الحمى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    الحمى

    الحمى


    عشاء باذخ حضرته زوجتي هاته الليلة ، و على ضوء الشموع ، أكلنا باستمتاع ، و تبادلنا اللقمة و النكات و الابتسام ؛ و حين فرغنا ، رقصنا على أنغام موسيقى شعبية حتى تعبنا، و ارتفعت أسنة اللهب في جسدينا. قفزنا إلى الفراش و افترسناه افتراسا. و نمنا. كانت تلتصق بي ، و كلما تزحزحت أمسكت بي بقوة ؛ خلت نفسي قلعة حصينة ذات أسوار عالية من الحجر ، و هي بداخلها تلهو و تلعب في أمان ، غير أن ريح الشك أحدثت ثلما اتسع مع مدار الوقت ، فصار ثقبا واسعا ،بعدها تصدع ثم انهار كل شيء ، لم أجد من مفر إلا حملها على ظهري و الذهاب بها إلى منزل أبيها ، قلت له :
    _ خذ أمانتك ..
    و بلطف :
    _أشكرك على هديتك الثقيلة ..
    و باعتراف :
    _ لا أستطيع حمايتها.
    و إذ رأيت وجهه قد تكدر ، و من عينيه برزت الأسئلة حادة ، و بانت على ملامحه آثار الاستغراب و الشقاء ، و على وجه الزوجه التوسل ، عدلت عن الذهاب إلى ذاك المنزل ، و عرجت بها إلى منزلنا العامر بالمحبة ، و طرحتها على فراش المتعة و نمنا . لما استدرت جهتها و أردت وضع يدي على ظهرها ، لامست الفراغ ؛ أصبت بدهشة خلو المكان ، و لما فتحت عيني ، وجدتها واقفة كعلامة تعجب ، تلبس البياض ، و على وجهها ملامح الغضب ، رمتني بإصبع اتهام مسنن ، ثم تبخرت. و من مكانها برزت أمي ذات اللباس الأخضر ، و قد وضعت على رأسها طرحة بيضاء ناصعة ، حدجتني بنظرات معاتبة ، فقلت لها :
    _ أمي ، لا أريد الزواج ، إنه مسؤولية ثقيلة.

    و قبل أن أتم كلامي تلاشت هي الأخرى و تركت بين يدي الحيرة الأبدية.
    لم يخرجني منها سوى صراخ طفل آت من الغرفة المجاورة ، ذهبت لأستقصي الأمر ، فوجدت زوجتي تحضنه ، تريد أن تلقمه ثديها لإسكاته. و إذ رأتني مدته إلي قائلة :
    _لقد ارتفعت حرارته ، و أخاف عليه من الموت ..
    ثم أضافت بحزم :
    _ علينا أن نحمله إلى المستشفى.
    نزلنا سريعا ، و أشرت لسيارة أجرة ، أخبرت السائق أننا ننوي الذهاب إلى المستشفى لعلاج طفلنا الموشك على الموت.
    نظر إلي السائق باستغراب ، و قد دارت بذهنه خواطر غير سارة ، و قال ، بعد أن حدجني :
    _ عن أي طفل تتحدث ؟ !
    و بتذمر :
    _ لا وجود لطفل هنا.
    علمت أني في ورطة ، فأجبته :
    عذرا سيدي ، أصاب بالحمى أحيانا ، فأهلوس ..
    رجاء احملني إلى منزلي.
    و حين فتحت الباب وجدت زوجتي واقفة بانتظاري و في يدها باقة ورد بمناسبة عيد ميلادي السبعين ، و مائدة مليئة بشهي الطعام.

  • محمد الشرادي
    أديب وكاتب
    • 24-04-2013
    • 651

    #2
    أهلا أخي عبد الرحيم
    لقد بلغت من العمر عتيا و تدحرجت إلى أردله و صرت تهلوس تحت تأثير الزهايمر.
    ترى هل كانت هي أيضا زوجتك أم أنها مجرد هولسات..
    ما أقسى هذه المرحلة ينهار العقل و يغمر الذاكرة ضبابا كثيفا. فتصاب بكثير من الثقوب.
    تحياتي

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد الشرادي مشاهدة المشاركة
      أهلا أخي عبد الرحيم
      لقد بلغت من العمر عتيا و تدحرجت إلى أردله و صرت تهلوس تحت تأثير الزهايمر.
      ترى هل كانت هي أيضا زوجتك أم أنها مجرد هولسات..
      ما أقسى هذه المرحلة ينهار العقل و يغمر الذاكرة ضبابا كثيفا. فتصاب بكثير من الثقوب.
      تحياتي
      سيدي محمد
      هي مرحلة عمرية يبلغها الكثيرون . مرحلة تصير فيها الحياة عبثا. تفقد دلالاتها و أبعادها. لا قيمة سوى للماضي.
      أشكرك على تعليقك الضافي و المميز بعمقه و طرافته.
      مودتي

      تعليق

      • السعيد مرابطي
        أديب وكاتب
        • 25-05-2011
        • 198

        #4
        [read]العــزيز عبد الرحيم

        فــعلا الموضوع جدير بالتناول لجلال حضوره في فئة من المسنين. يعاني منه اأهل المصاب أكثر من المصاب نفسه من شدة خوفهم عليه / من نعمره ننكسه في الخلق( صدق الله العظيم.)
        السرد بهذا الهذيان أعطى للموضوع نكهة خاصة.
        خبرتك دائما تطرح ما يشفي الغليل.
        يعطيك الصحة والعافية.
        تقديري ..مودتي.[/read]
        التعديل الأخير تم بواسطة السعيد مرابطي; الساعة 07-07-2014, 08:46. سبب آخر: تصحيح خطأ
        [read]أنـزوة غرور هي أن يـكون لي مفتـاح تـصور؟ ![/read]

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة السعيد مرابطي مشاهدة المشاركة
          [read]العــزيز عبد الرحيم

          فــعلا الموضوع جدير بالتناول لجلال حضوره في فئة من المسنين. يعاني منه اأهل المصاب أكثر من المصاب نفسه من شدة خوفهم عليه / من نعمره ننكسه في الخلق( صدق الله العظيم.)
          السرد بهذا الهذيان أعطى للموضوع نكهة خاصة.
          خبرتك دائما تطرح ما يشفي الغليل.
          يعطيك الصحة والعافية.
          تقديري ..مودتي.[/read]
          الله يحفظك ، أخي الراقي ، السعيد مرابطي
          أشكرك بحرارة على تعليقك القيم ، و رؤيتك الفنية السديدة.
          دمت بألق.
          عيد مبارك سعيد.
          مودتي

          تعليق

          • توفيق بن حنيش
            أديب وكاتب
            • 14-06-2011
            • 490

            #6
            لقد أبدعت يا أستاذنا عبد الرحيم ...سلمت يمناك وسلمتَ من الحمّى التي لو لاها لما قدّر لنا أن نقع على هذه الجوهرة ...الإبداع في البساطة والعمق ..

            تعليق

            يعمل...
            X