الحمى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حارس الصغير
    أديب وكاتب
    • 13-01-2013
    • 681

    الحمى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اهداء إلى الغائبة الحاضرة: عائدة محمد نادر
    إلى الصديق النبيل: بسباس عبد الرزاق

    الحمى

    ====
    كشف مصطفى الغطاء عن وجه أخيه، لامسه بيديه، شعر بقشعريرة تسري في أصابعه من السخونة. قال له كالعادة كل صباح:- ألن تلعب معي يا إسماعيل؟
    تثاقل جفنا إسماعيل عن عينين غائرتين كمغارتين، وسط وجه أصفر خال من نضارة. رد عليه بصعوبة: لا!
    ترجاه بإلحاح شديد:
    - قوم ألعب معي. أنا لا أحب أن ألعب مع أحد سواك.
    استفاقت أمه المتقرفصة جواره، وقد بدا على ملامحها إعياء سهر ليلة طويلة مضت بلا نوم. زجرت مصطفى بشدة: - أخوك مريض!
    رنت بعينيها الذابلتين، إلى الفضاء من كوة في جدار مبني من الطين، لاحت لها إشراقة الفجر تغالب ظلمة الليل. دارت ببصرها في الحجرة تبحث بقلق عن زوجها. فراشه خال. سألت مصطفى:
    - أين والدك؟!
    أجابها بصوته الصغير، وهو يحدق بحيرة في وجه أخيه: - نائم على الديوان.
    تذكرت حديثها معه في المساء. أشارت لمصطفى ناحية حوش البهائم، قالت بلهجة آمرة: - ضع البردعة على الحمار، وأتي به لأبيك.
    انطلق مسرعا وفرحة تلوح في عينيه لذكر الحمار، الذي ينبئ له بذهابه مع أخيه، برفقة أبيهما إلى السوق في القرية المجاورة. اختلطت الأيام في عقله وهو يجري، وقف وسأل نفسه متحيرا:- لكن اليوم ليس الأحد.
    عاد لجريه، وهو يهلل:
    - ربما أكون قد نسيت.
    خرجت أمه وراءه، تطلعت إلى زوجها المستلقي على الديوان المبني من الطين خارج البيت، واضعا يديه تحت رأسه. تمشت نحوه. سمع وقع خطواتها، ففتح عينيه بصعوبة. همست بحزن وقد عقدت حاجبيها، فبديا كقوسين:- أنت مستيقظ يا جمعه؟!
    تململ في نومه، قبل أن يعتدل، قال لها:
    - لم يزر النوم عيني منذ البارحة.
    أضاف سائلا: - كيف حاله الآن؟
    ردت عليه بدموعها التي انسابت كمطر: - حالته تزداد سوءا كل لحظة!
    أسند وجهه إلى كفه، فيما هي غاصت بأفكارها فيما حدث بالأمس.
    *****
    جاءها إسماعيل يزرف من الأعياء كطير ذبيح. ارتمى في حجرها، وقال لها بصوت ذابل: - الدنيا تدور بي.
    لفحتها حرارة وجهه كحرارة عين الفرن حين تجلس أمامها عند الخبيز. أسرعت وأحضرت الطست وملأته بالماء. بللت به منديل رأسها، وأخذت تضعه على جبهته. ظلت على ذلك طويلا دون أن تشعر بتحسن في حالته.حضر زوجها من الخارج. رآها تبكي، سألها بقلق: - ماذا جرى يا أمينة؟
    أشارت إلى إسماعيل، وأجابته ناحبة: - الحمى!
    وقع صدى الكلمة عليه كرصاصة اخترقت جسده. لاحت في رأسه صورة ولده الأول الذي لم يكمل ثلاثة أعوام حتى التهمته بين عشية وضحاها. استلقى جوارها خائر الجسد. سألها ثانية: - منذ متى؟
    احتضنت إسماعيل في صدرها، وأجابت: - منذ العصر.
