السبحـــة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    السبحـــة

    السبحـــة

    تأمل أسراب السيارات التي تمرق عبر الشارع الطويل،تنساب كما لو أنها كريات صغيرة. لم تكن لها ألوان ولا أشكال مميزة، مجرد كريات مستديرة تتدحرج بسرعة في اتجاه مجهول.
    الناس أيضا يتحركون مثل كريات في خيط سبحة، تتقاطع اتجاهاتهم كأنها مرسومة سلفا، ومحددة خارج اختياراتهم.
    يعلو الغبار في الأفق، فتزداد ملامح الأشياء قتامة، فتصبح هلامية. تذكر سبحة جده، كان يحرك خرزاتها ما بين السبابة والإبهام بسرعة مذهلة، يعلو محياه خشوع، وتتحرك شفتاه متمتمة في همس غير مسموع. كان يشعر أن هذه السبحة تملك قوة سحرية لا يدرك كنهها إلا صاحبها، لم يشاهدها قط إلا مع الشيوخ، فكان يجلس قبالة الجد بصمت يتأمل حركاته، وتمتماته، حاول قدر الإمكان تبين حقيقة ما ينطق به بلا جدوى، سأل الأطفال عما يقوله الكبار وهم يحركون خرزات السبحة، فكان النقاش يفضي إلى مواضيع تعجز عن فك رموزها عقولهم الصغيرة.
    تذكر يوم نسيها الجد فوق "الزربية" فنط بحركة بهلوانية إلى مكان جلوسه، حاول تقليد حركاته وتحريك حبات السبحة، فكان يفشل كل مرة، ولما اعتراه اليأس حولها إلى لعبة يرمي بها في الهواء تارة، ويضعها حول عنقه تارة أخرى، ومن حيث لا يدري انفرطت السبحة، تناثرت خرزاتها في كل الاتجاهات، باءت محاولاته لإعادة جمعها بالفشل، فكانت ليلة نال فيها عقابا اختلط فيه الصفع والضرب على الأيدي ... وبقي سر السبحة مكنونا، بلا تفسير.
    ومن فرط اندهاشه بسر الكريات، تعلم الحساب في المطبخ، بجانب أمه وهي تفسخ حبات الحمص وتفصل عنه الجلد بحركاتها السريعة وكذلك فعل مع حبات البازلاء، والعنب، والطماطم... وما شابه ذلك.
    وعشق الكرة لحد الجنون، كان يقضي يومه مع الأطفال سعيدا، مزهوا بإصاباته الرائعة، ولما يحين موعد غروب الشمس يجلس وحيدا يتأمل قرصها وهو يختفي ببط في الأفق ويعود إلى المنزل، مدركا أن زردة العصا في انتظاره.
    وفي الفصل كان يقضي وقته في تأمل رؤوس أصدقائه، مدققا في تضاريسها، فلا يعود إلى الواقع إلا بعد أن تهوي عصا المعلم فوق رأسه. أما درس الكواكب والنجوم فكان لحظة متعة بلا حدود، الأرض تدور والكواكب تدور ...
    والرأس، يدور، ويدور، ... والزمان يدور ...
    انتبه إليها تجلس بجانبه، أسبلت عينيها بغنج ودلال، نظر إليها بإمعان، الرأس العينان، الثديان كل شيء مدور ومكور ... . وابتسم، ...
    ردت له الابتسامة وسألته عن عمله، ابتسم وقال:
    -أنا كاتب.
    عقدت المفاجأة لسانها وقالت:
    -كاتب عمومي
    فقال:
    -لا ... أنا أكتب الروايات والشعر، والقصص ....
    فانفجرت ضاحكة وقالت:
    -هل لك أن تحكي لي واحدة من قصصك.
    أجابها قائلا:
    -قصصي تقرأ ولا تروى.
    فردت والابتسامة لا تفارق شفتيها:
    -وأين أجدها؟.
    وبجدية واضحة، أخبرها أن لديه منها الكثير في منزله، ولا يحمل معه إلا قصة قصيرة لا زال لم يكمل كتابتها بعد، أعطاها ورقة أخرجها من جيبه، وأحس بالدوار، يده ترتعد ... أصوات تتقارع في رأسه، آلام حادة ... ثم الظلام والسكون.
    لما استيقظ في الصباح، وجدها ممدة إلى جانبه، ثوب نوم شفاف، تضاريس جسدها أعادته إلى فكرته، إلى هوسه برؤية الأشياء مدورة مكورة، والرأس يدور ويدور ... والزمان يدور...
    عاد إلى النوم من جديد، بينما استغرقت هي في قراءة قصته:
    "تأمل أسراب السيارات التي تمرق عبر الشارع الطويل ... .
    انتبه إليها تجلس بجانبه ...".
    تساءلت بعد الانتهاء من قراءتها:
    -ترى متى كتب هذه الأشياء؟
    نهارا أم ليلا؟ قبل اللقاء، أم بعده؟.
    حسن لشهب.
  • الساحر الحزين
    عضو الملتقى
    • 08-08-2014
    • 73

