مقال مهم عن فضائل العربية الفصحى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فؤاد بوعلي
    أديب وكاتب
    • 16-05-2007
    • 213

    مقال مهم عن فضائل العربية الفصحى

    مقال عن فضائل العربية الفصحى، كتبه عالم مصري قبل 55 سنة[/center][/b]
    [صحيفة الفتح ، العدد 849 (ذو القعدة، 1366)، ص 865 ـ 868.]
    ------------------------------------------------
    [align=justify]الدعوة إلى إحلال العامية في محل العربية الفصحى من أدب الناطقين بالضاد وثقافتهم ليست من مخترعات هذا الجيل ، بل هي فكرة استعمارية ، فكرت فيها عقول إنجليزية ، قبل عشرات السنين ، وعرضت على هذه الأمة المصرية عرضاً جذاباً ظاهره البراءة وحسن النية والشفقة على ارتقاء المصريين وتقدمهم ، ولكن المصريين كانوا أحصف وأعظم ألمعية من أن تهزأ بهم العقول البريطانية هذا الاستهزاء فقابلوا ذلك بما يستحقه.
    وحكاية ذلك أن الإنجليز يوم كان احتلالهم في مصر بالغاً أوج قمته من الثبات والتمكن ، كان للمصريين مجلة علمية اسمها (الأزهر) يصدرها عالمان كبيران من علمائهم وهما إبراهيم بك مصطفى والدكتور حسن بك رفقي ، وبعد أن استمرا فيها خمس سنوات إلى نهاية سنة 1892 نيطت بهما أعمال أوسع من أعمالهما الأولى ، ومنها إسناد نظارة مدرسة دار العلوم العليا إلى إبراهيم بك مصطفى بعد أن كان مدرساً للكيمياء في إحدى المدارس العليا ، فتخليا عن مجلة (الأزهر) من نهاية سنتها السادسة (يناير 1893) إلى المهندس الإنجليزي الشهير (وليم ويلكوكس) والأستاذ أحمد الأزهري ، وكانت فاتحة أعمال ويلكوكس عند انتقال مجلة (الأزهر) إليه أن ألقى محاضرة في نادي الأزبكية (أنجلو إجبشيان كلوب) موضوعها «لِمَ لمْ تُوجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟» زعم فيها أن قوة الاختراع تأتي من القوة المفكرة ويرثها الإنسان من آبائه ، والقوة الخيالية ويرثها من أمهاته ـ والأمهات المصريات جاهلات لا يلدن أبناء مخترعين ـ وتأتي قوة الاختراع من الثبات والإقدام ، وأكثر المصريين يضيعون أوقات فراغهم في المقاهي بلعب النرد والضمنة. ثم زعم أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى ، ولو ألفوا وكتبوا بالعامية لصاروا مخترعين ! واستدل على ذلك بأن الإنجليز كانوا يؤلفون باللاتينية فلم يكونوا مخترعين فلما اختاروا لغة الفلاحين الإنجليز وكتبوا بها صاروا مخترعين ويرجع ذلك إلى الزمن الذي نبغ فيه شكسبير وبيكون .
    ونحب أن نقول الآن بعد 55 سنة من إلقاء هذه الخطبة إن صاحبها من أعظم مهندسي الدنيا في الري والخزانات والتحكم في مجاري الأنهار، ومع ذلك فإن له نزعة تبشيرية أخذت عليه لبّه ، وشغلت عقله ، وعطّلت استقامة التفكير الرياضي في ذهنه ، وهو حي يرزق إلى اليوم ـ فيما أظن ـ وله عشرات الكتب في التبشير بالمسيحية طبعتها مطبعة النيل للإرساليات البروتستانية ، وقد رمى بها غرضين بحجر واحد ، وأحد الغرضين خدمة الكنيسة ، والثاني هدم العربية بكتابة تلك الكتب باللغة العامية.
    ولما ألقى خطبته في نادي الأزبكية قبل 55 سنة عرف المصريون أن غرضه الحقيقي من الدعوة إلى إحلال العامية بدل الفصحى حرمانهم من تراث الفصحى في الدين والعلوم والآداب لتسهل على الاحتلال مهمته. وتولت جريدة (المؤيد) ومجلة (الأستاذ) هتك أستار هذه الدعوة بما لا مزيد عليه . وهوجمت خطبة ويلكوكس في مجلة ويلكوكس نفسها (الأزهر) بأقلام سليمان المهندس إبراهيم بك مصطفى ناظر مدرسة دار العلوم ، وأحمد أفندي سليمان المهندس بالتنظيم ، والسيد أفندي الزمزمي .
