الحقيبــــــة
يسير كالعادة بمحاذاة السكة الحديدية، يحمل حقيبته ؛ مثلما فعل دائما.
منذ مدة بدأ يشعر أن جسده لم يعد يستجيب فقط إلا لدماغه.
لم يعد سيره مثلما كان في الماضي ؛ مجرد خطوات في اتجاه ما ، دون تفكير أو مبالاة.
صار وزن الحقيبة ثقيلا. عضلاته كانت تستشعر ثقلها ، وتعبر عن معاناتهابالتقلص تارة؛ وبتيار مؤلم ينتشر عبر مسارات الجسد كلها ، فيكون مجبرا على الوقوف ؛ ليسترجع الأنفاس وبعضا من الحيوية.
يتوقف عن السير ، ينظر لخطي السكة الحديدية الممتدين أمام ناظريه. على الجانب الآخر .. كانت الساقية الكبيرة ، تهدر بأمواج من المياه المنسابة بهدوء وقوة.
بينهما كان يقف متأملا امتدادهما نحو الأفق، يدرك ما تشكل بينه وبينهما من تآلف. السكة الحديدية تذكره أن الطريق ما يزال طويلا، وماء الساقية يمده بالقوة والانتعاش ؛ ليستمر في السير ، ويحمل حقيبته مرة أخرى - رغم التعب- ، يتذكر أياما سلك فيها طرقا أخرى ، بحثا عن منافذ وآفاق أكثر إثارة. غيابه لم يكن يطول كثيرا.يسترجعه مساره المفضل وكأنه قدره.
عبر هذا المسار .. رافقته لحظات تأمل وكثير من الأسئلة . كان يتوقف، يقيس ما تبقى من مسافات، يستعيد ما مضى أحيانا بالابتسامة، وأحيانا أخرى تغشى روحه أمواج قلق وحزن وإحباط.
يتذكر لفحات الريح الصقيعي، والصفع الذي كان ينهال على وجنتيه كلما وصل متأخرا. اليدان متورمتان من شدة البرد، والحذاء مكسو طينا ، ولسان المعلم ينفث سما زعافا يسحق ما تبقى للنفس من عزة واحترام.
لحظات العودة إلى الدوار لم تخل يوما من رعب بكل الألوان. نباح كلاب وأصوات مرعبة بشتى الأصناف، وقلب خافق يكاد ينفلت من الصدر.
-اقرأ آية الكرسي يا بني ، والله سيحميك ويقيك من كل شر. هكذا كانت المرحومة توصيه حين يعود مرتعدا خائفا كعصفور مهيض الجناح. غير هذه عاش لحظات عاد فيها للنفس بعض من يقين. التأمت معها جراح، كانت محفزة للاستمرار ومتابعة السير. حينها تبدو الحقيبة أخف قليلا.
ومرت السنون .لم تنكسر عرى علاقته بهذه الحقيبة. حملت أدواته المدرسية، وبعدها أدوات العمل، صوره ووثائقه وذكرياته، وما كان يقتـنيه للبيت من أشياء ؛ تخفف من جموح حاجات الجسد.
لم يتغير مسار الطريق، السكة الحديدية والساقية استطاب جيرتهما.وحدهاالأشجار شاخت وشحت ثمارها، وفرغ الكوخ القصديري من ساكنيه . مات الأب والأم، وعادت الزوجة لبيت أهلها بأحلامها المنكسرة.
ينظر لماء الساقية ، يتذكر صورة أمه، يدرك أنه لا يمكن أن يوجد شخص آخر مثلها قادر على فهم ما تجيش به النفس.
تسيل على الخدين دموع صامتة. سرعان ما يمسحهما بظهر اليد؛ كأنه يخشى أن يضبط متلبسا بجرم البكاء.
يهدر ماء الساقية قليلا ، يحفزه على متابعة المسير، يتأمل صفاءه وقوته . تغمره الرغبة في إطفاء غلة عطش القلب . يدرك أنه مهما بلغت وفرة هذا الماء فجفاف القلب لن يعرف الارتواء.
: " لو تعلمين..... ". يقول مناجيا نفسه: " لو قدر لي أن أمسك دموعك وبلمسة سحرية أحولها إلى بلورات تعيد لعينيك الإشراق والسعادة، ما تأخرت ...... ".
بدأ الظلام يرخي سدوله، وغزا الوهن كل مناحي الجسد.
اختار أن يتمدد قليلا بين الساقية والسكة الحديدية مستسلما. أحس براحة كبيرة حين أغمض عينيه، وهوى في نوم عميق.
في الصباح سمع أهل الدوار خبر تحويل مجرى الساقية نحو إحدى الضيعات الكبيرة، وتغيير اتجاه القطار، وعن جثة رجل ميت ملقاة على الطريق.
حسن لشهب.
كانت الخاتمة صاعقة
قدرية
لكنها لم تنفصل عن الطريق التي قطعتها سيدي
وكان في مخاض آخر للوعي .. لكنه لم يكتمل إلا بموته
بين حضنين أليفين ( السكة الحديدبة و الساقية )
ربما ما بقي لي سوى أن أحاول تعرية ما أحاطت به الظلمة عن قصد أو العكس
محبتي سيدي
يسير كالعادة بمحاذاة السكة الحديدية، يحمل حقيبته ؛ مثلما فعل دائما.
