ليلة موحشة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مناف بن مسلم
    أديب وكاتب
    • 19-09-2013
    • 72

    ليلة موحشة

    ليلة موحشة
    بعد انتهاء مراسيم دفن زوجته وايام العزاء ودع معارفه وعاد لمنزله وحيدا . كانت الساعة تشير الى التاسعة مساءا , قفل الباب بالقفل والرتاجات وواجه قدره وحيدا . كان المنزل كئيبا جدا , تحيط به عزلة ستين سنة تسللت من عمره احسها الان لاول مرة في حياته , منذ سنين طويلة لم يشعر بعمق هذه العزلة , وهذا الفراغ الممتد مسافات طويلة يراه الان غراب اسود ينعق كي يعلن وجوده , بقي واقفا دون هدف محدد , منصتا لنقيق الضفادع الذي يرتفع بين فترة واخرى . نباح الكلاب السائبة يبدد صمت الليل . هاهو الان وحيدا في منزله القديم , لا شيء سوى شبحها وروحها الجاثمة في ارجاء المنزل . مسح عرق جبينه . كان الجو باردا لكن جسمه ملتهب جدا . تحرك بصعوبة باحثا عن شيء غامض لم يعرفه . تعثرت خطواته وسط ظلمة باحة المنزل التي تحيطه اشجار اليوكالبتوس . دخل لغرفته فاستنشق رائحة زوجته . لم يتوقع ان يجدها جالسة على سريرهما في انتظاره. لكنه عندما اضاء النور استند على الحائط من هول المفاجأة . كانت جالسة على السرير بنظارتها السوداء التي صارت تلبسها بعد اجراء عملية الماء الابيض لعينها اليمنى. اقترب منها بتوجس . كانت ضربات قلبه تزداد ارتفاعا كلما اقترب منها . نعم لقد صار لها في السنوات الماضية الزوج والخادم والممرض , كان السكري قد تمكن منها , لكنه لم يمل من خدمتها بالرغم من ضعف قلبه . كان يعتني بها كطفلة تمناها يوما ما. فبالرغم من من مرور اربعون سنة على زواجهما دون ان ينجبا , بقيت هذه الرغبة مكبوتة في اعماقه . حتى انه لم يحاول ان يجعلها تشعر بحاجته الماسة ان يكون ابا حنونا , اب يحتضن طفلته الصغيرة ويقبلها على جبهتها بعد ان يضعها في فراشها كل ليلة قبل ان ينام . لقد احترم موقفها التي اتخذته عندما عرفت امها انه لاينجب ( هذا قدري الذي اختاره الله لي ... لن اتركه يا امي لن اتركه ) . كان يرى حزنها من خلال صور الاطفال التي كانت تجمعها (صور لبنات وابناء اخوانها الستة واختها الوحيدة ) وتعلقهما على جدران غرفتهما , ولم يعترض يوما . هاهو الان يحدق بالصور المعلقة على جدران الغرفة ورأسه مثقل بالافكار المشتتة . (ابي كيف كانت امي ؟ ) كان بالسادسة من عمره عندما سأل اباه ( كانت امك حنونة جدا ) هذا ما اخبره به ابوه . لم يكن قد راى امه . لقد ماتت بعد ولادته بسنتين . وربته عمته التي امضت حياتها في خدمتهم . وظل سنين طويلة يحلم بأمه متمنيا ان ينام لمرة واحدة في حضنها الدافيء , وكلما اصابته حمى في ايام الشتاء كان يغمض عينيه ويتخيلها تمسح بيدها على رأسه , او تحتضنه على صدرها وتقرأ له دعاء يشفيه ويحفظه من كل سوء . وابوه كان فلاحا في بستان التاجر اليهودي . تذكر صباح ذلك اليوم عندما اخذه ابوه للبستان وتركه يلعب مع ابنة التاجر قرب النهر المحاذي للبستان . كان سعيدا جدا وهو يركض خلفها. لم يشعر بفارق بينهما رغم ارتدائها