فموعدأزاح الستارة عن شباك شقته قبل ان يتناول علبة الدخان أمامه ويشعل رأس لفافة التبغ, نفث دخان سيكاره واصطدم بالنافذة الواسعة وأمتزج بضباب أنفاسه على الزجاج مكونناً صورة ضبابية للقمر تنعكس أضوائه المتكسرة على أمواج النهر الهادئة محتضنا المدينة الغافية على ضفتيه, صياد بعيد مثل مايسترو بارع يناغم بين صمت سكون الليل وصوت ارتطام المجداف بالماء, لماذا لم يكن نهار المدينة هادئ مثل ليلها, لوحة فنية ساحرة تمنى لو كان رساماً ليترجمها على الورق.نهر دجلة أبن مدينة بغداد الوفي, شهد منذ مئات السنين نشأتها, حضارتها, فلسفتها, علومها وعلمائها, شاهد على كل محتليها على مدى العصور, يغتسل من همومه ليلاً بصمت ليجري بكل عنفوانه كل صباح, ليتنا كنا أنهاراً لنجري من جديد. نظر لساعة الحائط أنها الواحدة صباحاً قبل أن يجلس أمام شاشة الحاسوب, غالباً ما تتواجد بمثل هذا الوقت على (الفيس بوك).- صباح الخير, تحول يومي لمجرد ساعات مريرة انتظر مرورها على مضض, مملة طويلة قاسية عند متابعتها والنظر لعقاربها بعين الشوق, أجد متعة غريبة عندما اكتب لكِ وانتِ غير موجودة, أتمتع بحرية التعبير والكتابة بعيداً عن الخوف والارتباك, أهاب الحديث معك في هذا العالم الافتراضي عالم أزرار وهمي خيالي ذو كلمات مجردة خالية من حشرجة الصوت, ارتباك ملامح الوجوه, وتعرق الجبهات بعد انعكاس وقع الكلمات, اصبحتِ أملي الوحيد مع النهر, ليتك تعلمين مدى حبي لكِ حبيبتي,.. صفن طويلاً أعاد قراءة ما كتب, تمهل لبرهة قبل أن يضغط على زر (enter (.تم الارسال ولم يتم الاستلام, غير موجودة, هل ستأتي الليلة..؟ ربما هي مشغولة بشيء آخر, ضوء الاتصال الاخضر مطفئ علمَ لماذا الاخضر مفضل بحسب علماء النفس على باقي الالوان, لأنه حياة, نماء, وجود, انطلاق.- لا تكتب أحبك رجاء, هي كلمة قصيرة لكنها ثورة بالمشاعر, ولا يمكنك نطقها و كتابة حروفها ببساطة, كونك لم تدرك معناها ولن تسبر غور أعماقها.- أجبتِ أخيراً بعد عناء طويل, اهلاً بقدومك, كنت بانتظاركِ, أدمنت وجودك اكتب وابعث لكِ منذ شهور مضت دون رد, اكتب فقط لأبوح ما بداخلي لشخص أعتقد بأنه يستمع ألي ويواسيني مثل النهر. - لماذا اخترتني دون غيري من باقي النساء, هل تعرفني من قبل, هل ألتقينا مسبقاً.؟- أعجبني أسلوبك ونظرتك للحياة, قرأت كل شيء عنك في صفحتك الخاصة, كنت متابعاً لكل ما تنشرين, أن الصفحة الشخصية في برامج التواصل الاجتماعي يعتمدها علماء النفس للتعرف على شخصية الشخص. - ولكم واحدة كتبت لها مثل هذه الكلمات؟ كنت اقرأها وأعذرني اعتقدت بأنك أحد اولئك الشباب اللذين يمرحون على مواقع التواصل الاجتماعي لتمضية الوقت لا أكثر, تكتب أحبك جزافا بكل سهولة, فهي كلمة فقدت معناها لكثرة ترديدها, حتى أصبحت كلمة عابرة خالية من الاحساس يتلفظ بها يومياً الأف الشباب على مسامع الشابات وبالعكس.