كنت كمن يحمل صخرة ثقيلة على كتفيه الهزيلتنين و ينوء بحملها ، أو كمن أذهلته أحوال العالم و أحداثه المجنونة ، و أنا أفكر في فكرة انقلاب السحر على الساحر ، أقلبها و أعيد ، و أنظر إليها من جوانب عدة ، خاصة و أنا أتابع جنون الشرق و ما يعرفه من خطط جهنمية تروم تفتيته بأيدي أهله بغاية الاستفادة من خيراه ، كنت منحي الرأس بفعل حجم الفكرة ، فما رأيت الرجل الذي أمامي إلا حين رفعت رأسي ، أما قبل ذلك فما شعرت سوى برغبة طعن من أمامي لكونه يعرقل خطوي و يسد علي الطريق . لا أريد غير فسحة تتيح لي مزيدا من التمعن في الفكرة العجيبة ، و فهم أبعادها و القبض على حقيقة دلالتها و حضورها على أرض الواقع.الزقاق ضيق و نفسي أضيق و هذا الرجل لا يترك لي أي خيار ، رفعت رأسي لأراه ،رفعت رأسي فأبصرت عملاقا ذا جسم رياضي متناسق ، بأيد مفتولة ، إنه هو ، ذاك الذي رفع يده عاليا و وضعها على خدي الأيمن بكل حرارة ، لدرجة أن من كان بعيدا طرق سمعه صوتها ؛ فاستدار لمعرفة المصدر ؛ لا لشيء إلا لكونه اعتقد أني نظرت إلى زوجته الحسناء ،و الويل لمن ألقى نظرة عليها و لو خاطفة ، إنه رجل دعش.. و ما درى أني لم أكن أنظر إليها ، بل كنت أفكر في العلاقة الجامعة بين جمال فتان و قد أهيف ذي قوام متناسق و وحش كالطود عظيم البنيان ! فقدت توازني و تراجعت إلى الخلف متمايلا كالسكران ، بالكاد تماسكت حتى لا أسقط.. لا أخبركم بمدى إحساسي بالمهانة و الذل و أنا أتلقى الصفعة الحارة ، كدت أنكمش ، صحيح أني لم أمد له خدي الأيسر ، لكني شعرت بغيظ يأكل ذاتي و رغبة أكيدة في قتله غير أن ضعفي ونحافتي الشديدة ، و نتوء عظام صدري و وجنتي من جهة ، و قوته البارزة للعيان من جهة ثانية ، جعلتني أعدل عن أي فكرة لرد الاعتبار. لا مجال للمقارنة بين دبابة و ذبابة ، و كنت أنا الذبابة التي كادت تسحق.انسحبت بخيبة و وشم عار انطبع في أعماقي و كانت نفسي تتميز من الغيظ و تغلي كبركان. الفرصة الآن مواتية ، و لباسه يؤكد لي أنه هو ، كما أن مشيته تبعد أي ظن خاطئ ؛ ثم إني سأسدي لسكان حيي خدمة كبرى إذ أني سأخلصهم من هذا الرجل الطود ذي الأموال الكثيرة ، فلا أحد استطاع الدفاع عن حقه و هو يراه يسلبه منه . الكل يزدرد ريقه بمجرد ما يراه ، يفسح له الطريق تجنبا لسخطه و إبعادا لعقابه . السلطة كانت تقف إلى جانبه يرشيها فتسانده. طعنه الطعنة القاتلة ستكون بمثابة إحقاق عدل ظل مهدورا طويلا . الشمس تميل إلى الغروب ، و المكان ضيق ، و لا أحد موجود للإدلاء بالشهادة ، الظرف موات ، و شروط النجاح متوفرة. لما استدار أسقط في يدي ، و ما عزمت عليه صار من الماضي ، فالرجل الذي أمامي لا أعرفه ، اختلطت علي الأمور ، و أعماني الحقد ، لكن الغشاوة قد رفعت عني و صرت أبصر جيدا. حمدت الله على أني تريثت قبل إقدامي على الفعل الذي كاد يصير إجراما؛ و أن الانتقام كاد ينقلب ضدي ، فيفوز و أضيع. أبعدت المدية بكثير من الارتياح ؛ لأني لم أزهق روحا بريئة ، و لأني فزت بفرصة البقاء إلى حين أتمكن من فش غلي.غير أن المدية كانت عضوبا ، و الدم يستصرخها ، و لابد من أن تستجيب له ، و تلبي نداءه ، فتذهب عنها ظمأ ما أحست بمثله أبدا. لقد تعودت أن تنهل من الدم ولا يمكن لأحد حرمانها من تذوق ما اعتادت عليه. شرب الدم إدمان ، و علاجه مستحيل. حرنت و تراجعت قليلا ثم فرت من بين يدي الرخوتين. أنا أتبرأ منها كما يتبرأ الأب من ابنه الحجود ! لم يعد يربطني بها رابط ، كل أفعالها هي المسؤولة عنها . فما دام أنها قد صارت مستقلة و لها قرارها الخاص فلتفعل ما تريد.
