غضبه الصاعق ؛ لكني لم أفعل ..بل حملت القنينة إلى المدرسة فرحا بكوني مساهما فعالا.
    في الطريق استوقفتني جماعة من الأطفال يريدون إسقاط حبات تين من فوق سور عال ، كانوا يرشقون الشجرة بالحجارة ، و قليلا ما كان يتفوق أحدهم في الحصول على الثمرة اللذيذة ، انخرطت بدوري في الرشق بعد أن وضعت القنينة جانبا ، و بعد تعب ، انحنيت لألتقطها بعد أن فشلت في الحصول على الثمار، لكني المفاجأة أن القنينة اختفت ، كأنها تسربت بين شقوق الأرض ، بحثت بجدية فلم أعثر لها على أثر ؛ قررت لحظتها عدم التوجه
    إلى المدرسة خجلا من فراغ ذات اليد ، و هروبا من لسعات الأصدقاء و نظرات المعلمة الموبخة. و تتابعت الأيام فصار أمر التحاقي بالمدرسة من المستحيلات.
    نسيت أمر العودة إلى المنزل ، و ما أنسانيها سوى ذاك الحزام الأسود الطويل و المضفور بعناية. سرقتني الحياة ، و سارت بي الدروب مسارات ، و تركت في جسمي ندوبها ، و في
    قلبي جراحها ، إلى أن استوى عودي ، فقد كنت أبيت تحت الجسور ، و في الخرابات ، و في الأكواخ ، و بعدها في بيت ذي سقف لكنه بارد. كما أني تقلبت في أشغال كثيرة ، من حمال إلى مساعد خياط ، إلى بائع خضروات بالتقسيط ، إلى بائع فواكه أعرضها فوق عربة ، ثم في محل صار لي بعد ذلك
    و عدت إلى المنزل ، بحثا عن والدي ، ها أنا أقف أمام بابه بخشوع ، عبق الماضي اللذيذ يداعب أرنبة أنفي ، يتسرب إلى داخلي، و أنا بانتظار فتح الباب ليطل علي وجه أمي الحبيبة ،سمعت الباب يصفق بقوة ليهزني من جديد ، و ذاكرتي المشروخة ، يحركها بل يرجها رجا ؛ و ليظهر لي جارهم ، الذي أخبرني برحيلهم إلى حومة أخرى منذ فترة طويلة.
    بلغتها بشق الأنفس لأجد جارا آخر يخبرني برحيلهم قبل أيام ، لو أتيت باكرا لوجدتهم ، ثم أشار بإصبعه إلى مكان جديد ، سرت وراءه فلم أجد في النهاية سوى مقبرة قبالة مسجد و بينهما طريق أسود طويل و ممتد إلى ما لا نهاية.






    J’aime





  • محمد الشرادي
    أديب وكاتب
    • 24-04-2013
    • 651

    #2
    أهلا أخي عبد الرحيم
    أنه مصار مؤلم تظافرت في نسجه سوء المعاملة في الأسرة و المدرسة . و بسبب ذلك غادر الكثير من الأطفال المدارس ، و هربوا من أسرهم و عاشوا مصارات مختلفة بعضهم نجا من قسوة الشارع ... و بعضهم ضاع في متاهاته المعقدة ...
    قفلة مؤلمة لكنها واقعية.
    لقد أثار انتباهي العنوان - مصار - و الذي يحمل في طياته معنى التحول . و قد وجدته مناسبا للنص لأن الأطفال من هذا القبيل بعيدون عن مفهوم النمو الإيجابي . بل يعرفون في حباتهم تحولا من كائن إلى كائن آخر ..
    تحياتي
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد الشرادي; الساعة 19-06-2014, 14:57.

