وردة من أجل ماريّا / دينا نبيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    وردة من أجل ماريّا / دينا نبيل

    وردة من أجل ماريّا

    مستلقية هي على الفراش، تعاند استراق عينيها لحظات نوم خاطفة ..

    إنها العاشرة صباحاً .. الغرفة مظلمة، لا تزال .. مترنحة تنهض لتزيح الستائر المخملية.
    تقتحم آشعة أغسطس اللافحة غرفةً باذخة الأثاث، ورغم ذلك لا يمنع وجود ملابس متسخة هنا وهناك..

    تبادر أناملها الوردية لسحب قميص عشوائي من عشرات ملقاة فوق السرير.. تستر جسدها العاجي المسروق من إحدى بنات أفروديت.
    تتمطى .. تطلق تنهيدة تجتر معها ذكرى ليلة حالمة بين أحضان وليفها.

    على المنضدة لفائف ورق نقدية فئة مائتي جنيه موضوعة بعناية وإلى جانبها ورقة مكتوب عليها بخط منمّق:
    "ماريّا.. صباح الخير.
    كل هذه النقود لكِ.. اشتري ما تشائين.
    شكراً لكِ على الليلة الجميلة."

    .. تقبض على اللفائف النقدية.
    تعلم أن هذه النقود وعدٌ لها بليلة أخرى مدفوعة الثمن مقدّماً فلا يجب أن ترحل دون علمه.
    منتشية .. أخذت تلملم ما بعثرته أياديهم العابثة ليلة أمس.. ترتب الغرفة ولا بأس من تنظيف البيت بأكلمله، فما تحمله من نزق يدفعها كريشة للتحليق في فضاء شقته غير مبالية لما تفعل من أجله.
    في رغوة كوب النسكافيه تنظر إلى نقطة اللاشئ..
    تقلبها..
    تفور وسريعاً تنفقئ.
    رجل فريد.. أجل!
    شخصية كاريزمية بامتياز بما في ذلك تقلباته وتناقضاته التي جمعها في شخصه الواحد.
    رقتّه.. ربما كرمه بلا حدود.. وحنوّه كوالد فقدته.
    حتى في غضبه وعتابه يتحول إلى طفل يركن وديعاً إلى حضنها.
    مشاعر لم تخالج صدرها من قبل حتى صارت تحسب أن إيقاع قلبها يتناغم مع مدّه وجزره؛ يرفعها أنّى يشاء ويهوي بها لتغرق في موجاته، تاركاً زبده عالقاً بقدميها.
    ربما لم يكن وقتاً كافياً مذ تعرفت إليه؛ فهذه هي المرة الثالثة التي يطلبها فيها.. أطول مدة تقضيها إحداهن معه.. ومع ذلك لم يشعرها إلا بأنها أنثاه الوحيدة المتوسدة عرش فؤاده .. وليست مجرد امرأة عابرة التقطها من إحدى طرقه الشتّى.
    التقطت النقود وكوّمتها داخل حافظة نقودها.. لا شك ستتدخرها لشراء معطف جديد للشتاء القادم أو حذاء برقبة طويلة يقيها ابتلال جواربها بماء المطر.

    متأهبة للخروج ..
    تتجه إلى "الكازينو" تنتظر مجيئه على الغداء .. تتعلق عيناها بالمدخل .. تتجولان وسط الحضور.. تتوجس نظراتهم نحوها .. تشعل سيجارة وتنفث دخانها في أفعوانيات .. تختطف نظرة إلى ساعتها كل خمس دقائق.. تدق بكعب حذائها مع دقات الثواني.
    بتلقائية تبحث عن هاتفها المحمول داخل حقيبتها، ليس معها رقم هاتفه فما كان ليعطيها إياه لأنه ببساطة ليس لديه واحد .. يكره صنوف التكنولوجيا والتواصل الافتراضي معيداً تقليد الأربعينات في زمن مفقود ..
    تتململ..
    ربما يكون قد عاد إلى الشقة.. موعد غدائه لا يتأخر عليه.. هل تغدّى بالعمل؟.
    تلوح فكرة أن يكون قد سبقها إلى شقته، تلتقط نثار عقلها المبعثر من التطواف..

