قبعات حرب بلاستيكية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    قبعات حرب بلاستيكية

    قبعات حرب بلاستيكية.

    وقفنا في صف مثل جنود المارينز؛ بعد أن تم حلق رؤوسنا، فبدونا مثل مجموعة مساجين معاقبين، اتخذ كل واحد منا موقعه، و سددنا مسدساتنا الصغيرة صوب الريح، كان التحدي كبيرا بيننا، ثم رحنا نفرغ خزاناتنا من البول لنعرف أينا يسدد بعيدا.
    بعد حفل التدشين هذا و الذي أصبح من تقاليدنا الطائشة، و ذلك تحضيرا لافتتاح مباراة ثأرية، انسحبنا نحو حقول القمح؛ التابعة لأحد الفلاحين المرابطين قرب القرية، نصبنا بضعة حجارة لتبدو مثل قوائم المرمى، و أتينا بكرة بلاستيكية هي بالون في حقيقته، تغري الريح و تتراقص معه، أكثر منها كرة قدم تشبع شغفنا للعب، بيلي أيضا كان يداعب الكرة و كأنه يراقص حبيبته في حفل زفاف، نحن كنا أكثر من ذلك، كنت من يحمل اسم زرڤان1، و كان البقية ممن يتلقب بماجر و بلومي و عصاد، لا يهم ؛ المهم هو تسجيل الأهداف، عندما تلامس الكرة قدمي، أحسها قطة تداعبني، و كثيرا ما كنت أقاسم قطتنا و الكرة فراش النوم، و أنا أتوعد زملائي بهزيمة نكراء.
    مرر بلومي الكرة نحوي أو كما أسميه سلحفاة الفريق، و الذي مجرد ضربه للكرة يستنفد حلقة كاملة من المسلسل الكرتوني ماجد، رجله وحدة كاملة من الحديد، لا يمكنه طيها نهائيا، فتصبح مثل مضرب بيسبول، يرتطم غالبا بأرجل الخصوم قبل أن يناور حتى. فنضحك عليه و يتهكم عليه عصاد:
    -الشطحة في الراس بصح الرجلين ما فهموش.
    عصاد هذا مشاغب جدا، و ما يساعده قصر قامته، يشبه الحرباء.. صدقوني؛ يمر بين الخصوم بسلاسة و خفة، و كثيرا ما كان سببا في إصطدامات عنيفة تنتهي دوما بشجارات كبيرة، فننسحب كل لجهة قبيلته الطفولية و نعلنها حربا بدون قتلى، لتتهاوى الحجارة من كل مكان، و يا سعدو لي عندو معقال2.
    تسللت عبر لاعبين من الخصم و بطريقة اندفاعية، فأنا من الذين يلعبون بعنف و كان يساعدني هذا التطرف الرياضي جدا، أما الحارس، يا خيبتو الذي نختاره حارسا، فحراسة المرمى هي أدنى مراتب المتعة، تظل جامدا في مربع صغير و كلما ناديت على صديق أن يتناوب معك؛ لتنال حصتك من الطيش الكامل، يجيب ببرودة أعصاب: أنا لم ألمس الكرة بعد، و أحيانا يقول لك: أنا ذاهب لأسجل هدفا ،و بعدها يمكنني أن أحل مكانك في المرمى. و ما يزيد الطين بلة