    وضع يديه على قدمي ولده. شعر بحرارته المرتفعة. ارتسمت خيوط الألم في وجهه. قال لها: - جسمه فائر جدا. أسند بعدها ظهره إلى الجدار. مد ساقيه، وتابع قائلا: - سأذهب به من الصباح الباكر إلى الدكتور.
    *****
    جاء مصطفى بالحمار متهلل الأسارير. وقف به بمحاذاة أبيه. سأله بصوته الطفولي: - هل سنذهب إلى السوق؟
    ران الصمت ولم يجيبه أحد. نظر جمعه إلى زوجته. قال لها: - اذهبي واحضريه.
    نهضت مسرعة إلى داخل الدار. احتك كتفها ببابه الحديد. شعرت بألم شديد، لكنها لم تبال. حملت الصغير وعادت به ثانية.
    صعد جمعه إلى ظهر الحمار. مدّ ذراعيه، فناولته زوجته الصغير. احتواه بين ذراعيه، وضمه إلى صدره. تهيأ مصطفى لأخذ مكانه. شدته أمه من ذراعه. عرف بأنه لن يذهب معهما. صرخ بصوته العالي: - خذني معك يا أبي. أنا أريد أنا أذهب معكما!
    سحبته أمه بشدة، واتجهت به ناحية الدار. قاومها، وقد ساخت رجليه في الأرض. قاوم حتى أنفلت من يدها. انطلق بعدها مسرعا؛ لكنه لم ينطلق خلف الحمار. زرّ عينيه تجاه أبيه، وجرى نحو شجرة صفصاف على مقربة من الدار. جلس تحتها واجما. فكر في أخيه الذي لن يلعب معه اليوم. عاود النظر تجاه الطريق المترب. رأى سحابة التراب المتطايرة خلف الحمار. تابعه حتى غاص وسط زروع الذرة العالية. صعد إلى أعلى الشجرة. وضع حافة كفه على عينيه، مدّ بصره وحدج طويلا حتى تهادى له شبح الحمار وقد تضاءل عبر المدى. تابعه حتى اختفى تماما. نزل من على الشجرة، وجلس تحتها ثانية. حدث نفسه قائلا:
    - سأنتظرهما هنا.
    *****
    قرب الظهر سمع مصطفى صوت نهيق. قام مفزوعا وقد غالبه النوم. شدّ جسده النحيل، وهبّ واقفا. لمح الحمار قادما، وعلى ظهره أبيه، ماسكا بأخيه الذي تدلى رأسه على صدر أبيه قليلا. أسرع نحوهما، مغللا بابتسامة كبيرة. قابله أبوه بتكشيره، أبدلت سعادته خوفا وحزنا. سار خلف الحمار منكس الرأس حتى عتبة باب الدار. خرجت أمه مسرعة، وعاجلت أباه بالسؤال دون انتظار: ماذا فعلت؟
    أشاح بيديه، أجابه بصوت خرج بخيبة ويأس:
    - لم نجد الطبيب. مسافر!
    تذكر أنه بعد أن قطع الطريق الطويل إلى القرية المجاورة، التي تبعد عن بيته ما يزيد عن الثلاثة كيلو مترات. وصل الوحدة الصحية، فوجد أبوابها مغلقة. سأل عنه أحد العاملين بها، الذي كان يسقي الشجر حولها. رد عليه دون أن يلتفت إليه: - الطبيب مسافر ولن يعود قبل أسبوع.
    غالبه الحزن، وشعر بالهزيمة تتدفق إلى صدره. لكز الحمار بقدمه، واستدار عائدا. رأى وجه ابنه الضائع خلف سطوة المرض. أحس بالحزن يداهمه كأمواج بحر هائج.
    فكر بأن يذهب به إلى طبيب البندر. وجد المسافة بعيدة جدا، ولا يقوى عليها الحمار، ولن يتحملها جسد ولده المنهك. تذكر سيارة الأجرة التي يسوقها جارهم عبده الرواس. قرر أن يأخذه بمجرد عودته. قابل أحد أقاربه في الطريق. سأله:
    - أين عبده؟
    وقعت عليه الإجابة كصاعقة:- السيارة معطلة، وسيحضرها في الصباح.
    أحس بأن جميع الأبواب تغلق في وجه.
    قطعت زوجته أفكاره بصوتها المرتجف: - ما العمل؟!
    أجابها، وهو ينزل من على الحمار:
    - سأذهب به غدا إلى البندر.
    أمسك مصطفى لجام الحمار من يد أبيه. سحبه وسار به نحو الحوش. كان يشعر من كلام أبيه وأمه بأن ثمة أمر كبير يحيط بأخيه. وزاد من معاناته بأنه لم يلعب منذ الصباح. ربط الحمار في مقوده ثم عاد إلى البيت. وجد أخوه نائما على ظهره يئن بشدة.
    جلست أمه بجواره تلطم على خدها. وظل أبوه واقفا لا يدري ماذا يفعل. سمعوا طرقا على الباب، أسرع مصطفى وفتحه. دخلت جارتهم سنيه بجسدها المكتنز كدولاب. بادرت أمينة سائلة:
    - كيف حاله الآن؟
    تطلعت إليها أمينة، وقالت وهي تشير إلى إسماعيل:
    - ضعف جسده وذهب ماؤه.
    جلست سنيه قبالة أمينة، وأخذت تصف لها وهي تلوح بيديها: - اخلطي ملوخية جافة مع ملح وفص ثوم. أدعك بهم جبهته. وأدعك بقية جسده بالحناء.
    حملقت فيها أمينة بانتباه، تابعت سنية:
    - سيتحسن كثيرا. لقد قمت بتجربتها مع ولدي.
    لم تنتظر أمينة. أحضرت كل ما طلبته. تابع مصطفى كل ما يدور، وقد انزوى في ركن الحجرة ككرة واضعا رأسه بين ركبتيه، بعد أن عرف أن المرض الذي يتألم منه أخيه شيء سيء. دعكت سنية الملوخية بجبهة إسماعيل. قامت بعدها وهي تتمايل بجسدها حتى كادت أن تسقط. تمالكت نفسها بصعوبة بعد أن استندت بيدها على الجدار. مطت صوتها وقالت وهي تغادر البيت:- إن شاء الله أطمئن عليه في الصباح.
    تبعتها أمينة وهي تتمتم داعية:
    - يا رب!
    ******
    تدفقت الذكريات إلى عقل مصطفى، وهو يرنو إلى الطفل النحيف الذي يرقد أمامه على السرير. وضع السماعة على صدره، وصدى الصرخة المفزعة لأمه مازال يطرق أذنيه. يوم أن جاء ذلك الصباح، وقد رأى إسماعيل مغمض العينين. دوت بعد ذلك الصرخات في بيتهم والتحفت أمه بالسواد كسواد ليلة ظلماء بلا قمر أو نجوم. جفت ينابيع الفرحة في الدار. ساد الصمت أعواما كأن ألسنتهم عجزت عن الكلام. انطفئت الحياة في عيني مصطفى، ولم يعرف بعدها اللعب ولا الضحك. منذ لحظتها أدرك أنه وحيدا كنبتة وسط صحراء قاحلة لا يخفف عنه سوى مجيئه إلى المستوصف الطبي في بلدته، والذي سماه باسم أخيه، والذي يكشف فيه بالمجان.
    لاح له الطفل الصغير بوجهه الرفيع وسمرته الداكنة كهيئة أخيه. تدحرجت دمعة من عينيه سرعان ما مسحها. أنهى الكشف وأشار إلى أم الطفل. حملته سريعا. أخرجت صرة من صدرها، فتحتها وأخرجت منها النقود، مدت يدها إلى مصطفى، قائلة: - تفضل ثمن الكشف يا دكتور.
    رمقها بنظرة قاسية، وزجرها قائلا: - خذي ولدك وأدع له بالشفاء.
    ناولها روشتة العلاج. التقفتها بسرعة من بين يديه، خرجت وصوتها يلهج داعيا: - ربنا يكرمك يا دكتور.
    ظلت عينا مصطفى معلقتان بوجه الطفل الصغير الشاحب، حتى اختفت أمه تماما من أمام عينيه. عاد مضرجا بالحزن القاتم الذي استولى على قلبه منذ ذلك الصباح، ولم يستطع طرده أبدا رغم هدير السنوات. استوى على مقعده، ينتظر دخول كشف جديد، علت شفتاه ابتسامة ذابلة. أخرج صورة من جيبه. وضع إصبعه على الوجه الصغير، همس في نفسه قائلا:- وحشتني يا إسماعيل!
    قنا في 23/01/2014

    ة
  • مناف بن مسلم
    أديب وكاتب
    • 19-09-2013
    • 72

    #2
    الاخ العزيز حاؤس الصغير
    كما عودتنا بابداعاتك واسلوبك المميز الجميل ... قصة جميلة جدا تحمل في طياتها حزن الانسان ومعاناته
    وصف دقيق ورائع
    دمت مبدعا اخي العزيز
    تحياتي ومودتي
    مناف بن مسلم

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      أتعرف صديقي العزيز حارس
      ما يميز قلمك

      هو حبك للفقراء و تبني همومهم
      و توجيه النظر نحو المعذبين في الأرض
      في مصر و الجزائر و كل العالم العربي يعاني الناس يوميا
      هناك مستودع ضخم من المسودات الجاهزة لكتابة القصة

      فعندما نعتنق مذهب الضعفاء و النزهاء عندها نقترب أكثر من نبض الشارع و من ذائقته و من همومه

      كذلك لك قلب صاف و عذب يبحث جادا عن المدينة الفاضلة

      أخي نحن منصتون لك و لقلمك الجميل

      محبتي صديقي البهي الجميل
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • حواء الأزداني
        أديبة وكاتبة
        • 28-10-2013
        • 138

        #4
        اتذوق في نصك نجيب محفوظ ..لابد أنك تعشق رواياته لاسيما قصر الشوق .

        كم انتشي بالنصوص المصرية واعشق بيوت الطين والجلاليب البلدية .
        نص رائع محبوك بلطف وتوصيف يسترق المشاعر .
        فقط هنالك سؤال ..اسمع كثيراً عن البندر ..هل لك أن تصفه لي ؟
        التعديل الأخير تم بواسطة حواء الأزداني; الساعة 27-06-2014, 14:24.
        حــــــواء الأزداني

        ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

        تعليق

        • عبير هلال
          أميرة الرومانسية
          • 23-06-2007
          • 6758

          #5
          القدير حارس الصغير

          كنت هنا مع قصة

          واقعية تتكلم عن معاناة شاملة

          يمر بها الفقراء في الريف والقرى ..

          العيون الحزينة والأحمال الثقيلة

          التي لا تخف بل تزداد


          والموت يتربص على الأبواب..

          أديبنا المبدع

          لك كل التقدير
          sigpic

          تعليق

          • موسى الزعيم
            أديب وكاتب
            • 20-05-2011
            • 1216

            #6
            أكثر ما راقني تلك المشهدية المتتابعة في النص
            وذاك الوصف الدقيق المغني لفكرة النص
            كانت البيئة الحاضر الاكبر في القصة
            بكل تجلياتها بقرها وشجرها وناسها
            نص جميل امتعني بحزنه تحياتي لك

            تعليق

            • أحمدخيرى
              الكوستر
              • 24-05-2012
              • 794

              #7
              أجمل ما فيك أخى وصديقى " الحارس "

              ان لك قلمك الخاص .. منذ اول قصة قرأتها لك " الطفل ، و العصفور " واسلوبك الادبى كما هو..تحافظ عليه وترقيه ..
              السردية المشهدية التى تتخللها الحوارية ..هكذا انت لك بصمتك الخاصة واسلوبك الذى تنفرد به.. والذى يميز اعمالك ، ويجعل من يعرفك ويقرأ لك .. يميزها بسهولة.. حتى ولو وضعتها بدون توقيع .

              اخى " الحارس " الجميل

              كنت هنا استمتع بما قرأت
              فـ اشكرك يا صديقى على هذه المتعة

              تحيتى.
              https://www.facebook.com/TheCoster

              تعليق

              يعمل...
              X