    #2
    هذة حقًا "القصة القصيرة"..:عُمق،إبداع.."أخبرها أن لديه منها الكثير في منزله، ولا يحمل معه إلا قصة قصيرة لا زال لم يكمل كتابتها بعد"..:روعة.."ترى متى كتب هذه الأشياء؟
    نهارا أم ليلا؟ قبل اللقاء، أم بعده؟"..أعتقد:
    كتبها مع مرور حبات السبحة!!..
    تقبل تحياتي..أخي "حسن لشهب"..
    التعديل الأخير تم بواسطة الساحر الحزين; الساعة 20-08-2014, 13:17.
    [CENTER]


    [/CENTER]

    تعليق

    • حسن لشهب
      أديب وكاتب
      • 10-08-2014
      • 654

      #3
      شكرا لك أخي الكريم
      الأروع هو تفاعلك وذوقك الرفيع

      تعليق

      • حدريوي مصطفى
        أديب وكاتب
        • 09-11-2012
        • 100

        #4
        ما بال القوم لم يهتموا بهذه السبحة؟ هل قل إيمانهم؟ ام وجدوا التسبيح بدعة؟

        سبحة ؟ ليست إلا سبحة خرزات وخيط ولكن،ساحرة تجعلك تهتم بكل ما هومدور ومكور: نهود، رؤوس حبات حمص... عنب ...وتومن أيضا ان كل الموجودات تتابع توالا زائلة، ذاهبة .


        قصة ممتعة راقتني اللغة سلاستها والفكرة الرئيسة مراميها وفلسفتها


        لتدم مبدعا تخلق من جزء بسيط علما


        حدريوي مصطفى (العبدي)
        التعديل الأخير تم بواسطة حدريوي مصطفى; الساعة 22-08-2014, 23:00.
        بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

        تعليق

        • نجاة قيشو
          أديب وكاتب
          • 18-08-2014
          • 41

          #5
          نسق سردي ممتع و شهي يغري بالقراءة أحببتها و راقت لي القفلة جدا
          دام ابداعك أخي حسن لشهب

          تعليق

          • حسن لشهب
            أديب وكاتب
            • 10-08-2014
            • 654

            #6
            السعادة تحصل بتحقيق المراد وإمتاع المتلقي.
            لكنني أكون في أقصى درجاتها حين أحظى بمتابعة مبدع أكن له كل التقدير.
            شكرا لك أخي مصطفى

            تعليق

            • محمود عودة
              أديب وكاتب
              • 04-12-2013
              • 398

              #7
              قصة شدتني حتى آخر حرف تصوير لحال الكاتب والتي تدور الأفكار في عقله فيدور معها مجتهدا ولكن للأسف لايجد القارىء
              أبدعت مودتي

              تعليق

              • حسن لشهب
                أديب وكاتب
                • 10-08-2014
                • 654

                #8
                أسعد بمرورك أختي الكريمة
                شكرا لك

                تعليق

                • حسن لختام
                  أديب وكاتب
                  • 26-08-2011
                  • 2603

                  #9
                  حضر القص هنا ومتعة القراءة. نهاية ذكية اعتمدت اللف والدوران في القص..
                  هي دورة الحياة بحيث يرى الشخص ،وهو مايزال جنينا في بطن أمه، دورة حياته بأكملها.
                  شكرا لك، أخي حسن
                  تقديري
                  يثبت لجماله

                  تعليق

                  • وسام دبليز
                    همس الياسمين
                    • 03-07-2010
                    • 687

                    #10
                    سرد جميل ومشوق بأسلوب سلس يشد القارئ دمت ودام هذا الابداع

                    تعليق

                    • حسين ليشوري
                      طويلب علم، مستشار أدبي.
                      • 06-12-2008
                      • 8016

                      #11
                      كان على صاحبنا أن يدرس "الطبوغرافايا" فهو مؤهل "غريزيا" لتأمل التضاريس، المرتفعات و المنخفضات و ... المكورات !
                      أبدعت أخي الأديب المتميز حسن لشهب و أحسنت و أمتعت، و قد دوَّرتنا حتى كدنا ندوخ، قصتك هذه من أروع ما قرأت هنا.
                      تحيتي و تقديري و إعجابي.
                      sigpic
                      (رسم نور الدين محساس)
                      (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                      "القلم المعاند"
                      (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                      "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                      و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                      تعليق

                      • حسن لشهب
                        أديب وكاتب
                        • 10-08-2014
                        • 654

                        #12
                        شهادة أتمنى أن أستحقها أخي محمود
                        أعتز برأيك
                        شكرا لك

                        تعليق

                        • بسباس عبدالرزاق
                          أديب وكاتب
                          • 01-09-2012
                          • 2008

                          #13
                          هناك شكل دائري تتمتع به هذه القصة
                          و كأنها قصة داخل قصة أو هي واقع داخل قصة أو قصة تطارد نفسها تبحث عن رأسها و اين تقف
                          فكانت تشبه السبحة في تواصل و تكرار التسبيح
                          فكان القص يكرر نفسه و كأنها حدث يعيد و يكرر نفسه

                          هناك أيضا بعض الإلتقاطات عن ذلك الغموض الذي يكتنف مرحلة معينة من العمر بالنسبة للصغار
                          و هو يمثل بالنسبة نقطة التواصل بين الأجيال فكان العنوان نقطة الإرتكاز للنص
                          أي انعدام التواصل بين الأجيال و توصيل ثقافة معينة للجيل اللاحق من الذي سبقه
                          و بذلك أدت -انفراط حبات السبحة دورها بعمق هنا-بحيث صعب على الصغير التواصل و لسبب معين انكسر ذلك الإرتباط بين الجيلين الذين كانا موجودين مع بعضهما في توقيت واحد و لكن تحديد الزمن بالنسبة لهما كان هو الفارق


                          هذا بعض ما انتابني من جنون الفكرة هنا


                          تقديري و احتراماتي أستاذ حسن لشهب
                          السؤال مصباح عنيد
                          لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                          تعليق

                          • حسن لشهب
                            أديب وكاتب
                            • 10-08-2014
                            • 654

                            #14
                            أسعدني حضورك الوارف وتفاعلك الراقي أختي وسام
                            شكرا

                            تعليق

                            • حسن لشهب
                              أديب وكاتب
                              • 10-08-2014
                              • 654

                              #15
                              كل التقدير لك أخي حسن لختام لمتابعتك
                              الدؤوبة كمشرف نكن له الاحترام ومبدع مميز بذوق رفيع.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X