    ومما قاله إبراهيم بك مصطفى : إن علماء اللغات قسموها على تباينها إلى ثلاثة أقسام :
    1 ـ لغات أحادية المقاطع ، وهي خالية من حروف المعاني ، وعدد كلماتها أقل من غيرها ، ولا تتغير صيغتها ، ولا تدل على النوع أو الكيفية ، أو العدد أو الزمن أو النسب ، بل كل ذلك يفهم من تكييف الصوت بهذه المقاطع في المنطوق ، ومن مكان الكلمة من الجملة في المسطور . ومن هذا القسم اللغة الصينية ، وعدد كلماتها 500 إلا أن لها 1500 نطق لا يدركها إلا حذق الأذن للتعبير عما يخالج خاطر أهلها ، وقد يعبر عن المعنى الواحد بمجموع كلمات تحفظ كل كلمة في هذا المجموع معناها ، كأن يعبر عن (الأسرة) بكلمتي (أب وأم) معاً وبحسب ما يكون من نطق هاتين الكلمتين ووضعهما تؤخذ النسب التي يطلبها المعنى .
    2 ـ اللغات المزجية ، وهي لغات فيها النسب التي تقتضيها المعاني تكون بضم كلمات إلى الكلمات التي يراد تعلق النسب بها بحيث تحفظ كل كلمة معناها وصورتها الأصليين ، ففي هذه اللغة يعبر عن المعنى الذي يعبر عنه بكلمة واحدة بسطر طويل من كلمات مرصوصة ، ومن هذا القسم اللغة اليابانية .
    3 ـ اللغات الاشتقاقية ، وهي لغات تتغير صورة كلماتها بالتصريف ، ولكن مادة الكلمة تبقى في جميع الصور حافظة لمعناها ، وما طرأ على الصور من التغيير يعين النسب المختلفة في الزمن والعدد والكيفية والنوع . وللغات هذا القسم حروف معان تربط الألفاظ والتراكيب بعضها ببعض . ومن لغات هذا القسم اللغات الأوروبية واللغاة العربية . ومنها لغات هُجِرَ استعمال بعضها كاللاتيني واليوناني فسمِّي ميتاً ، ومع موته لم نزل نرى أناساً من أهل الفضل والعلم ينادون بحفظه ويحضون عليه ، ومنها ما هو مستعمل ويسمى بالحي كالعربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية . ومنها ما هو أصلي كالعربية والألمانية والروسية ، ومنها ما هو ملفق مستحدث كالفرنسية والإنجليزية ، خصوصاً الإنجليزية .
    وكل قسم من هذه اللغات يقابل طوراً من أطوار المدنية ، فاللغة الصينية تقابل درجة مدنية بسيطة ، ويستحيل التعبير بها عن الاحتياجات والمعلومات العصرية ، وكلما ارتقت أفكار أهل الصين وتقدموا في المدنية أحسوا بعدم كفايتها لمطلوب الوقت فيضطرون إلى تحويلها ـ ولكن تدريجياً بحسب الاحتياج ـ فتكتسب الشكل المزجي وتتعدى الشكل المقطعي .
    وكذلك الأمر في كل لغة مزجية فإنها تكون كافية في بدء أمرها للأمة التي اتخذتها ، ثم بارتقاء حالة الأمة تصير هذه اللغة غير وافية ، فتضطر الأمة لنقل اللغة إلى الاستقامة شيئاً فشيئاً ، وكلما أمعنت في الإرتقاء بعدت عن الشكل المزجي وتوغلت في الشكل الإشتقاقي الذي هو أوقى أشكال اللغات حتى الآن وأصلحها لمدنية عصرنا.
