ليلة موحشة
بعد انتهاء مراسيم دفن زوجته وايام العزاء ودع معارفه وعاد لمنزله وحيدا . كانت الساعة تشير الى التاسعة مساءا , قفل الباب بالقفل والرتاجات وواجه قدره وحيدا . كان المنزل كئيبا جدا , تحيط به عزلة ستين سنة تسللت من عمره احسها الان لاول مرة في حياته , منذ سنين طويلة لم يشعر بعمق هذه العزلة , وهذا الفراغ الممتد مسافات طويلة يراه الان غراب اسود ينعق كي يعلن وجوده , بقي واقفا دون هدف محدد , منصتا لنقيق الضفادع الذي يرتفع بين فترة واخرى . نباح الكلاب السائبة يبدد صمت الليل . هاهو الان وحيدا في منزله القديم , لا شيء سوى شبحها وروحها الجاثمة في ارجاء المنزل . مسح عرق جبينه . كان الجو باردا لكن جسمه ملتهب جدا . تحرك بصعوبة باحثا عن شيء غامض لم يعرفه . تعثرت خطواته وسط ظلمة باحة المنزل التي تحيطه اشجار اليوكالبتوس . دخل لغرفته فاستنشق رائحة زوجته . لم يتوقع ان يجدها جالسة على سريرهما في انتظاره. لكنه عندما اضاء النور استند على الحائط من هول المفاجأة . كانت جالسة على السرير بنظارتها السوداء التي صارت تلبسها بعد اجراء عملية الماء الابيض لعينها اليمنى. اقترب منها بتوجس . كانت ضربات قلبه تزداد ارتفاعا كلما اقترب منها . نعم لقد صار لها في السنوات الماضية الزوج والخادم والممرض , كان السكري قد تمكن منها , لكنه لم يمل من خدمتها بالرغم من ضعف قلبه . كان يعتني بها كطفلة تمناها يوما ما. فبالرغم من من مرور اربعون سنة على زواجهما دون ان ينجبا , بقيت هذه الرغبة مكبوتة في اعماقه . حتى انه لم يحاول ان يجعلها تشعر بحاجته الماسة ان يكون ابا حنونا , اب يحتضن طفلته الصغيرة ويقبلها على جبهتها بعد ان يضعها في فراشها كل ليلة قبل ان ينام . لقد احترم موقفها التي اتخذته عندما عرفت امها انه لاينجب ( هذا قدري الذي اختاره الله لي ... لن اتركه يا امي لن اتركه ) . كان يرى حزنها من خلال صور الاطفال التي كانت تجمعها (صور لبنات وابناء اخوانها الستة واختها الوحيدة ) وتعلقهما على جدران غرفتهما , ولم يعترض يوما . هاهو الان يحدق بالصور المعلقة على جدران الغرفة ورأسه مثقل بالافكار المشتتة . (ابي كيف كانت امي ؟ ) كان بالسادسة من عمره عندما سأل اباه ( كانت امك حنونة جدا ) هذا ما اخبره به ابوه . لم يكن قد راى امه . لقد ماتت بعد ولادته بسنتين . وربته عمته التي امضت حياتها في خدمتهم . وظل سنين طويلة يحلم بأمه متمنيا ان ينام لمرة واحدة في حضنها الدافيء , وكلما اصابته حمى في ايام الشتاء كان يغمض عينيه ويتخيلها تمسح بيدها على رأسه , او تحتضنه على صدرها وتقرأ له دعاء يشفيه ويحفظه من كل سوء . وابوه كان فلاحا في بستان التاجر اليهودي . تذكر صباح ذلك اليوم عندما اخذه ابوه للبستان وتركه يلعب مع ابنة التاجر قرب النهر المحاذي للبستان . كان سعيدا جدا وهو يركض خلفها. لم يشعر بفارق بينهما رغم ارتدائها ملابس جميلة جدا . حول رقبتها قلادة ذهبية , تزين اذنيها باقراط صغيرة من اللؤلؤ تعكس لون