هو قوة تسديداتي، فيصرخ بعضهم: إلعب بالشوية3، فتغدو حراسة المرمى إذلالا و تعذيبا، و كم كنت استمتع بتعذيب الحراس. و إن كان الخصم هو مالك الكرة فهو صاحب سلطة التحكيم المطلقة، فنرضخ لقراراته و لو كانت تعسفية، و لأننا لا نملك إلا الحجارة، فهنا الأزمة الكبرى، أما الكرات الجانبية فنسيانها أسلم لاستمرار اللعب، و كثيرا ما يختار الخصم حارسا قصيرا لتلغى بعدها كل التسديدات العالية و لو مترا ، لتبدأ على إثرها المشاحنات و الملاسنات، تتخللها بعض الشتائم التي كانت موزعة بالتساوي على أفراد الوطن.
    هذا اليوم أحسستني في لياقة عالية، أسابق الريح و ركلاتي كانت أقوى من ركل الحصان ذاته، و لأنني ممن يعتز بقوته فقد حصل أن وضعت مرة أربعة صخور عملاقة أمام الكرة لتتناثر بعيدا جراء قوة ساقي الرهيبة، خاصة اليسرى. و مرة كدت أكسر رجلي لألفت نظر فتاة كانت تعجبني، فأحببت أن أريها قوتي الحقيقة، ركزت كل قوتي في قدمي، و أنا يومها حاف؛ لأبرهن لها أكثر عن رجولتي التي كانت تتطور بطريقة لذيذة، و بكل ما أمتلك من كبرياء ضربت الكرة، لتصطدم رجلي بصخرة مثبتة بالأرض، تسرب الألم لكافة جسدي و كأنها أفعى أفرغت كامل غلها في أصابعي الطرية، و لكننا نحن الأطفال نعرف كيف نستدرج الألم نحو المتعة و الضحك، فكنت أوهمها بأنني فرح بالهدف، بصراخ عال جدا، طبعا بسبب الألم.
    يبدو أن هدفي سيستغرق هو الآخر حلقة من مسلسل الكابتن ماجد، فليكن لأنه هدف رائع جدا، و على طريقتنا نقول له تيبو4، فهو أجمل الأهداف و روعته تكمن في استحالة رفض تسجيله، مرت الكرة بين ساقي الحارس و كأنه برق يمزق عتمة الليل.
    ابتعدت الكرة بعيدا صوب بيت صاحب الحقل، نسيت أمره فهو ثعلب ماكر، فقد قطع كرات أكثر مما سلخ من خرفان، وثب بسرعة و استحوذ عليها و راح يكيلنا بالشتائم، و كأنه يومها يعدنا لنأخذ مكاننا في المجتمع، فنمارس الحضارة بفرقعة شفوية لا تستطيع حتى خدش مرآة.
    مزق الكرة نصفين و رماها في الهواء حيث كانت قلوبنا معلقة، و ما بين يديه حتى الأرض كان شغفنا يراوح الحسرة و الألم، الحقد و الكره، ارتطمت أجزاؤها بالأرض بعد أن سقطت حفنة دعوات انهالت من عيون دامعة.
    اقتربنا نحو الكرة، حملنا الجزأين و ضممناهما لمجموعة الأنصاف البلاستيكية القديمة التي بحوزتنا، بدت يومها كقبعات للجنود، فناورت عقولنا البريئة لعبة الحرب.