    هذا التغير والتحول في اللغة من طور إلى طور ليس اختيارياً بل تنساق إليه الأمة بحكم الضرورة. ولهذا إذا استعملت أمة متأخرة في المدنية لغة أمة أكثر مدنية منها لا تتغير مدارك هذه الأمة المتأخرة، بل هي تؤثر في اللغة لأنها زائدة عن حاجتها فتغيرها وتجعلها مناسبة لمدنيتها. فإدخال اللغة الإنجليزية في أوغندة مثلاً لا يجعل من أهل أوغندة نوتون وهكسلي، بل تتغير اللغة الإنجليزية في أوغندة بالكلية وتصير لغة تناسب أهلها، ولكن إذا ثقفت عقول أهل أوغندة بلغتهم ونشر التعليم بينهم تزداد معلوماتهم وترتقي لغتهم المنحطة بتعاقب الأجيال وينبغ منهم رجال كما نبغ من غيرهم، ذلك لأن اللغة ما هي إلا ترجمان للأفكار، فكلما ارتقت الأفكار واتسعت دائرتها اتسعت اللغة وارتفعت بارتفاع الأفكار، فاللغة في طوع المدارك العقلية، وليست المدارك العقلية في طوع اللغة.
    واللغة الاشتقاقية تكون في طوع مستعملها أكثر من غيرها وكلما كانت اللغة أبعد عن الشكل المزجي كانت أبسط وأطوع وأحكم. وهذا هو المتوفر في اللغة العربية بدرجة لا نظير لها، ولذا عبر الكاتبون بها في جميع الأوقات عن كل ما يقصدون من أدب وعلوم مهما كان تباينها. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى فما من علم إلا ألّف فيه قديماً وحديثاً كتب بالعربية وعلى أسلوب زمن التأليف ، وما من جريدة علمية ـ مصرية أو سورية ـ وجد كاتبوها في مبحث من المباحث صعوبة في التعبير.
    وإذا قابلنا العربية باللغات الاشتقاقية التي هي أكثر استعمالاً في المعمورة ـ كالإنجليزية والفرنسية ـ نجد أن العربية امتازت بخصائص لا يرتاب أحد معها في أنها أليق اللغات وأكفلها بحاجة العلوم. فمن ذلك سعتها. فعدد كلمات اللغة الفرنسية 25 ألفاً وكلمات اللغة الإنجليزية 100 ألف (على أن معظم هذا العدد اصطلاحات صناعية ) أما العربية فعدد (موادها) على قول المطلعين 400 ألف مادة، ومعجم لسان العرب يحتوي على 80 ألف مادة (مادة لا كلمة) ومواد اللغة العربية تتفرع إلى كلمات، فإذا فرضنا أن نصف المواد الواردة في المعجم متصرفة بلغ عدد ما يشتق منها نصف مليون كلمة، وليس في الدنيا لغة اشتقاقية أخرى غنية بكلماتها إلى هذا الحد. وبسبب غنى العربية وسعتها تجد فيها للمعاني الشديدة التقارب كلمات خاصة بكل معنى ، مهما كانت درجة الالتقارب، وبذلك لا يكون محل للإلتباس أو الإبهام اللذين هما آفة العلم والأدب.
    ومن خصائص العربية تخطيها غيرها من اللغات الحية في طريق الاشتقاق، وتوغلها فيه، حتى صارت بعيدة جداً عن الشكل المزجي الذي لا تزال يقاياه محسوسة في غيرها، مانعة لإحكام التعبير في كثير من المواضع. ففي الإنجليزية أو الفرنسية للتعبير عن حدث يستعمل فعل وللدلالة على المطاوعة لا بد من مساعدة هذا الفعل بفعل مساعد. وكذلك للدلالة على المشاركة أو الطلب أو الأعمال. وهذا تعقيد لا محل له في العربية لأن الفعل الدال على الحدث تتغير صيغته للدلالة على كل ما ذكر، مع بقاء مادة الفعل في جميع الصيغ، وهذا مما يجعل العربية أوسع وأحكم في التعبير، وأبعد عن الشكل المزجي، وأخصر في أداء المعنى. فالفكرة التي يعبر عنها بكلمة (نستمنحكم) مثلاً يعبر عنها بالإنجليزية أو الفرنسية بسطر طويل.
