4 ـــ واجب إطاعة ما هو شرعي و الحق في عصيان ما هو غير شرعي :
إن المعنى الواضح لفكرة حكم الشريعة هو أن يكون الشخص مسؤولا فقط عن إطاعة ما هو شرعي و الابتعاد عما هو غير شرعي و عصيانه ، بل تصحيحه إذا استطاع . وقد قال الله عز و جل في هذا الشأن : ( و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان ) المائدة / 2 . و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أيضا أنه أعلن مرارا : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " رواه البخاري في كتاب الأحكام .
5 ــــ الحق في الحرية :
لقد وصف الله الإنسان بأنه خليفته في أرضه ، قال سبحانه : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جـاعل في الأرض خليفـة ) البقرة / 30 ، و هذا الوصف له مدلولاته من حيث ما ذُكر من الكرامة و الاحترام و الحق الإنساني .مما يعكس ما يتمتع به الإنسان في ظل الإسلام من الكرامة و الحرية و الرفعة مقارنة بما قررته الاتفاقيات الدولية وغيرها .
إن الدساتير الحديثة تقسم الحرية إلى أقسام مختلفة : حرية التعبير ، حرية التنقّل ...الخ ، و القرآن لا يشير إلى هذه الأقسام فقط ، بل من بين توجيهاته أنه ليس لأي شخص ـــ حتى النبي صلى الله عليه و سلم ــ الحق في استعباد شخص آخر بأي أسلوب : قـــــال جل جلاله : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) آل عمران / 79 .
إن جوهر الاستعباد و مدلوله أن العبد ليس له ملاذٌ ضد سيده ، بل هو تابع تماما لمشيئته ، و الاستعباد ــــ في رأي الإسلام ـــ إنكارٌ لكرامة الإنسان . و لقد تحدث القرآن الكريم عن احتمال نشوء نزاع بين السلطات العامة و الأفراد ، و مثل تلك المنازعات يتطلب حلها الرجوع إلى القرآن و إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، يقول الله جل و علا : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ) النساء / 59 .
غير أن واجب الأمر بالمعروف في الإسلام لا يتنافى مع الحرية الفردية لأن في قيام أفراد المجتمع بذلك حرصا كبيراً على الآخرين و تنبيها لهم على الأخطار المادية المعنوية . كما أن في الأمر بالمعروف دعوة أخرى إلى التفاهم و التشاور و إلى مبدإ الشورى المؤصل في الإسلام مصداقا لقوله سبحانه : ( وأمرهم شورى بينهم ) الشورى/38
والشورى هنا ليست مطلقة بل هي مقيدة بحدود الشرع ، فليس للفرد الحق في أن يُحَكِّم رأيه بما يتنافى مع الدين الإسلامي أو يعرض مصالح الناس للانتقاص . فإقامة السلطة في هذه الدنيا ـــ في الإسلام ـــ تعد نعمة من عند الله لمصلحة المجتمع بأكمله ، ذلك المجتمع الذي يدرك أعضاؤه دائما واجباتهم و التزاماتهم ، الذي تتمّ تسوية شؤون الناس فيه من خلال المشاورات المتبادلة .