منذ مدة بدأ يشعر أن جسده لم يعد يستجيب فقط إلا لدماغه.
لم يعد سيره مثلما كان في الماضي ؛ مجرد خطوات في اتجاه ما ، دون تفكير أو مبالاة.
صار وزن الحقيبة ثقيلا. عضلاته كانت تستشعر ثقلها ، وتعبر عن معاناتهابالتقلص تارة؛ وبتيار مؤلم ينتشر عبر مسارات الجسد كلها ، فيكون مجبرا على الوقوف ؛ ليسترجع الأنفاس وبعضا من الحيوية.
يتوقف عن السير ، ينظر لخطي السكة الحديدية الممتدين أمام ناظريه. على الجانب الآخر .. كانت الساقية الكبيرة ، تهدر بأمواج من المياه المنسابة بهدوء وقوة.
بينهما كان يقف متأملا امتدادهما نحو الأفق، يدرك ما تشكل بينه وبينهما من تآلف. السكة الحديدية تذكره أن الطريق ما يزال طويلا، وماء الساقية يمده بالقوة والانتعاش ؛ ليستمر في السير ، ويحمل حقيبته مرة أخرى - رغم التعب- ، يتذكر أياما سلك فيها طرقا أخرى ، بحثا عن منافذ وآفاق أكثر إثارة. غيابه لم يكن يطول كثيرا.يسترجعه مساره المفضل وكأنه قدره.
عبر هذا المسار .. رافقته لحظات تأمل وكثير من الأسئلة . كان يتوقف، يقيس ما تبقى من مسافات، يستعيد ما مضى أحيانا بالابتسامة، وأحيانا أخرى تغشى روحه أمواج قلق وحزن وإحباط.
يتذكر لفحات الريح الصقيعي، والصفع الذي كان ينهال على وجنتيه كلما وصل متأخرا. اليدان متورمتان من شدة البرد، والحذاء مكسو طينا ، ولسان المعلم ينفث سما زعافا يسحق ما تبقى للنفس من عزة واحترام.
لحظات العودة إلى الدوار لم تخل يوما من رعب بكل الألوان. نباح كلاب وأصوات مرعبة بشتى الأصناف، وقلب خافق يكاد ينفلت من الصدر.
-اقرأ آية الكرسي يا بني ، والله سيحميك ويقيك من كل شر. هكذا كانت المرحومة توصيه حين يعود مرتعدا خائفا كعصفور مهيض الجناح. غير هذه عاش لحظات عاد فيها للنفس بعض من يقين. التأمت معها جراح، كانت محفزة للاستمرار ومتابعة السير. حينها تبدو الحقيبة أخف قليلا.
ومرت السنون .لم تنكسر عرى علاقته بهذه الحقيبة. حملت أدواته المدرسية، وبعدها أدوات العمل، صوره ووثائقه وذكرياته، وما كان يقتـنيه للبيت من أشياء ؛ تخفف من جموح حاجات الجسد.
لم يتغير مسار الطريق، السكة الحديدية والساقية استطاب جيرتهما.وحدهاالأشجار شاخت وشحت ثمارها، وفرغ الكوخ القصديري من ساكنيه . مات الأب والأم، وعادت الزوجة لبيت أهلها بأحلامها المنكسرة.
ينظر لماء الساقية ، يتذكر صورة أمه، يدرك أنه لا يمكن أن يوجد شخص آخر مثلها قادر على فهم ما تجيش به النفس.
تسيل على الخدين دموع صامتة. سرعان ما يمسحهما بظهر اليد؛ كأنه يخشى أن يضبط متلبسا بجرم البكاء.
يهدر ماء الساقية قليلا ، يحفزه على متابعة المسير، يتأمل صفاءه وقوته . تغمره الرغبة في إطفاء غلة عطش القلب . يدرك أنه مهما بلغت وفرة هذا الماء فجفاف القلب لن يعرف الارتواء.
: " لو تعلمين..... ". يقول مناجيا نفسه: " لو قدر لي أن أمسك دموعك وبلمسة سحرية أحولها إلى بلورات تعيد لعينيك الإشراق والسعادة، ما تأخرت ...... ".
بدأ الظلام يرخي سدوله، وغزا الوهن كل مناحي الجسد.
اختار أن يتمدد قليلا بين الساقية والسكة الحديدية مستسلما. أحس براحة كبيرة حين أغمض عينيه، وهوى في نوم عميق.
في الصباح سمع أهل الدوار خبر تحويل مجرى الساقية نحو إحدى الضيعات الكبيرة، وتغيير اتجاه القطار، وعن جثة رجل ميت ملقاة على الطريق.
حسن لشهب.
كانت الخاتمة صاعقة
قدرية
لكنها لم تنفصل عن الطريق التي قطعتها سيدي
وكان في مخاض آخر للوعي .. لكنه لم يكتمل إلا بموته
بين حضنين أليفين ( السكة الحديدبة و الساقية )
ربما ما بقي لي سوى أن أحاول تعرية ما أحاطت به الظلمة عن قصد أو العكس
محبتي سيدي
تعليق