    ومن خصائص العربية أن جميع مشتقاتها تقبل التصريف إلا فيما ندر، وهذا يجعلها في طوع أهلها أكثر من غيرها وأوفى بحاجة المتكلمين. فإذا أردنا أن نرتب اللغات بحسب لياقتها للمدنية العصرية والحاجة العلمية من الأدنى للأرقى، وجب أن نجعل اللغات أحادية المقطع في المرتبة الدنيا، ثم اللغات المزجية، ثم اللغات الأوروبية ، ثم اللغة العربية أرقى اللغات وأمثلها للعلم. فهي لغة غزيرة المواد، واسعة المعاني دقيقة المباني ، بسيطة ، وقد جمعت بين السهولة وإحكام التعبير وهذا ما يطلبه العلم والأدب ويساعد على انتشارهما ، لذلك حق القول بأن العربية أليق اللغات بالعلوم والأدب وأكبر عون على نشرهما متى تهيأت الوسائل الأخرى. وما يطنطن به البعض من قصورها ، إنما هو جهل بها ، أو لغرض يصعب إخفاؤه. وإدعاء أن الاستكشفات كثيرة ، وليس في العربية كلمات للدلالة عليها ، اعتراض ضخم في الظاهر فارغ في الحقيقة ، وما مثله إلا كفارغ بندق خلى من المعنى، ولكن يقرقع.
    إن هذا الاعتراض يصدق على جميع اللغات ، لأن اللغات ما دامت موضوعة فألفاظها إنما وضعت طبقاً لما هو معلوم، لا لما هو مكنون في طي الخفاء والغيب ، فكل مستكشف كان غير معلوم ومستكشفه يصطلح له على لفظ يتخذ اسماً له ، وباب الاصطلاح ليس مغلقاً في العربية ومفتوحاً في غيرها . ولو أمعنا النظر لوجدنا أنه لا حق أن تدعي بأن اللفظ الذي يوضع اصطلاحاً لمعنى جديد هو من لغة تلك الأمة دون غيرها بعد أن لم يكن في لغاتها ، فهل يجوز للإيطاليين مثلاً أن يدعوا بأن لفظ (بوجنفليا) إيطالي في حين أن اللفظ نفسه لم يكن في الإيطالية ، وغاية الأمر أن النبات الذي سمي هذا الإسم استكشفه شخص اسمه (جنفل) وضم إليه كلمة (بو) أي جميل وجعله بهيئة الكلمات اللاتينية ، وكان ذلك غريباً عن جميع اللغات ، ويجوز لأي أمة أن تصطلح على أي لفظ في لغتها لذلك النبات ففي مصر استعمل له لفظ (جهنمية) ، من باب الإصلاح للدلالة عليه ، وما يقال في هذه الكلمة الاصطلاحية يقال طبعاً في باقي الاصطلاحات، وادعاء العدول عن الفصحى إلى العامية لمثل هذه الاصطلاحات لا محل له ، لأن هذه الاصطلاحات التي كانت مجهولة من الفصحى لم تكن معلومة للعامة ومسماة في لغتهم والمعقول أن هذه الإصطلاحات يستعملها العلماء أولاً ثم تصل إلى العامة بنشر العلماء لها وبثها بين الناس .
    ثم ما هو المراد بقولهم (اللغة العامية) أهو شيء آخر غير العربية ؟ إننا إذا تتبعنا الكلمات والتراكيب العامية لم نجد فيها إلا قليلاً جداً من الكلمات المستحدثة عن الخلط ، وهذا لا تتألف منه لغة ، ولا يصح بسببه القول بأن لغة فيها نصف مليون كلمة لغة ميتة أو قاصرة وليس فيها ألفاظ تدل على المعاني المستحدثة التي يقتضيها التمدن العصري . نعم إن في العامية كلمات عربية ينطق بها كثير من الناس محرفة ، وتراكيب عربية لم تُراعَ فيها القواعد النحوية ، ولكنا نجد بجانب ذلك أن هذا التحريف وعدم مراعاة القواعد ليس واحداً عند الناس ولا متفقاً عليه بل كل واحد يذهب فيه ما شاء ، فهو مختلف باختلاف الأفواه من غير قاعدة ولا رابطة ، شأنَ كل تغير يكون حصل لا عن ضرورة إليه ، بل عن الجهل ، والجهل لا يكون إلا من عدم التعلم . وبسبب حصول هذه التراكيب على غير قواعد اللغة نرى المتكلم مضطراً دائماً بحسب الموضوع إلى الإشارة باليد والوجه وإجهاد نفسه لبيان حقيقة المعنى المقصود ، والكاتب يستعيض عن هذه الإشارة والحركات والإجهاد بتخريج عبارته على مقتضى القواعد فيتأنق في إحكام المعنى وتجويد الأسلوب ، وذلك شأن الكتّاب في كل اللغات ، فإذا كتبنا باللغة المحرّفة غير مراعين رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه ، وبغير نظر إلى ما يميز المضارع من الماضي ، كانت الكتابة غير مفهومة ، وكان ذلك