نظر إليّ الرجل- صاحب الشركة العابرة للقارات- هو العابر للزمن ، إذ إنه لم يتغيرإلا قليلا ، باستعلاء من تحت لفوق ، ومن فوق لتحت ، ثم قال لي بصوت أبوي رخيم ، فيه من السخرية ما فيه ، و فيه من التحقير ما فيه :
_لقد تبنينا تحفتك ، حقيقة هي عمل فني رائع ، ساهم في الترويج لمنتوجاتنا ، و صيرناه هوية بصرية لشركتنا المباركة !
استغربت في البداية ، و أنا مازلت تحت تأثير المفاجأة الصاعقة . أردف :_ و سنصرف لك مكافأة على مجهودك الطيب..
صرخت بأعلى صوتي ، و لست أدري إن كان قد غادر حلقي أم ظل حبيس الصدر :
لا...
لا
ليس عيبا أن أحب أبي و أقدره ، فقد كان يعزني و يقربني منه ، وأفتخربانتسابي له ، فأنا امتداده ، و هو جذري و أصلي و خيمتي ،
صحيح أني غضبت منه مرة ، لما فاجأني بحضوره غير المتوقع . كنت منهمكا في إعداد دميات من جبص لكي أبيعها ؛ فأحصل على نقود الجيب ، تسعفني في شراء ما أريد ، وبالأخص ، دخول السينما ، فقد كنت مهووسا بالأفلام الغربية.
تسلل إلى السطح بحفة قط ، ثم صرخ في وجهي فأرعبني ، و انطلق في رقص محموم يكسر الأصنام التي صنعتها ، في اعتقاده ، لنفسي.
لقد تفهمت- بعدها - تصرفه ؛ فالرجل لا يحب أن يكون مشركا ، و لا يبغي ملاقاة ربه بذنوب أبنائه ، و هو الحريص على تربيتهم التربية الدينية الحسنة.
بعد أن سكت عنه الغضب احتضنني ، ثم دعاني لحفظ القرآن ، و المداومة على الصلاة ،مقابل إغراء مادي . لم يكن كبيرا ، تصنعت الجد لأسطو على المال من غير وجه حق ، اعتمدت على تمثيل الدور ، دور الابن المطيع ، و هكذا بدأت أحصل على سنتات تكفيني لمشاهدة ما أحبه من أفلام.
فكر أبي في حيلة تخرجني من عبثي و ضلالي المبين ، فكان أن أيقظني ذات صبيحة باكرا ،و أغراني بالصحو و فضيلة العمل في الحياة ، و دعاني لمصاحبته إلى أرضه؛لأستمتع بمناظر الطبيعة و عطاءاتها.
كنت غاضبامن حرماني من متعة النوم ، لكني كتمت غيظي ، و سايرته . تناولنا فطورنا ،خبزا و زيتا و شايا معطرا بروح النعناع ، و انطلقنا على بركة الله .
كان أبي يحرص على أن أظل إلى جانبه طول الطريق ، و لما اشتكيت من غم الناموس الذي يكيد لعيني ، دسني تحت جلبابه ، كما كان يدس المنشورات المناهضةللمستعمر ، فقد كان مناضلا في صفوف الحركة الوطنية الداعية لاستقلال الوطن و تحرر ه. لم ينل حظوة ، و لم يعترف له بدور ، بل تم اتهامه بالخيانة ، و ماكان عليه إلا قضاء وقت طويل من أجل تفنيد الاتهام ، كما لو كان الخونةيبغون من ذلك صرفه عن المطالبة بأجر النضال ، و ما كانوا يعرفون تعففه وابتعاده عن الادعاء ، و أن تضحياته كانت نابعة من حبه العميق لأرضه ؛ فهو قدتعلم أن يحافظ عليها من أي انتهاك ، كما يحافظ على روحه من كل دنس ؛ فهي كالعرض ، التفريط فيها يعني الموت . حين أدرك حقارة شبكة الخونة و تكالبهاعلى توزيع الوطن بينهم ، ندد ؛ غير أن صوته ذهب سدى ، فكان أن انطوى على نفسه لغرس القيم السامية في أبنائه.
كان يقول لي ، حين يراني منكبا على حفظ التاريخ بنشاط و همة :
_ عليك بالحذر ، لا تأخذ ما في الكتاب على أنه الحقيقة ، إن هو إلا وجهة نظر ،اعمل تفكيرك. التاريخ يكتبه أصحاب المصالح ، و ذوو النفوذ .
مرة ، ذهبت صحبته إلى الحمام التركي ، لما نزع عنه ثيابه ، شاهدت ندوبا ترتسم على جسده النحيل ، سألته ، فقال :
_ إنها نتيجة قراءة جديدة للوطن !
لم أفهم القصد إلا متأخرا .
بلغناالحقل ، لم أحس لا بوعثاء الطريق الوعرة و المتربة ، و لا بالناموس وغضباته . كنت مشباع برائحة الأرض تنبعث من مسامه ، و من نبضات قلبه . شرع أبي في تشذيب الأرض من الطفيليات ، و لما رآني واقفا لا أريم، مدني ببذور القرع و فأس ، و دعاني للعمل .
قلبت الأرض كيفما اتفق ، تحت أنظار أبي الباسمة ، وبذرتها . ثم أتيتها بماء ..و كانت عنايتي بها مستمرة. انتفض قلبي ، و أناأرى البراعم ، أرى امتداد النبات ، أرى بزوغ القرع ، أرىا ستواءه .
جنيته ، حملته إلى المنزل بفرحة غامرة . صنعت لنا أمي قصعة كسكس لذيذة ، زينها قرعي. ملأني ذلك بالحبور ، و بحب الأرض المعطاء .
قمت باتباع كل الإجراءات القانونية للحفاظ على أرض أبي من النهب ، بعد أن استولى عليها صاحب نفوذ ، غير أني فشلت في استعادتها ، لكوني لم أسرع بتحفيظ الإرث ، فكان أن تم بناء صرح عظيم فوقه ، و بإصراري ، و نضالي تم منحي مترا مربعا إلى جوار هذا البناء الضخم .
كانت الصفعة القوية التي تلقيتها ؛ حين رأيت صورة الرجل الذي أخذ مني الأرض غصبا تزين واجهة المبنى،إنه ذلك الرجل الذي رفض أبي رؤية وجهه ؛ لما أطل علينا من الشاشة للحديث عنا زدهار بلدنا . اربد وجهه و صارت ملامحه قاسية ، أشاح بعيدا كنوع من الازدراء ، و حوقل ، راجيا مني تغيير القناة .
فما كان مني إلا الانكباب على صنع تمثال من الفولاذ لأبي ، في هذا الجزء المتبقي ،جعلته في وضعية محارب ، يرفع ذرعه إلى الأعلى لحماية نفسه من ضربات الغدر ،و باليد الأخرى يدفع برمحه إلى بطن البناء الصارخ .