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      أعجبني رد الأخ محمد الشرادي

      نعم قسوة المعاملات اليومية أنجب جيلا مشوها و معقد الأفكار

      القفلة حقا كانت جميلة و مدهشة

      محبتي و تقديري صديقي
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • حدريوي مصطفى
        أديب وكاتب
        • 09-11-2012
        • 100

        #4
        حكيك ينهل أبدا من واقعية صرفة، وكأنك لسان حال المعاش ...لا ضير في هذا أبدا فرب واقع أكثر إثارة من الخيال كيفما كانت الحبكة والقوة التصويرية للحاكي...
        لكن دعني أهمس أن شبه ميكرو رواية...لا يحتمل ان يسجن بين قضبان حلم ما كان ليفتعل...
        مودتي وفائق احترامي
        التعديل الأخير تم بواسطة حدريوي مصطفى; الساعة 22-06-2014, 07:13.
        بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد الشرادي مشاهدة المشاركة
          أهلا أخي عبد الرحيم
          أنه مصار مؤلم تظافرت في نسجه سوء المعاملة في الأسرة و المدرسة . و بسبب ذلك غادر الكثير من الأطفال المدارس ، و هربوا من أسرهم و عاشوا مصارات مختلفة بعضهم نجا من قسوة الشارع ... و بعضهم ضاع في متاهاته المعقدة ...
          قفلة مؤلمة لكنها واقعية.
          لقد أثار انتباهي العنوان - مصار - و الذي يحمل في طياته معنى التحول . و قد وجدته مناسبا للنص لأن الأطفال من هذا القبيل بعيدون عن مفهوم النمو الإيجابي . بل يعرفون في حباتهم تحولا من كائن إلى كائن آخر ..
          تحياتي
          أخي الراقي ، السي محمد الشرادي
          و قبل أن أشد الرحال إلى الملتقى ، لابد من شكرك على ما تكرمت به من تعليق عميق.
          بوركت.
          مودتي

          تعليق

          • حواء الأزداني
            أديبة وكاتبة
            • 28-10-2013
            • 138

            #6
            يخدش البراءة الشعور بالانتقاص

            شعور النقاء بالتلوث ..حينما يلجئ الطفل إلى الهروب ..ففي طيات قلبه البلوري صاعقة عقدة نقص ..قد يتحول هذا الكائن الملائكي إلى شيطان بكل بساطة ..نص جداً جداً جميل هكذا توقعت القفلة ..رائع .
            حــــــواء الأزداني

            ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

            تعليق

            • حسن لختام
              أديب وكاتب
              • 26-08-2011
              • 2603

              #7
              قص شيّق، يصوّر حياة.. عمرا بأكمله..راق لي الوصف الدقيق، والنهاية الموجعة، نهاية منطقية حدّدت معنى النص
              مودتي، عبد الرحيم

              تعليق

              • السعيد مرابطي
                أديب وكاتب
                • 25-05-2011
                • 198

                #8
                [read]الصديق الأستاذ الكريم ..عبدالرحيم التدلاوي

                التسرب المدرسي الناجم عن سلوكيات قاحلة شديدة الزجر،
                تجاه ألأطفال،ما يوقف عجلة رد الفعل الإجابي لدى هذا الكتكوت .
                فضلا على اللغة السردية الموفقة والجميلة ،استوقفني زمن الحكاية
                وسياقاته التي تتحول برشاقة قلما ينتبه منها ممارسوا فعل السرد القصصي. حقا إنها ربما قوة هذا النص البليغ في محموله.
                لك منــي كل احترام وكل تبجيل.[/read]
                التعديل الأخير تم بواسطة السعيد مرابطي; الساعة 25-06-2014, 11:15.
                [read]أنـزوة غرور هي أن يـكون لي مفتـاح تـصور؟ ![/read]

                تعليق

                • عبدالرحيم التدلاوي
                  أديب وكاتب
                  • 18-09-2010
                  • 8473

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                  أعجبني رد الأخ محمد الشرادي

                  نعم قسوة المعاملات اليومية أنجب جيلا مشوها و معقد الأفكار

                  القفلة حقا كانت جميلة و مدهشة

                  محبتي و تقديري صديقي
                  أخي البهي ، بسباس
                  أشكرك على تفاعلك السار.
                  رمضان مبارك سعيد
                  مودتي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X