بمثابة العدول بالعربية عن شكلها التي نتبادل بها إحساساتنا وأفكارنا بطريقة محكمة. نعم عندنا طريق آخر هو استعمال الإنجليزية (وهي الجارية في تعبير ويلكوكس) بدلاً من السيدة (أي العربية الفصحى) ولا يكون ذلك إلا إذا دفنا السيدة ـ ولعل هذا ليس هو مقصود صديقي ويلكوكس على ما أظن ـ إلا أن هذه السيدة (أي العربية الفصحى) لا ترضى لنفسها بالدفن وهي حية في عنفوان شبابها ، ولقد قاومت كل من أراد أن يذهب بنضرتها وصباها في جميع الأوقات ، وهي تملك لمقاومة ما يدس لها دائماً من السموم ترياقاً ـ أو لقاحاً ـ تحفظ به سعتها وكمالها، والقرآن المجيد.
    وعلى فرض أننا جمعنا تحريفات العامة وأحصيناها ونظرنا في تشابهاتها ووضعنا لها روابط وقواعد واتفقنا على استعمالها فمن ذا الذي يضمن لنا عدم خروج العامة عنها مدفوعين إلى ذلك بالأسباب التي أخرجتهم عن قواعد لغة القرآن ؟
    إن تحريف العربية الفصحى عند العامة ناشئ عن أسباب هي عين أسباب التحريف الذي يشاهد الآن في اللغات الأوروبية ، وهي أسباب طبيعية يظهر معها التحريف في لغة كل أمة ، ولا يستغرب ذلك ، وإنما يستغرب عدم مقاومته بما يقاومه به غيرنا .
    ثم ذكر أساليب الإنجليز في مقاومة تحريف عوامهم للغتهم بما يلقونه من خطب فصيحة في الأندية العامة والمجامع الأدبية والعلمية، وبما يمثل من روايات بليغة في دور التمثيل لتعتاد آذان العامة على الفصيح فتصحح به أساليبها العامية. وأشار إلى انتشار الصحافة والكتب الشعبية وتوسيع دائرة التعليم بالإكثار من المدارس وبتحفيظ أبنائهم شعر شكسبير حتى عمّ التمثل بها على ألسنة الفقراء والأغنياء والعلماء والصناع والعمال. وقال: ونحن عندنا في مقابل ذلك تحفيظ القرآن المجيد لأبنائنا، وشكا من أن ما يحفظ منه في المدارس يومئذ قليل جداً لا يزيد عن جزء عم وتبارك، والذين يحفظونهما يحفظونهما بغير فهم، أما الشعر العربي الفصيح فقلما يعنى بتحفيظه للنشء.
    ثم قال إن من وسائل إنجلترا في مقاومة العامية جعلها التعليم كله بجميع فروعه ودرجاته بلغتها دون غيرها، ولا تجيز لأولادها الشروع في تعلم لغة أجنبية إلا بعد أن يتمكن التلميذ من لغته وتتلبس فكرته بها. وقال : ولا تغتفر بريطانيا استعمال لغة غير لغتها في أية مصلحة من مصالحها، ولا تجيز نشر لغة غير لغتها، وبمثل هذا تقاوم العامية عندهم . قال: ومع كل هذه العناية وهذا الاجتهاد في جميع ممالك أوروبا صغيرها وكبيرها ، قديمها وجديدها لمقاومة العامية لا يزال في نطق كثيرين من العامة وأهل الضواحي من الإنجليز وغيرهم تحريف وخروج عن قواعد اللغة يجعل كلامهم غير مفهوم بالكلية إلا عند من تعوده كمطق السين زاياً، واستعمال ضمير من يعقل لما لا يعقل؛ وسوء استعمال أزمنة الفعل، ونطق كلمات على غير ما ينطق به العارفون باللغة مما لا يدخل تحت حصر. ومع وجود هذا التحريف لم نسمع أحداً منهم قال بوجوب استعمال هذا الخلط والتحريف بدل اللغة الصحيحة. وهذا مما يطمعنا في أن نرى تلك الوسائل مستعملة عندنا أيضاً فننتفع بها كما انتفع غيرنا.[/align]-------
    جــســــــــــور
    المجلة الدولية لعلوم الترجمة واللغة
    المراسلة :
    traductionmagazine@gmail.com​
  • د. جمال مرسي
    شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
    • 16-05-2007
    • 4938