دم
تقليص
X
-
المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركةكم اشتقت هذا الحرف و هذا الأسلوب الشيق
جميلة قصتك أخي عبدالرحيم و لها جمالية خاصة في إمكانية إسقاطها على واقعنا المر جدا
محبتي و تقبل مروري المتواضع
تقديري
شكرائية المحفزة.
مودتيرا لك على بصمتك الق
تعليق
-
-
نص يمكننا أن نسقطه على كل مكان وزمان كفكرة
جاء التشبيه بين الدبابة والذبابة أكثر من رائع
فقط تناسخت بعض الكلمات وتكررت وكانت مراجعة صغيرة ستعيد الأمور لنصابها
فكرة السكين التي أخذت مسارها أعطتنا خريطة كاملة لما سيأتي بعد
جميل أنت وأفكارك ورؤاك
محبتيالشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركةنص يمكننا أن نسقطه على كل مكان وزمان كفكرة
جاء التشبيه بين الدبابة والذبابة أكثر من رائع
فقط تناسخت بعض الكلمات وتكررت وكانت مراجعة صغيرة ستعيد الأمور لنصابها
فكرة السكين التي أخذت مسارها أعطتنا خريطة كاملة لما سيأتي بعد
جميل أنت وأفكارك ورؤاك
محبتي
شكرا لك على اهتمامك بنصي و تفاعلك معه.
وددت لو أشرت إلى ما يجب مراجعته حتى أفعل ، فقد تضببت لدي الرؤية.
بوركت.
مودتي
تعليق
-
-
رائعة قصتك من حيث البناء و إن كانت هناك منطقة استدار فيها الحديث
و توقف ثم انقلب على حالة البطل
و كان العقل يتحرك في مدى ضيق لا يليق بحجم الأهانة
ثم من حيث الطرح و الفكرة .. كيف يكون هذا الصلح بين ضيم و اعتداء
كيف يكون التنازل بكل هذه البساطة التي لا يقبلها طفل حتى و لو كانت من وجهة نظرك انتصارا على ما تكره من غل و كيد .. لكن الكمد سيظل .. و سيؤرق إلا إن كان حبيبا فضرب الحبيب مثل أكل الزبيب
و قد قال أمل دنقل ما الصلح إلا بين ندين
على شرف القلب لا ينتقص
و الحديث يطول .. لكني أغادر مفعما بذاك النصلا تصالح ولو قال من مال عند الصدامْ ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.." عندما يملأ الحق قلبك: تندلع النار إن تتنفَّسْ ولسانُ الخيانة يخرس لا تصالح ولو قيل ما قيل من كلمات السلام كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟ كيف تنظر في عيني امرأة.. أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ كيف تصبح فارسها في الغرام؟ كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام -كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
و الفكرة التي عالجت للطفل .. و لكن بقناعة الطفل بعد أن نال ثأره !
ربما الكبرياء فليس بعدها ما نزود عنه لأنه الشرف !sigpic
تعليق
-
-
لا تصالحْ،
ولو قال من مالَ عند الصدامْ:
".. ما بنا طاقةٌ لامتشاق الحسامْ.."
عندما يملأ الحقُ قلبَكَ:
تندلع النارُ إن تتنفَّسْ.
ولسانُ الخيانة يخرسْ.
لا تصالحْ،
ولو قيل ما قيل من كلمات السلامْ.
كيف تستنشقُ الرئتانِ النسيمَ المدنَّسْ؟
كيف تنظر في عيني امرأة،
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسَها في الغرامْ؟
كيف ترجو غداً.. لوليدٍ ينامْ،
كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر ـ بين يديك ـ بقلب مُنكَّس؟sigpic
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 189967. الأعضاء 3 والزوار 189964.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق