أجسادٌ تتفصد عرقا . كخيول جامحة استبدّ بنواصيها العرق ، تتراقص على إيقاع عرس كـلـّل نداء الفجر بالصخـب .
أيادٍ ناعمة و أخرى خشنة ، تتلاحم ، تتشابك على غرة من سباتِ الكبار المحافظين . نوافذ بهو فـُتحت على مصراعيها لنسيم فجر يصفعُ الوجوه ، بحسرة شديدةٍ تبدو النفوس متأسفة على دنو ساعة الرحيل ، فتتضاعف وتيرة الرقص و الهتاف خوفا من شروق الصباح .
كانت هنا منذ سنة مضت ، حيث حضرتْ زفافا آخر لنفس العائلة ، يومها أيضا لم تتمتع بوجبات الوليمة، و لا برقصة بين قريناتٍ تحـفهن النحافة و الرشاقة .
و الليلة ، ترى الحال على حاله ، أو ربما أسوء من ذلك ، يثير في القلب وتر الشجون ، يطمس قنديل البصيرة فيتمادى شوك المماشي ، و لا من متهم تصبّ عليه وبال سخطها غير عقودها الثلاثة .
يجثو الهيام على عرش الصمت ، و سهواً ، تحدثك زفرات من صدرها البدين باكتئابٍ يُحاك بمغازل القدر ، بملامح تتأبط كمداً ، يتلظاها شحوب عينين منسدلتين من يمنة ليسرة تجوبان المهرجان . بـحرج يبدو للعيان ، تقاوم العرق فيطفو ، تتعمـّد الابتسامة فتخبو ، ثم لا تلبث أن تخدعها المذارف ، فيلوذ الرأس بالدمع بين ثنايا الحضن .
ما من هائم إلا في همّ طواه يهيم ، تهيم في خضم عواصفٍ شتى ، أذرتْ ذروتـُها رياحينَ السنوات الثلاثين .
تهيم ... تتجلى نهاية عقدها الأول من العمر ملففة بالأكفان ، يتضح المشهد جيداً ، الأم الحنون على سرير المنية تقاوم الاحتضار ، تتجرع ما بأغوار الفؤاد المنكسر من مرارات الفراق ، تتحدى الحشرجة ، و صوت الموت يعلو سلطانا مقتدرا ، "" وفري الدمع عنك وحيدتي ، ما الحياة بالبقاء و لا البكاء باللقاء ، إليك أودع قبر الدنيا بطابقين ، سقفٌ و قــــِدر . ""
يراودها العقد الثاني ، من عقـّد باقي العقود ، تتنفس الصعداء ، و يستمر المشهد بائسا ، بسلاسله يسحب شابة من كهوف اليتم إلى غاية مستنقع البدانة المركزية .
لا جدوى من محاولاتٍ شتى ، ينتفخ البطن ، رويدا رويدا ، و ما من دهون فيه تذوب ... أيام لا تطاق ... أروقة المشافي تفزعها ، روائح الدواء إلى النفس تزف غـَشية من طعم برودة الموت ، و المكان يغدو مسرحا للرهاب على وقع جنازين بسترة من لون الكفن ، من حولها يدفعون نعوشا متحركة نحو المجهول .
العقد الثالث على شريط مخيلتها ، لقطة واحدة منه ، تدفعها إلى اللهاث ، ترتعش ، و الخطيب الوسيم بربطته الأنيقة يدق الباب راغبا في الاقتران بها . لا تصدق ، يبللها العرق ، ثم تتصادم التساؤلات ، " أتحبني حـقا ؟ " يطن السؤال في أذنه ، " بالطبع نعم ، لكني رجل صريح ، لا أكتمكِ سرا ، ماذا عندك ؟ " تحملق ، ينال منها الغضب ، بامتعاض تشدّ قبضتها ، تصرخ ، كفى ، و الدمع ينساب ثم تتلاحق الأنفاس " رجل للبيع ، طماع ، أغرب عن وجهي !! "
يتأهب العرسان للمساهمة في الرقص ، كل الضيوف مدعوون للمشاركة في الرقصة الأخيرة ، إلا هي ، لا تتزحزح ، تـُوقف شريط مخيلتها عند سؤال طرح عليها منذ أيام طوال ، " ماذا عندك ؟" تتساءل ، عليّ الوقوف للحظة ، لم أفكر قط في الإجابة عن هذا السؤال ، لا دخان من دون نار ، ماذا عساه يكون عندي ؟ لربما أملك شيئا لا أراني أملكه .