    #2
    الحمد لله الذي حفظ لنا لغتنا العربية الأصيلة ببلاغتها و باتساعها و بجميل مخارجها من أي لهو أو عبث
    بأن جعلها لغة القرآن الكريم و الذي يحفظه المسلمون في شتى بقاع الدنيا باللغة التي نزل بها على النبي
    صلى الله عليه و سلم في وقت كان فيه العرب هم أفصح الفصحاء .

    و من الملاحظ أخي د. فؤاد أنه حتى هذه اللهجات المحكية اشتقت أصولها من اللغة العربية الفصحى مع تغييرات بسيطة في النطق أو الإعراب و هذا يؤكد أيضا على أصالة و عراقة هذه اللغة البحر .

    ( ثم زعم أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى ، ولو ألفوا وكتبوا بالعامية لصاروا مخترعين ! واستدل على ذلك بأن الإنجليز كانوا يؤلفون باللاتينية فلم يكونوا مخترعين فلما اختاروا لغة الفلاحين الإنجليز وكتبوا بها صاروا مخترعين ويرجع ذلك إلى الزمن الذي نبغ فيه شكسبير وبيكون . )

    هذا الزعم مرفوض و مردود على صاحبه .. فقد رأينا على مر التاريخ أن أكبر المؤلفات و التي ترجمت إلى جميع اللغات الأخرى كانت بالعربية الفصحى و لم نرَ منها مؤلفاً واحداً بالعامية . فالعربية هي لغة التجديد و الابتكار و الانتشار و لكنها الحرب الشعواء التي يريدون بها طمس هويتنا العربية و انتزاع لغة القرآن التي كانت و لا زالت محفوظة في قلوبنا و عقولنا صغيرنا و كبيرنا .

    و رحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين ذاد عن اللغة العربية بكل ما أوتي من شعر في هذه القصيدة العصماء التي ما زال يرددها الصغير و الكبير و التي يسعدني أن أنقلها لكم في هذه الصفحة :

    [poem= font="Simplified Arabic,4,darkred,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي =وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
    رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني =عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
    وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي =رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
    وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية =ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
    فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ =آلة ٍ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
    أنا البحر في أحشائه الدر كامن =فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
    فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني =ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
    فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني =أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي
    أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً= وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ
    أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً =فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ
    أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ= يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
    ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ= بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ
    سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة ِ أَعْظُماً= يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي
    حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه= لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ
    وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ= حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ
    أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً= مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ
    وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً= فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي
    أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ =إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ
    سَرَتْ لُوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى =لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ
    فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً =مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ
    إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ =بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي
    فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى= وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي
    وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ =مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ [/poem]

    فانظر معي أخي لهذا الدفاع المستميت في هذه الأبيات الثلاثة :

    [poem= font="Simplified Arabic,4,red,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية =ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
    فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ =آلة ٍ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
    أنا البحر في أحشائه الدر كامن =فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي [/poem]


    و لكن يظل السؤال أخي د. فؤاد و الذي ربما يفتح باباً للمناقشة من أجل إثراء هذا الموضوع الجميل :
    كيف نحافظ على لغتنا العربية الجميلة لغة القرآن و أنا أرى من الأجيال الحالية من يكتبوني أنتِ هكذا ( أنتي )
    و دمتِ هكذا ( دمتي ) ؟ !
    و لعلنا في هذا الملتقى الكبير بشعرائه و أدبائه و أساتذة اللغة فيه نحاول تصحيح هذه المفاهيم و الأخطاء الشائعة
    لكي يعود للغتنا رونقها و جمالها .