- معك حق ربما هم كثر لكن ليس جميعهم أكيد, لازالت برائي هناك نسمات حب باردة منعشة في صحراء واقعنا القاحلة, نعم نحن بمجتمعاتنا نفتقد للحب وبأمس الحاجة اليه في وقتنا الحاضر, انعدمت تلك المشاعر التي تسمو بالإنسان لدرجات عليا تجعله أقرب للملائكة من البشر, كبار ببراءة قلوب اطفال صغار, أفئدة صافية وخالية من الامراض النفسية التي شوهت بوجودها جمال الحياة.- قرأت ال(بروفايل) الخاص بك, أنت قاص ومهتم كثيراً بكتب الأدب.- نعم نشرت لي الصحف بعض القصص القصيرة هي محاولات للكتابة, لكني عاشق للأدب ورائحة الورق قرأت لأدباء الشرق والغرب غصت بها محاولاً فك رموزها وطلاسمها وتوالي أحداثها الحزينة والسعيدة, أسبح في عقل وروح كتٌابها وهم تائهون في أفق بعيد بلا نهاية, أتذوق ما أحبوه واستشعر ما كرهوه بما تألفوا معه أو تمردوا عليه, بما جعل أقدار بعضهم تيهاً وضياعاً لابد أن يألفوه ويعيشوه حتى لو صرخ الجميع بوجوههم وعقولهم المعاندة, هؤلاء ارادوا ان يخلدوا تواريخ للحياة والناس والزمن هوسهم هو الاشد الحاحاً بين كل البشر.- يقولون اياكِ أن تعشقي كاتب, لأنه يتلاعب بالكلمات ويسوغها بسحر يأخذ العقول ويوقعكِ بشباك صيده بكل سهولة مثل سمكة بلهاء.- تأكدي أن الكاتب مرهف الحس بشكل يفوق الآخرين, ربما يولد بالفطرة أو تنمو بداخله عن طريق المطالعة المستمرة, ورائعة هي الكتب محببون من أبدعوها, حكماء واقعيون, حالمون تائهون ضائعون مخدوعون بالحياة الماكرة, لا يمكن أن نملهم هم الاكثر طيبة وانسانية والأرق حساسية وصدقاً, بكلماتهم القليلة الملغزة المختصرة.- احب القراءة ايضا, قرأت بعض كتب الفن للرسم والنحت, ولم تستهويني كتب الشعر او الرواية والنثر.- اذن لن تشهدي انتحار (انا كارنينا), ولم تتذوقي طعم ويلات الحرب العالمية الثانية في رواية( وداعاً ايها السلاح), ولم تسافري مع (دون كيشوت ) وهو يحارب الوهم ليصبح بطل الابطال, ولم تشعري بألآم الاعتقال ووحشية التعذيب في رواية (الشماعية), ولم تعيشي الخيال بلمسات الواقع في (فوضى الحواس), ألم تقرئي (قصائد عارية), فاتك أن تتعايشي مع ذلك الكائن الذي تكون من أجساد ضحايا الانفجارات والعنف في بغداد محاولاً الاقتصاص ممن قتلهم في رواية (فرانكشتاين في بغداد), أعتقد فاتك الكثير جداً سيدتي من سحر الكلمات وتجارب الحياة.- واضح أنك مثقف وقارئ نهم للكتب, وذكرت ايضا في ال(بروفايل) الخاص بك بأنك معلم لغة عربية.