ملابس جميلة جدا . حول رقبتها قلادة ذهبية , تزين اذنيها باقراط صغيرة من اللؤلؤ تعكس لون الشمس الدافئء , وفي قدميها حذاء اسود لماع . وكانت ملابسه قديمة جدا حافي القدمين . الا انهما كان منسجمين في اللعب لولا انها قد تعثرت اقدامها وسقطت في النهر . كانت صرختها قد نبهت ابوه الذي ركض مسرعا دون ان يترك لنفسه ان يفكر لحظة . رمى بنفسه في النهر والتقطها من قاع النهر بعد ان ضرب رأسه باحدى الصخور القديمة قدم النهر , انقذها من الغرق دون ان يحس بالدماء النازفة من جبهته . وعند عودتهم للمنزل جلده ابوه بالحزام الجلدي , ولم يستطيع النوم على ظهره مدة اسبوع . كل ليلة كانت عمته تدهن له ظهره الصغير ويضل يبكي حتى ينقذه النوم من الالم , دون ان يعرف مالذي حدث مع ابيه بعد تلك الحادثة . لكنه بعد ثلاثة اشهر رأى الحزن مخيما على المنزل , لم يعرف ماحدث , ولم يعرف مالذي اتى بكل تلك النسوة المتشحات بالسواد الى المنزل , ولماذا كل هذا البكاء والنحيب , كان يلعب في باحة المنزل حينما سمع عمته تقول لهن ( هاهو يلعب دون ان يعرف ان ابوه قد مات بسببه ) . مرت سنين طويلة لكنه بين فترة واخرى كان يرى اباه في المنام , خارجا من النهر حاملا البنت اليهودية ورأسه مضرج بالدماء , ولم يخبر احد كم كان يتألم ويبكي كلما تذكر تلك الحادثة . كان متكورا على السرير , جسمه يرتجف , ورأسه مثقل بالافكار المشتتة , كانت الاحداث تتوالى عليه بسرعة رهيبة , لم يستطيع تمييزها , ولم يفهمها . كان خائفا شاعرا بضعف قلبه , حتى ان شفتاه صارت جافة جدا , والغرفة لم تعد ثابتة , كانت تدور وتدور . لم يستطع النهوض كي يبلل شفتيه بقليلا من الماء , متابعا هذا الكم الكبير من الصور المبتورة الغامضة , ثم صارت الوان متداخلة , ابيض , اصفر , ازرق , اسود . توقف كل شيء ولم يعد يرى غير السواد. لكنه اخيرا سمع صوت اباه ( تعال معي بني) (هل سامحتني ياابي ؟) (نعم يا بني ) فتح عينيه فلم يرى رأس ابيه مضرجا بالدماء , ولم يكن هناك اثر لاي جرح في جبهته . (ان قدماي لا تساعدني على النهوض ) قالها باكيا , متذكرا صباح ذلك اليوم الجميل عندما كان جالسا على كتف ابيه الايمن , داخلين الى بستان التاجر اليهودي . كان سعيدا جدا وهو يرى النخيل المرتفع الى اعالي السماء , واشجار البلوط والتكي والرمان . الارض مفروشة بالعشب الاخضر والورد البري , والسماء زرقاء صافية , زقزقة العصافير وهديل الحمام تزيد من جمال البستان جمالا اخر , جمال وهدوء لا يحسه ولا يحبه الا من كان يحب الارض مثلما يحب امه واباه .
    اعلن صياح الديكة عن بزوغ فجر جديد , وارتفع اخيرا اذان الفجر . بان الصباح اخيرا , وارتفع اصوات العاملين الذاهبين لاعمالهم , ارتفعت الشمس الى كبد السماء مشتتة الغيوم التي كانت تحجبها يوم امس . وانتشر نورها في الغرفة .
    على السرير كان ممددا دون حركة , نائما النومة الابدية , تاركا جسد باردا كالرخام , حيث لا هواجس تخيفه ولا عزلة تسجنه , محققا دون قصد نبوءة عمته حيث قالت ولدت وحيدا وعشت وحيدا وسوف تموت وحيدا .

    مناف بن مسلم
    البصرة - حزيران 2014
    التعديل الأخير تم بواسطة مناف بن مسلم; الساعة 02-08-2014, 08:58.
  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    قص شيّق وممتع، اعتمد على تقنية الفلاش باك، وصف دقيق للأشياء..وعنوان مرتبط بنهاية النص أيما ارتباط.
    راق لي هذا العمل برغم بعض الهنات اللغوية. أتمنى أن تعيد قراءة النص، وتقوم بوضع الهمزات على الألف..نص ترك أثرا غريبا في النفس، وبالتالي يكون قد وصل إلى عقل وقلب القارىء عن طريق الإيحاء..وهذا يعني أن العمل أدى مهمته بنجاح
    مودتي وتقديري، أخي مناف
    يثبت

    تعليق

    • مناف بن مسلم
      أديب وكاتب
      • 19-09-2013
      • 72

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
      قص شيّق وممتع، اعتمد على تقنية الفلاش باك، وصف دقيق للأشياء..وعنوان مرتبط بنهاية النص أيما ارتباط.
      راق لي هذا العمل برغم بعض الهنات اللغوية. أتمنى أن تعيد قراءة النص، وتقوم بوضع الهمزات على الألف..نص ترك أثرا غريبا في النفس، وبالتالي يكون قد وصل إلى عقل وقلب القارىء عن طريق الإيحاء..وهذا يعني أن العمل أدى مهمته بنجاح
      مودتي وتقديري، أخي مناف
      يثبت
      الاستاذ حسن لختام المحترم
      اشكرك على قراءتك الرائعة لنصي المتواضع وان شاء الله سوف اعيد قراءة النص للتصحيح
      وقد سرني فعلا ان يكون تأثير النص بالوصف الجميل الذي وصفته والذي يحفزني للتطور للوصول للافضل
      شاكرا لك على تثبيت النص
      لك تقديري واحترامي

      تعليق

      • عاشقة الادب
        أديب وكاتب
        • 16-11-2013
        • 240

        #4
        قص يحمل في طياته كما من الحزن والشجن توجع له القلب حتى احسست انه قديقتلع
        مكانه
        حروفتحمل هم وطن وهم انسان بسيط كل متطلباته حق الحياة
        تركت الكلمات غصة في القلب فعلا ..
        ابدعت وكفى

        تعليق

        • مناف بن مسلم
          أديب وكاتب
          • 19-09-2013
          • 72

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عاشقة الادب مشاهدة المشاركة
          قص يحمل في طياته كما من الحزن والشجن توجع له القلب حتى احسست انه قديقتلع
          مكانه
          حروفتحمل هم وطن وهم انسان بسيط كل متطلباته حق الحياة
          تركت الكلمات غصة في القلب فعلا ..
          ابدعت وكفى
          الاخت الكريمة عاشقت الادب
          شكرا لمرورك الرائع... سرني فعلا ان يكون النص مؤثرا بهذه الدرجة التي وصفتها كلماتك الرائعة
          تحياتي وتقدير
          مناف بن مسلم

          تعليق

          • حواء الأزداني
            أديبة وكاتبة
            • 28-10-2013
            • 138

            #6
            وصلني الشعور بالحزن الذي ذهب بحياته ..شعرت بعزلته تتقوقع بضجيج صامت في قلبي .

            قلم مميز
            حــــــواء الأزداني

            ربي إن رفعتني عند الناس (درجة) ’’’’فـــ احططني عند نفسي بمثلها .

            تعليق

            • مناف بن مسلم
              أديب وكاتب
              • 19-09-2013
              • 72

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة حواء الأزداني مشاهدة المشاركة
              وصلني الشعور بالحزن الذي ذهب بحياته ..شعرت بعزلته تتقوقع بضجيج صامت في قلبي .

              قلم مميز
              الاخت حواء الازداني
              سررت فعلا لتفاعلك مع النص واحساسك العميق به
              لكي كل التقدير والاحترام
              مناف بن مسلم

              تعليق

              يعمل...
              X