العقل حاضر هذه المرة في حضرة الدموع ، و الرغبة في فك أحجية السؤال حاضرة بامتياز . بعيون المنطق تتفحص أحوالها المادية ، تقف على وضع ينأى عن فقر مدقع ملجأه الشارع و صحنه القمامة ، تكاد الابتسامة تطفو ، ثم لا تلبث فتتلاشى ، تتأوه ، " ما جدوى الكرامة في حضرة البدانة ؟ أسوء ما في البدانة أنها تورث الاكتئاب ."
تعود ، تتمعن في طبيعة الداء ، يقودها الهيام لتتذكر المرحومة جدتها و هي تلقنها أهازيج المرح ، على الثغر فجأة تعود البسمة لترسم عليه جلنارا من لون الصيف ... تتمتم ،" مهلا مهلا ، ألم تعاني جدتي من البدانة نفسها في بيئة انعدم الطبّ فيها ؟ ألم يحمِها الله لتعيش عادية سليمة في كنف أحفادها لمدة أطول ؟ فماذا عني أنا في زمن العلم و التكنولوجيا و الأندية الرياضية ؟ تبا لاكتئاب غارت الرقصة فيه ! تبا لسؤال خطيب غارت القناعة فيه ، عندي ربّ يحمي ، سقف يقي ، و قدر يسقي "
لم يبق من ليلة العرس غير زحمة الصبح ، من دهاليز عزلتها تنتفض ، تستفيق على رقصة عريسين يودعان الراقصين ، في دهشة مبتهجة من الحضور ، تربط الوسط ، و ترقص ، على مقام كمان شجي يثير دمعتها ، على تصفيقات أيادٍ عيونها تبادل الدمعة بالدمع . يشرق الصبح و الحفل ممتد ، و تعود من جديد ، لترقص .... وترقص ....
أيادٍ ناعمة و أخرى خشنة ، تتلاحم ، تتشابك على غرة من سباتِ الكبار المحافظين . نوافذ بهو فـُتحت على مصراعيها لنسيم فجر يصفعُ الوجوه ، بحسرة شديدةٍ تبدو النفوس متأسفة على دنو ساعة الرحيل ، فتتضاعف وتيرة الرقص و الهتاف خوفا من شروق الصباح .
كانت هنا منذ سنة مضت ، حيث حضرتْ زفافا آخر لنفس العائلة ، يومها أيضا لم تتمتع بوجبات الوليمة، و لا برقصة بين قريناتٍ تحـفهن النحافة و الرشاقة .
و الليلة ، ترى الحال على حاله ، أو ربما أسوء من ذلك ، يثير في القلب وتر الشجون ، يطمس قنديل البصيرة فيتمادى شوك المماشي ، و لا من متهم تصبّ عليه وبال سخطها غير عقودها الثلاثة .
يجثو الهيام على عرش الصمت ، و سهواً ، تحدثك زفرات من صدرها البدين باكتئابٍ يُحاك بمغازل القدر ، بملامح تتأبط كمداً ، يتلظاها شحوب عينين منسدلتين من يمنة ليسرة تجوبان المهرجان . بـحرج يبدو للعيان ، تقاوم العرق فيطفو ، تتعمـّد الابتسامة فتخبو ، ثم لا تلبث أن تخدعها المذارف ، فيلوذ الرأس بالدمع بين ثنايا الحضن .
ما من هائم إلا في همّ طواه يهيم ، تهيم في خضم عواصفٍ شتى ، أذرتْ ذروتـُها رياحينَ السنوات الثلاثين .
تهيم ... تتجلى نهاية عقدها الأول من العمر ملففة بالأكفان ، يتضح المشهد جيداً ، الأم الحنون على سرير المنية تقاوم الاحتضار ، تتجرع ما بأغوار الفؤاد المنكسر من مرارات الفراق ، تتحدى الحشرجة ، و صوت الموت يعلو سلطانا مقتدرا ، "" وفري الدمع عنك وحيدتي ، ما الحياة بالبقاء و لا البكاء باللقاء ، إليك أودع قبر الدنيا بطابقين ، سقفٌ و قــــِدر . ""
يراودها العقد الثاني ، من عقـّد باقي العقود ، تتنفس الصعداء ، و يستمر المشهد بائسا ، بسلاسله يسحب شابة من كهوف اليتم إلى غاية مستنقع البدانة المركزية .
لا جدوى من محاولاتٍ شتى ، ينتفخ البطن ، رويدا رويدا ، و ما من دهون فيه تذوب ... أيام لا تطاق ... أروقة المشافي تفزعها ، روائح الدواء إلى النفس تزف غـَشية من طعم برودة الموت ، و المكان يغدو مسرحا للرهاب على وقع جنازين بسترة من لون الكفن ، من حولها يدفعون نعوشا متحركة نحو المجهول .
العقد الثالث على شريط مخيلتها ، لقطة واحدة منه ، تدفعها إلى اللهاث ، ترتعش ، و الخطيب الوسيم بربطته الأنيقة يدق الباب راغبا في الاقتران بها . لا تصدق ، يبللها العرق ، ثم تتصادم التساؤلات ، " أتحبني حـقا ؟ " يطن السؤال في أذنه ، " بالطبع نعم ، لكني رجل صريح ، لا أكتمكِ سرا ، ماذا عندك ؟ " تحملق ، ينال منها الغضب ، بامتعاض تشدّ قبضتها ، تصرخ ، كفى ، و الدمع ينساب ثم تتلاحق الأنفاس " رجل للبيع ، طماع ، أغرب عن وجهي !! "
يتأهب العرسان للمساهمة في الرقص ، كل الضيوف مدعوون للمشاركة في الرقصة الأخيرة ، إلا هي ، لا تتزحزح ، تـُوقف شريط مخيلتها عند سؤال طرح عليها منذ أيام طوال ، " ماذا عندك ؟" تتساءل ، عليّ الوقوف للحظة ، لم أفكر قط في الإجابة عن هذا السؤال ، لا دخان من دون نار ، ماذا عساه يكون عندي ؟ لربما أملك شيئا لا أراني أملكه .
العقل حاضر هذه المرة في حضرة الدموع ، و الرغبة في فك أحجية السؤال حاضرة بامتياز . بعيون المنطق تتفحص أحوالها المادية ، تقف على وضع ينأى عن فقر مدقع ملجأه الشارع و صحنه القمامة ، تكاد الابتسامة تطفو ، ثم لا تلبث فتتلاشى ، تتأوه ، " ما جدوى الكرامة في حضرة البدانة ؟ أسوء ما في البدانة أنها تورث الاكتئاب ."
تعود ، تتمعن في طبيعة الداء ، يقودها الهيام لتتذكر المرحومة جدتها و هي تلقنها أهازيج المرح ، على الثغر فجأة تعود البسمة لترسم عليه جلنارا من لون الصيف ... تتمتم ،" مهلا مهلا ، ألم تعاني جدتي من البدانة نفسها في بيئة انعدم الطبّ فيها ؟ ألم يحمِها الله لتعيش عادية سليمة في كنف أحفادها لمدة أطول ؟ فماذا عني أنا في زمن العلم و التكنولوجيا و الأندية الرياضية ؟ تبا لاكتئاب غارت الرقصة فيه ! تبا لسؤال خطيب غارت القناعة فيه ، عندي ربّ يحمي ، سقف يقي ، و قدر يسقي "
لم يبق من ليلة العرس غير زحمة الصبح ، من دهاليز عزلتها تنتفض ، تستفيق على رقصة عريسين يودعان الراقصين ، في دهشة مبتهجة من الحضور ، تربط الوسط ، و ترقص ، على مقام كمان شجي يثير دمعتها ، على تصفيقات أيادٍ عيونها تبادل الدمعة بالدمع . يشرق الصبح و الحفل ممتد ، و تعود من جديد ، لترقص .... وترقص ....
تعليق