- لي مكتبة كبيرة مليئة بالكتب بكلمات صدرت ربما من مجانين تمنوا لو أصاب الجنون كل الناس, ليعيشوا حياة مجنونة بامتياز, أن من يكتب كتاب قد يمنحه أغلب سنوات حياته, لكي يوصل لنا هدف ما في باله, وكلما قرأتِ كتاب أضاف لكِ كل تلك السنوات خبرة مضافة لحياتك القصيرة ولا يستغرقك ذلك سوى ساعات قراءته فقط, أتعلمين ان 28 حرفاً فقط صنعت كل هذا السحر والمتعة والدروس والعقائد, صنعت الحياة. أجل أنا معلم, أتصدقين اليوم قامت الدنيا ولم تقعد في المدرسة. بسبب أن أحد التلاميذ في الصف السادس الابتدائي قد كتب كلمة (أحبك) فقط في ورقة ووضعها على رحلة زميلته..! وصل الأمر الى مدير المدرسة الذي تحول بدوره الى (شارلوك هولمز) بعدما طلب من جميع التلاميذ كتابة الكلمة في دفاترهم حتى توصل للمجرم وبالجرم المشهود..! ثم أرسل بطلب ذويه وأخبرهم وجوب نقله لمدرسة أخرى لتجاوزه الاعراف والتقاليد والتربية والاخلاق..!!, الا تعلمين أن اليد التي يحرم عليها أن تبوح بمشاعر وكلمات طفولية من السهل عليها وستتحول حتماً الى يد تحمل السلاح وتقتل الاخر بدم بارد خالي من المشاعر.أعذريني كتبت لكِ كثيراً وتسببت لك بالانزعاج والملل, أعتقد لشدة فرحتي بوجودك اليوم وردك على ما كنت أكتب, أخبريني انتِ عنكِ الآن, علمت بأنك معلمة تربية فنية, يعني فنانة,,؟- لا بالعكس استفدت واستمتعت بكلماتك, نعم أنا معلمة فنية, أعشق الرسم بجنون ربما يفوق جنونك للقراءة, أحاول اختطاف بعض لحظات الهدوء والسكينة من صخب الحياة وضجيجها بانفجاراتها وعويلها, أحاول انتزاع طرفة من مشاغل الحياة والتزاماتها, لأضيف ألوان زاهية عسى أن تبدد بعض سواد ظلمة واقعنا الحالك, جميلة هي الالوان, تخيل كيف تصبح حياتنا من دونها, علينا نحن الرسامون أن نرسم الجمال والجمال فقط, نمحو كل القذارة والادران من واقعنا, نحجب عيوننا عنه ولا نراه, نفسخ لجام خيول افكارنا وسط حقول اشواك الجهل والتخلف, لتنطلق في فضاء الاحلام الواسعة الشاسعة. - شعرت بأن أفكارنا متقاربة جداً, هدفنا واحد وواجبنا واحد في هذه الحياة.- نعم هذا صحيح, انظر كم الساعة الآن امامك في الحاسوب..؟- ياآآآآه أنها الرابعة صباحاً, الحديث معك لا يمل, مرت الساعات سريعاً مثل لمح البصر, ألم اقل لكِ أن الوقت مختلف تماماً بحسب النظرية النسبية, آمنت بحقيقة النظرية و صدقتها فالوقت الذي قضيناه معاً يختلف عن الساعات التي كنت أنتظر بها قدومك, يختلف الوقت والزمان تماماً, ولكن كيف واليوم مقسم لساعات وهي بدورها مقسمة لدقائق وثواني وتسير بنظام دقيق منذ الأزل, لكني متأكد من الاختلاف.! الزمن لا يسير وفق تقسيمنا له.في صباح كل جمعة تجديني بين كتب المكتبات في شارع المتنبي, هل سنلتقي قريباً.؟.- احيانا أذهب الى هناك, ربما ستجمعنا الصدفة ويكون لنا لقاء.- ستكون من أروع وأجمل الصدف, ستعرفينني من صورتي الشخصية, لكن كيف سأعرفك.؟- ليكن قلبك دليلك, لو كان صادقاً سيوصلك ألي. - أعتبره موعد.؟- ربما. - أذا تصبحين على خير والى لقاء- الى لقاء قريب. فراس عبد الحسين
فموعد
تقليص
X
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 203275. الأعضاء 3 والزوار 203272.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق