دأب على ترشيد راتبه الحكومي,الربع سومة الكراء و الربع لمصاريف البيت و النصف لأمريكا ,حيث ابنه البكر يدرس منذ خمس سنوات. بعزيمة لا تنكسر و بأمل كبير يتطلع إلى يوم يعود الشبل ليأخذ عن كاهله عبء سنين من الكد و الحرمان ..ضحى ببيت العائلة من قبل ليؤمّن مصاريف التأشيرة و التسجيل في الجامعة الأمريكية. بدل مجهوده كلّه في سبيل تحقيق حلمه المنشود.
ليس سوى أمريكا تصنع العظماء!.هكذا آمن بالفكرة ضحى بالغالي و النفيس و لا شىء يزعزعه عن قراره , و لم يخف في قلبه و لا للحظة واحدة وهج الإصرار و التصميم على تحقيق المراد ,لم يكترث لشكوى الزوجة من ضيق الحال و لا حتى لنظرات البؤس و الحاجة في عيني ابنته التي بدأت الأنوثة تصرخ في داخلها مطالبة بثوب جميل، حذاء أنيق و حقيبة من الجلد.. بل حتى بذلة العمل التي أكملت عقدها على جسده تتوسله أن يكف وخز الإبرة عنها و يطلق سراحها لتموت بسلام...!. وعيناه المتورمتان اللتان كلتا من التنقيب في الكنانيش تستعطفانه أن يرحمهما بنظارات جديدة تبعد عنهما غمامة الأخرى.
كلما رمى الزمان بحمل يكسر ظهره استنجد بجاره مستدينا منه إلى آخر الشهر..و بين الدين و الكراء و أمريكا تتلوى الأسرة الصغيرة بسياط العوز و الضيق ,و ينامون أحيانا كثيرة و أمعاؤهم تعزف سيمفونية الجوع ، لكن الأب الحالم بغد أفضل يضل يردد في قلبه : صبرا جميلا.
جاء اليوم الموعود,الابن المنتظر سيرجع إلى أرض الوطن ,سيعود أخيرا حاملا شهادة أمريكا التي تنفتح لها الأبواب الموصدة, لم ينم الأب ليلته و سهر يبني مشاريع ضخمة بمخيلته الصغيرة وكلما استفاقت الزوجة تجده يتقلب في فراشه يفترسه الأرق و تعصف به عواصف الشوق إلى تحقيق المبتغى ليرد على كل من شكك في غايته العذراء.
خطواته تسابق بعضها نحو المطار، و عبثا تحاول الزوجة و الابنة اللحاق به. اللهفة إلى معانقة الشهادة و الابن معا تزداد كلما سمع أزيز الطائرة يدنو من المطار.اللوحة الالكترونية تشير إلى وصول الطائرة بعد ربع ساعة ,دون هوادة تسمر عند مخرج المسافرين و عيناه تذهبان ذات الشمال و ذات اليمين تتفحصان بنهم وجوه الوافدين. تهللت أسارير وجهه، و شعر بقشعريرة تعبر جسده كشحنة كهربائية حين لمح من بعيد شاب أسمر ببذلة أنيقة يدلف من الباب يجر حقيبة صغيرة وراءه , واثق الخطى أهيف القامة ,لم يتبن الأب قسمات وجهه في زحمة المسافرين,لكن في قرارة نفسه هتف: "هاهو ابني ..",أحنى رأسه يبحث في جيب سترته عن نظاراته,رفع رأسه بعدما وضعها بارتباك فانتبه إلى يد تربت على كتفه ,استدار و إذ بشاب بشعر طويل يتدلى من تحت قبعة كبيرة يرتدي سروالا قصير ممزق الأطراف و قميصا طويلا يصل حد ركبتيه ,بدت ملامحه مألوفة لديه. لكنه شعر بالنفور من شكله الغريب و قبل أن ينبس بكلمة فوجئ به يفتح إليه ذراعيه الموشومتين بنسور و تعابين و هو يردد على مسامعه بلغة لم يفهمها:
- " Hello dad...."
!!...
بقلم نجاة قيشو
ليس سوى أمريكا تصنع العظماء!.هكذا آمن بالفكرة ضحى بالغالي و النفيس و لا شىء يزعزعه عن قراره , و لم يخف في قلبه و لا للحظة واحدة وهج الإصرار و التصميم على تحقيق المراد ,لم يكترث لشكوى الزوجة من ضيق الحال و لا حتى لنظرات البؤس و الحاجة في عيني ابنته التي بدأت الأنوثة تصرخ في داخلها مطالبة بثوب جميل، حذاء أنيق و حقيبة من الجلد.. بل حتى بذلة العمل التي أكملت عقدها على جسده تتوسله أن يكف وخز الإبرة عنها و يطلق سراحها لتموت بسلام...!. وعيناه المتورمتان اللتان كلتا من التنقيب في الكنانيش تستعطفانه أن يرحمهما بنظارات جديدة تبعد عنهما غمامة الأخرى.
كلما رمى الزمان بحمل يكسر ظهره استنجد بجاره مستدينا منه إلى آخر الشهر..و بين الدين و الكراء و أمريكا تتلوى الأسرة الصغيرة بسياط العوز و الضيق ,و ينامون أحيانا كثيرة و أمعاؤهم تعزف سيمفونية الجوع ، لكن الأب الحالم بغد أفضل يضل يردد في قلبه : صبرا جميلا.
جاء اليوم الموعود,الابن المنتظر سيرجع إلى أرض الوطن ,سيعود أخيرا حاملا شهادة أمريكا التي تنفتح لها الأبواب الموصدة, لم ينم الأب ليلته و سهر يبني مشاريع ضخمة بمخيلته الصغيرة وكلما استفاقت الزوجة تجده يتقلب في فراشه يفترسه الأرق و تعصف به عواصف الشوق إلى تحقيق المبتغى ليرد على كل من شكك في غايته العذراء.
خطواته تسابق بعضها نحو المطار، و عبثا تحاول الزوجة و الابنة اللحاق به. اللهفة إلى معانقة الشهادة و الابن معا تزداد كلما سمع أزيز الطائرة يدنو من المطار.اللوحة الالكترونية تشير إلى وصول الطائرة بعد ربع ساعة ,دون هوادة تسمر عند مخرج المسافرين و عيناه تذهبان ذات الشمال و ذات اليمين تتفحصان بنهم وجوه الوافدين. تهللت أسارير وجهه، و شعر بقشعريرة تعبر جسده كشحنة كهربائية حين لمح من بعيد شاب أسمر ببذلة أنيقة يدلف من الباب يجر حقيبة صغيرة وراءه , واثق الخطى أهيف القامة ,لم يتبن الأب قسمات وجهه في زحمة المسافرين,لكن في قرارة نفسه هتف: "هاهو ابني ..",أحنى رأسه يبحث في جيب سترته عن نظاراته,رفع رأسه بعدما وضعها بارتباك فانتبه إلى يد تربت على كتفه ,استدار و إذ بشاب بشعر طويل يتدلى من تحت قبعة كبيرة يرتدي سروالا قصير ممزق الأطراف و قميصا طويلا يصل حد ركبتيه ,بدت ملامحه مألوفة لديه. لكنه شعر بالنفور من شكله الغريب و قبل أن ينبس بكلمة فوجئ به يفتح إليه ذراعيه الموشومتين بنسور و تعابين و هو يردد على مسامعه بلغة لم يفهمها:
- " Hello dad...."
!!...
بقلم نجاة قيشو
تعليق