الثقب
يده المقطوعة تبدو معلقةً كخشبة.
يمسكني بيده الأخرى ونتجول حتى نصل إلى السِّيف، وهناك نجلس مع البحارة والسماكين، في البسطة التي ترتفع على دكةٍ نُصبت قرب الساحل. كنا نحفر خطواتنا ونحن نهمّ ناحيتها حتى وجدنا رجلاً يقتعد الرمول الناعمة. ظهره مقوسٌ وهو يلصق جسداً مكوراً في حجره ويضمه إلى صدره. عرفت أنه عودٌ بفضل الدندنة التي سحبتها أذني.قال لي جدي: هذا خميس.
خميس، لا زال يغني، يسفح أشعاره وقصائده علها تصل إلى الشمس، البحر، النوارس، القوارب ووجهاً بعيداً يسكن قلبه. جررنا خطواتنا نحوه، وعندما اقتربنا منه، سحب عوده من فوق فخذيه وأراحه بقربه على الرمل ثمّ استدار ليقوم فيسلم على جدي:
- زارتنا البركة، كيف حالكم ؟.
مد جدي يده المقطوعة مازحاً، فضحك خميس وأخذ اليد الأخرى واحتضنها بكلتا يديه. قال جدي:
- متى ستريح قلبك الغريق في بحر الهوى ؟.
ظل فم خميس يرتجفُ مثل قلبه، ثم قال جازماً:
- لا أعلم، يبدو أنني سأصاحب هذا الهم وأحمله إلى القبر.
ثم جلس وسحب عوده بتؤدةٍ وأخذ يمسح على ظهره كمن يهدهد طفلاً ووضعه ثانيةً على فخذيه ثم ألصقه بصدره. وضع ريشته على قلبه هنيهة ونحن واقفان. أغمض عينيه، ثم هطل ندىً شفافٌ على خديه، فأنزل ريشته سريعاً على الوتر واندلقت دندناتٌ صافيةً حملت كلماته على أجنحتها:
طفيت نار ايْسدي بس قلبي ظل يلهب
يجروح روحي ابردي ريح الصبا هبهب
* * * *
بعد أن عاد لم يعرف أحداً.ساح في بلاد الهند والسند وديار الأعاجم حتى ملّ من استباحة الأمكنة ففضل العودة، ولما عاد كانت أمه قد لفظت أنفاسها وماتت وتركت منزلها مهجوراً مثل الطلل.الآن يمسك سعود بطبلته، ويمشي بين الأزقة وهو ينشد بلحنٍ رنيم:
رحت وسليت أحبابي وعدت...ما حد اشرع بابي
في روحتي ضمتني وتعلقت بثيابي
يالا يا لا يا لا لا يا لا يا لا يا لا لا
في روحتي ضمتني وتعلقت بثيابي
يالا يا لا يا لا لا يا لا يا لا يا لا لا
قالت ينبتة جوفي ويا حنتي وخضابي
لا ترحل وتتركني بترجع وانا بترابي
يالا يا لا يا لا لا يا لا يا لا يا لا لا
لا ترحل وتتركني بترجع وانا بترابي
يالا يا لا يا لا لا يا لا يا لا يا لا لا
- الحياة لا تذهب العقل، لا يوجد مجانين في هذه الدنيا يا بني، هناك أناسٌ لم يستطيعوا أن يدفنوا أخاديد الزمن والحياة في صدورهم. هل رأيت خميس ؟، تزوج وأنجب خمس بنات وأربعة صبية جعلوا من منزله الواسع ملعباً ومرتعاً لهم وأحيوه بكل طفولتهم الريانة، ولكنه لا زال يبحث عن غصنٍ فقده ذات يوم. هناك جرحٌ لم يلتئم في قلب خميس، ثقبٌ غائر، وكذلك سعود، والآخرون.
ولما مررنا بجاسم، أنزلني جدي ووقف يسدي لي النصح أن لا أسخر منه كما يفعل الآخرون. كان لعابه يسيل حتى أخمص قدميه، هو المجنون الذي لا يعرف الكلام، ولكن الزمن حفر فيه أخاديد كثيرةً لم يسعه أن يردمها، حتى أوى إلى الجنون. الجنون يا بني، ليس غياب العقل، بل ملاذاً كالضحك والبكاء والحزن والعشق وأي شعورٍ آخر، إنه وسيلةٌ لردم الأمنيات الخائرة واشتعال الألوان الباهته في حياته، انظر كم هو سعيد يا بني، هو يردم الآن حفره، يملأ ثقوب الحياة بهذيانه.سعود، كذلك، لا يزال يبحث عن أمه. إذا امتلك شئٌ ما على المرء أزمة نفسه، فإن خسارته تحيلهُ أعمى، حتى يتلاشى ويصبح رماداً، فلا ترى لديه وزناً لأي شئ.
قد تبدو الأشياء جميعها في عينيه رخيصةً وبالية، فلا تغره كثرة المال، ولا الجمال ولا المباهج.أنا أقول لك يا بني، عندما يطلع الإنسان على وجه هذه الأرض فإنه يكون كالجيش الذي يبدأ بنواته الأولى، ضعيفاً غضاً، ولما يستقوي ويستكثر فتعجبه الكثرة والعدد، يدخل في معركةٍ مع الحياة بكل ما يملك، ويجد نفسه في نهاية المعركة وحيداً مثلما جاء. لم يدخل أحدٌ في هذه المعركة إلا ويأتي في نهاية المطاف ذليلاً صاغراً فيقر بهزيمته ويسلم رقبته لشفرة الموت.
* * * *
عندما سألت أبي عن كف جدي، صفعني وحذرني إن أنا كررت هذا السؤال مرة أخرى. وعندما وجدني جدي حزيناً، تحتفر في محاجري خيوط الدموع، سألني فأخبرته بما جرى، فذهب لأبي ووبخه على ذلك وأنا أمسك بثوب جدي وأمشي خلفه وأسترق النظر لأبي الذي طأطأ برأسه.أخذني جدي لغرفته، وقام إلى روزنة الغرفة وفتح صندوقه وأخذ خرقةً حمراة معقودة، فلّها وأراني لؤلؤاً مكنوناً، وقال لي هذا لك يا بني:
- خذه، اصنع منه عقداً لعروستك، قرص خدي وقال أن نجمة ابنة عمي تصلح أن تكون عروستي !.
وفي تلك الليلة، خفت إن أنا اختليت بأبي أن يسحتني بعذاب أليمٍ فبقيت مع جدي الذي بدأ يردم حفر الزمن في قلبه. حكى لي قصة يده المبتورة حين ذهب مع النوخذة أبو سالم، وقد كان غواصاً ماهراً، ولكن الزمن اختار يده لتطبق عليها محارةٌ عملاقة، فأنقذه أصحابه بعد أن قطعوا كفه التي امتدت لتنهب اللؤلؤ من قلبها. كان الخيار أن يموت غرقاً، أوأن تقطع يده ويكون له العيش بيدٍ واحدةٍ. تنهد جدي بألمٍ وأعقبها بآهةٍ محمومة:
- كان الذي يسحب الحبال قد أمر من في الجالبوت أن يغتاصوا ليروا ما حلّ بي، فوجدوا يدي في بطن المحارة وأنا أجر جسدي، يائساً، حزيناً. تضرعت لله في قلبي وتشهدت، فقد رأيت طيور الموت تحوم وتكاد تسف على رأسي.
وعندما رأيت احد أصحابي وهو يهبط من علٍ، مشفقاً علي ومواسياً بعينيه، عرفت أن ثقباً في هذا القلب سوف يغور وأبقى هكذا. لم يكن البتر سهلا، لا بالسيف ولا بالسكين، ولكن بالخنجر المعقوف الذي قطع عروقاً خصبةً فاض منها الدم الدافق.عدتُ ها أنذا يا بني، ألا ترى هذا الجسد ؟، هل هناك فرق بين خميس أو سعود أو جسوم، كلهم يا بني مملوؤون بالثقوب والحفر التي لم يردمها الزمن. أنا أقفرت، لكنني ردمت حفري بالصبر. هل يستطيع الجميع أن يتقوتوا بالصبر ؟ لا، بالتأكيد لا.
- انظر.
سحب صورة جدتي نجية، وقال بحزن:
- الله. ثم مسح على الصورة، فتطاير الغبار منها، رغم أن لونها الرمادي لم يمنع الصورة من أن تشي بجمال مكتنزٍ في وجه جدتي الراحلة.
ماذا ترك لي الزمن يا بني ؟، كنت فارساً أقود جيشاً وقد عدت وحيداً، خائراً، تملؤ هذا الجسد الثقوب والحفر والجراح: يدي التي أكلها البحر، عمري الذي حته الزمان، نجية، أصحابي الراحلون، أمنياتٌ عطشانة قبرتها في مجاهل صدري، قادمٌ مجهول أنتظره.قال وعيناهُ تحرثان وجهي:جئت بعد هذا الطريق الطويل، أجثو راكعاً، لأدخل من أضيق ثقبٍ في هذه الأرض حتى أعرف الحقيقة، سر الغربة التي ينهش هذه الأجساد ولا يتركها تأنس بشئ حتى ينهبها في طرفة عين، الكل يخشى هذه اللحظات، لكنني بت أشتاقها، لأنني سأعرف أخيراً حقيقتي وحقيقة جميع الأشياء الفانية !.
تعليق