    بارك الله فيك و شكرا لك نقل هذا المقال الدسم

    و لك الحب و التقدير

    د. جمال
    التعديل الأخير تم بواسطة د. جمال مرسي; الساعة 04-06-2007, 14:42.
    sigpic

    تعليق

    • عصام مشعل
      أديب وكاتب
      • 16-05-2007
      • 299

      #3
      [align=center]دكتور فؤاد

      دكتور جمال

      كنت أتمنى أن يكون لدي ما أشارِك به

      فما لدي لا قيمة له أمام ما قرأت لكما

      وأرجو المزيد من الطرح حتى أتعلم

      وأعلم ماكنت أجهل

      دُمتما بخير وجزاكم الله خيراً على ماقدمتم

      وألف شكر والله استفدت كثيراً

      مع خالص التحية والتقدير
      [/align]
      التعديل الأخير تم بواسطة عصام مشعل; الساعة 07-06-2007, 13:21.
      [align=center][/align]
      [align=center][/align]
      [align=center][/align]

      تعليق

      • فؤاد بوعلي
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 213

        #4
        الدكتور الفاضل جمال
        شكرا لإثرائك للموضوع بهذا الطرح الشعري الرائع ... وأعتقد أن اللغة العربية تحمل من الخاصيات البنيوية والتقديرية ما يجعلها بالفعل لغة كلية ....... فزيادة على أنها اللغة التي استوعبت الكلام الرباني بما يحمل ذلك من دلالة الأهمية، فإنها تحوي سمات دلالية وتركيبة وصوتية تجعلها الإطار الأمثل للغات الكلية بالتعبير اللساني الحديث... صحيح أن بعض القدماء والمحدثين يقولون بعدم أفضلية لغة على أخرى وشكك الكثير منهم في صحة الأحاديث القائلة بأن لغة الجنة هي العربية ... لكن هذالا ينفي التقدير المعطى للعربية في الكتابات القديمة إلى درجة التقديس أحيانا ...يبقى الإشكال كيف النهوض بالعربية في وقتنا الحاضر ؟
        أعتقد أن حياة اللغة ورفعتها تظل مرهونة بقيمتها داخل فضائها وليس بقيمتها البنيوية ... فالإنجاليزية لم تكتسب قوتها من سماتها الذاتية بل من قوة المتكلمين بها ولا تقوم للغة قائمة إلا بالسلطان ... لكن هذا لا ينفي دور النخبة المثقفة من خلال إنجاح عمليات الترجمة والتعريب ونشر الفكر بالعربية والتركيز عليها وإنشاء منظمات أهلية للدفاع عن العربية وحمايتها كما هو حادث في الإمارات والمغرب ... لكن الأهم في نظري هو تنسيق الجهود بين هذه المنظمات والهيئات ...ويكفي أن أضرب مثلا بحالة الفوضى التي تعيشها االترجمة في عالمنا العربي ...فالكل يتحدث عن الترجمة والمترجمين لكن الكل يغرد في سربه دون معرفغة مجهودات اتلآخرين ...وأعطيكم مثالا حيا دوما أكرره موجود عندنا في المغرب ...في الرباط يوجد معهد للدراسات والأبحاث للتعريب ويفصله شارع عن مكتب تنسيق التعريب ..الأول لاتابع للوزارة والثاني تابع للجامعة العربية وبينهما قطيعة شبه كاملة ....وقس على هذا ...فتجد الأعمال مكررة بين المغرب والمشرق وكل يعرب على هواه دون أن تجد الأبحاث المترجمة طريقها إلى الوجود العملي ....هذا جزء من الصورة القاتمة لعربيتنا
        ودي وتحياتي
        جــســــــــــور
        المجلة الدولية لعلوم الترجمة واللغة
        المراسلة :
        traductionmagazine@gmail.com​

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #5
          مقالة كبيرة وخطيرة وبالقراءة جديرة.

          هو بالفعل مقال مهم وجدير بالقراءة والتمعن، والحفظ إن أمكن، وقمين بإعادة البعث والإحياء لما احتواه من فوائد جمة ومعرفة عميقة بالعربية وأسرارها الكثيرة وجدارتها باحتواء المخترعات الحديثة.
          تحية إكبرا وإجلال للأستاذ المغربي فؤاد بوعلي لإعادة نشره لهذه المقالة الكبيرة والخطيرة وبالقراءة جديرة.

          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          يعمل...
          X