    هامش:
    1- زرڤان :لاعب لوفاق سطيف في الثمانينات
    2- معڤال: المقلاع
    3- بالشوية: بهدوء، و أحيانا تعني بقليل.
    4- تيبو: هو أن تمر الكرة بين قدمي الخصم، سواء كانت هدفا أو مراوغة فهي أرقى درجات الكرة عند الأطفال.


    التعديل الأخير تم بواسطة بسباس عبدالرزاق; الساعة 16-08-2014, 15:11.
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها
  • ادريس الحديدوي
    أديب وكاتب
    • 06-10-2013
    • 962

    #2
    أغلب الحروب تبدأ لعبا و تنتهي بأفكار جنونية
    للنص أبعاد عميقة منها ما هو اجتماعي و سياسي ...
    نص جميل .. مودتي و تقديري
    ما أجمل أن يبتسم القلم..و ما أروعه عندما تنير سطوره الدرب..!!

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      راقت لي جدا النهاية الانزياحية..
      نهاية تنضح برمزية عالية..قد يكون الانتقال بعدها الى ترسيخ فكرة الحرب في عقول بريئة
      كن بخير، أخي العزيز بسباس عبد الرزاق

      تعليق

      • عبدالرحيم التدلاوي
        أديب وكاتب
        • 18-09-2010
        • 8473

        #4
        سرد مشوق ، بلغة رقيق و وصف دقيق. برسالة هادفة.
        مودتي

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          بسباس
          رائع أنت
          تكتب بكل عفوية ودون عناء
          تكتب بروح الطفولة ونزقها
          كنت معك وأنت تعتصر الصرخات المتوجعة وابتسمت لك
          جاء الوصف جميلا ومعاصرا للحالة
          وتلك الوصوف عن المارينز وحفلة سباق التبول أضحكتني
          رائع أنت حقا
          وسرك يكمن في عفويتك
          محبتي
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            الاسم عندك يشكل حجر الزاوية .. أقصد العنوان بالطبع
            بداية قوية .. و ذات معزى فسيح
            ثم مباراة
            لعب
            و امتاع
            و مشاكسة بالكلمات و المشاهد
            ثم اغلاق حزين رمى حمولته على ما ود الكاتب الوصول إليه
            ربما وصلتني .. و ربما أردت لو تكلمت كثيرا و باستفاضة عن جنون الفكر و ما يحدثه
            حين يتحول إلي قص من هذا النوع
            استمتعت بلا شك للمرة الثانية حيث قرأتها هناك
            و هنا لمرة لن تكون الأخيرة

            أصبح هناك نوع من التغريب في اختيارك العناوين صديقي
            و لا أدري .. هل كان مطلوبا و لازما أم لا

            محبتي
            sigpic

            تعليق

            • بسباس عبدالرزاق
              أديب وكاتب
              • 01-09-2012
              • 2008

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ادريس الحديدوي مشاهدة المشاركة
              أغلب الحروب تبدأ لعبا و تنتهي بأفكار جنونية للنص أبعاد عميقة منها ما هو اجتماعي و سياسي ... نص جميل .. مودتي و تقديري
              تقريبا ما أشرت إليه هو نتاجنا... العنف: في البيت، في المدرسة ، الجامعة ، الشارع، المساجد،...في كل مكان، هذا العنف المتزايد و الذي هو نتيجة أشياء كثيرة مثل الظلم و الفقر و الجهل و فقر في الثقافة و عدم توفر الحس و الذوق و الجمالي، كل هذا مارس ضغطه على الشعوب العربية، فأنتجت هذه الحالة من العنف تحت غطاء الإنتقام و الذي يرتدي ثوب الحرية و ثوب الشهادة أحيانا. هناك الكثير من الأمور التي أسست لقيام حالة الفوضى الحالية...أدعوا الله أن يصفي قلوبنا و أن ينزع ما في قلوبنا من غل.. أشكر حضورك استاذ إدريس...........محبتي
              السؤال مصباح عنيد
              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

              تعليق

              • حسن لشهب
                أديب وكاتب
                • 10-08-2014
                • 654

                #8
                نص ممتع وسرد مسترسل بلا تكلف
                أسجل إعجابي بهذا العمل.
                شكرا

                تعليق

                • بسباس عبدالرزاق
                  أديب وكاتب
                  • 01-09-2012
                  • 2008

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
                  راقت لي جدا النهاية الانزياحية..
                  نهاية تنضح برمزية عالية..قد يكون الانتقال بعدها الى ترسيخ فكرة الحرب في عقول بريئة
                  كن بخير، أخي العزيز بسباس عبد الرزاق
                  الأستاذ حسن لختام

                  قرائتك للنص كانت بها حكمة عالية و نظرة متأنية

                  أعجبني كثيرا ردك الرائع

                  محبتي صديقي الرائع
                  السؤال مصباح عنيد
                  لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                  تعليق

                  • بسباس عبدالرزاق
                    أديب وكاتب
                    • 01-09-2012
                    • 2008