الشمس الدافئء , وفي قدميها حذاء اسود لماع . وكانت ملابسه قديمة جدا حافي القدمين . الا انهما كان منسجمين في اللعب لولا انها قد تعثرت اقدامها وسقطت في النهر . كانت صرختها قد نبهت ابوه الذي ركض مسرعا دون ان يترك لنفسه ان يفكر لحظة . رمى بنفسه في النهر والتقطها من قاع النهر بعد ان ضرب رأسه باحدى الصخور القديمة قدم النهر , انقذها من الغرق دون ان يحس بالدماء النازفة من جبهته . وعند عودتهم للمنزل جلده ابوه بالحزام الجلدي , ولم يستطيع النوم على ظهره مدة اسبوع . كل ليلة كانت عمته تدهن له ظهره الصغير ويضل يبكي حتى ينقذه النوم من الالم , دون ان يعرف مالذي حدث مع ابيه بعد تلك الحادثة . لكنه بعد ثلاثة اشهر رأى الحزن مخيما على المنزل , لم يعرف ماحدث , ولم يعرف مالذي اتى بكل تلك النسوة المتشحات بالسواد الى المنزل , ولماذا كل هذا البكاء والنحيب , كان يلعب في باحة المنزل حينما سمع عمته تقول لهن ( هاهو يلعب دون ان يعرف ان ابوه قد مات بسببه ) . مرت سنين طويلة لكنه بين فترة واخرى كان يرى اباه في المنام , خارجا من النهر حاملا البنت اليهودية ورأسه مضرج بالدماء , ولم يخبر احد كم كان يتألم ويبكي كلما تذكر تلك الحادثة . كان متكورا على السرير , جسمه يرتجف , ورأسه مثقل بالافكار المشتتة , كانت الاحداث تتوالى عليه بسرعة رهيبة , لم يستطيع تمييزها , ولم يفهمها . كان خائفا شاعرا بضعف قلبه , حتى ان شفتاه صارت جافة جدا , والغرفة لم تعد ثابتة , كانت تدور وتدور . لم يستطع النهوض كي يبلل شفتيه بقليلا من الماء , متابعا هذا الكم الكبير من الصور المبتورة الغامضة , ثم صارت الوان متداخلة , ابيض , اصفر , ازرق , اسود . توقف كل شيء ولم يعد يرى غير السواد. لكنه اخيرا سمع صوت اباه ( تعال معي بني) (هل سامحتني ياابي ؟) (نعم يا بني ) فتح عينيه فلم يرى رأس ابيه مضرجا بالدماء , ولم يكن هناك اثر لاي جرح في جبهته . (ان قدماي لا تساعدني على النهوض ) قالها باكيا , متذكرا صباح ذلك اليوم الجميل عندما كان جالسا على كتف ابيه الايمن , داخلين الى بستان التاجر اليهودي . كان سعيدا جدا وهو يرى النخيل المرتفع الى اعالي السماء , واشجار البلوط والتكي والرمان . الارض مفروشة بالعشب الاخضر والورد البري , والسماء زرقاء صافية , زقزقة العصافير وهديل الحمام تزيد من جمال البستان جمالا اخر , جمال وهدوء لا يحسه ولا يحبه الا من كان يحب الارض مثلما يحب امه واباه . اعلن صياح الديكة عن بزوغ فجر جديد , وارتفع اخيرا اذان الفجر . بان الصباح اخيرا , وارتفع اصوات العاملين الذاهبين لاعمالهم , ارتفعت الشمس الى كبد السماء مشتتة الغيوم التي كانت تحجبها يوم امس . وانتشر نورها في الغرفة .
على السرير كان ممددا دون حركة , نائما النومة الابدية , تاركا جسد باردا كالرخام , حيث لا هواجس تخيفه ولا عزلة تسجنه , محققا دون قصد نبوءة عمته حيث قالت ولدت وحيدا وعشت وحيدا وسوف تموت وحيدا .
مناف بن مسلم
البصرة - حزيران 2014
تعليق