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
                    سرد مشوق ، بلغة رقيق و وصف دقيق. برسالة هادفة.
                    مودتي
                    صديقي البهي عبدالرحيم

                    حضورك هو شرف كبير لي
                    سعيد بك و سعيد أيضا أنها نالت إعجابك

                    محبتي و تقديري
                    السؤال مصباح عنيد
                    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                    تعليق

                    • بسباس عبدالرزاق
                      أديب وكاتب
                      • 01-09-2012
                      • 2008

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                      بسباس
                      رائع أنت
                      تكتب بكل عفوية ودون عناء
                      تكتب بروح الطفولة ونزقها
                      كنت معك وأنت تعتصر الصرخات المتوجعة وابتسمت لك
                      جاء الوصف جميلا ومعاصرا للحالة
                      وتلك الوصوف عن المارينز وحفلة سباق التبول أضحكتني
                      رائع أنت حقا
                      وسرك يكمن في عفويتك
                      محبتي
                      كنت أستمتع بحديثك استاذتي و قد اشتقت لك
                      أسأل الله أن تكوني بخير و عافية أينما كنت

                      تقديري فاضلتي الرائعة عائدة
                      السؤال مصباح عنيد
                      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                      تعليق

                      • بسباس عبدالرزاق
                        أديب وكاتب
                        • 01-09-2012
                        • 2008

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        الاسم عندك يشكل حجر الزاوية .. أقصد العنوان بالطبع
                        بداية قوية .. و ذات معزى فسيح
                        ثم مباراة
                        لعب
                        و امتاع
                        و مشاكسة بالكلمات و المشاهد
                        ثم اغلاق حزين رمى حمولته على ما ود الكاتب الوصول إليه
                        ربما وصلتني .. و ربما أردت لو تكلمت كثيرا و باستفاضة عن جنون الفكر و ما يحدثه
                        حين يتحول إلي قص من هذا النوع
                        استمتعت بلا شك للمرة الثانية حيث قرأتها هناك
                        و هنا لمرة لن تكون الأخيرة

                        أصبح هناك نوع من التغريب في اختيارك العناوين صديقي
                        و لا أدري .. هل كان مطلوبا و لازما أم لا

                        محبتي
                        أذكر تعليقك أستاذي
                        و قد كنت جناحا طائرا
                        و اليوم نورس يجوب الأدب

                        بالنسبة للعنوان كان هو حجر الزاوية كما قلت بالضبط و هو ما كان عصا ارتكازية للسرد كله
                        فالفكرة كانت مستبدة و جدا و العنوان سبق النص بكثير
                        الذكريات و تلك المباراة كانت مما يمنح النص بعض المتعة للقاريء و إبعاد الملل
                        و أعلم تماما أنك وصلت ربما أبعد مما قصدت أنا
                        فعنما يغتال اللعب و يترك الطفل لتعلم العنف
                        فحتما سيكون سلوكه عنفا في كامل حياته
                        و هذا ما نجنيه اليوم

                        نحتاج أن نعود للطفل أستاذي
                        فبعد عشرين سنة سيكون هو المحامي و هو الصحفي و الأستاذ
                        أي هو البنية الأساسية المستقبلية للوطن

                        أتمنى أن يتنبه مسؤولي الوطن العربي لذلك و إلا زادت كمية العنف يوما بعد يوم


                        محبتي أستاذي و تقديري
                        السؤال مصباح عنيد
                        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                        تعليق

                        • بسباس عبدالرزاق
                          أديب وكاتب
                          • 01-09-2012
                          • 2008

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
                          نص ممتع وسرد مسترسل بلا تكلف
                          أسجل إعجابي بهذا العمل.
                          شكرا
                          شكرا أستاذي حسن لشهب لطيب الحضور و تقييمك الذي شرفني كثيرا

                          تقديري و احتراماتي أستاذي
                          السؤال مصباح عنيد
                          لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                          تعليق

                          يعمل...
                          X