    ترجع إلى الشقة مسرعة.
    على المرآة.. بأحمر الشفاة تموجات بخط درامي التنسيق:
    "أنتظرك حيث أول مرة التقينا، وهذه الوردة القرمزية كي تتذكري!"
    اشتمت أريجها الطازج، وشبكتها في شعرها الذهبي.. دمعت عيناها حينما تذكرت تلك الرائحة الزكية منبعثة من خلفها أول مرة عندما كانت تجلس وحيدة على شاطئ "ستانلي" ..
    في "كادر" عبثي الالتقاط تنتصب متجذّرة قدماها في الرمال.. قدماها متيبسة ضاربة بجذورها.. راشقة في باطن الأرض.. لا تتحرك.
    ترسل نظراتها على مدى الأفق تترقب طلّته..
    صار الجميع يشبهونه.. أطياف غائمة تحمل شبح ابتسامة مواربة.. تتلاشى عند محاذاتهم إياها.

    من أين تواتيه تلكم القدرة على المخاتلة العبثية؟.. أ لأنه صاحب الأمر؟.. هل سيغير حياتها بعد آخر لقاء بينهما كما يقول مَن في وسَطِها؟!
    ..
    ظلمة مفاجئة وصوت قبلة على مؤخرة رأسها: "آسف، تأخرت عليكِ!"..
    يرفع كفيّه عن عينيها ويضمها غير عابئ بشعيراته الفضية المطلة من ناصيته.. تتلصص متوهجة عندما تتعامد عليها آشعة الشمس.
    في خفة ورشاقة ينطلق بها نحو البحر يجذبها بكلتا يديه..
    تتحول إلى عجينة لينة لا تمتلك طاقة للتمنع.. كمن عُقد على رأسها العزائم، غدت لا ترى شيئاً سوى عينيه بلون الماء يدعوانها إلى اللحاق به.. بينما هو يركب إحدى الموجات ويمشي فوق سطح الماء.
    متشبثة بذراعه تسير، ينبض الماء من بين أصابعها ويلفُّ كاحليها.. يرفعها، فترى حوريّات هيلينية آسرة تتقافزن من ورائه.
    مأخوذة بغنائهن.. مسحورة من غرائبية ما ترى، راحت تتمايل مترنحة كمن سلب السُّكرُ لبَّها.
    أفلت يده من أصابعها وتركها ترقص.
    يبتعد شيئاً فشيئاً حتى تلاشى وسط رذاذ الماء، وعندما انتبهت لاختفائه.. سقطت ..
    تصارع الأمواج التي تكاثرت عليها.. معاندة الماء باستراق أنفاسها الأخيرة.. عبثاً تصرخ!
    عندها .. كانت وردتها عائمة وحيدة.
    دينا نبيل
    26/8/2014


  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    كان العنوان فاتحة لعبور الحزن و الفقد الذي كان
    فقد كان موفقا إلي حد بعيدا
    و كأنه كان هو بداية الرحلة إلي الأعماق
    كانت الوجبة كثيرة و دسمة
    و ربما كان هناك بعض الطحالب التي شاكست الهضم بعض الشيء
    رغم أنها كانت تكشف جانبا من جوانب الشخصية الرئيسة و الثانية في آن

    ربما هنا خطأ في التقدير حين جاءت " يكن " بمعنى مر فكان لا بد من رفع الفاعل وقت كافٍ

    خالص احترامي و تقديري
    sigpic

    تعليق

    • حدريوي مصطفى
      أديب وكاتب
      • 09-11-2012
      • 100

      #3


      اللغة : ناعمة ....أريستقراطية
      السرد: سليم لا اعتوار ولا فضاضة.
      النص كان مصطبغا بهالة أنثوية تشع رقة وعذوبة... من اوله حتى آخر كلمة
      إني لم أهتم اولا بالكاتب ـ كالعادة ـ قدر ما اهتممت بالنص...رجحت أن يكون رجلا تلقائيا ـ ربما لكوني ذكراـ لكن ما ان تعمقت في النص حتى وجدت طيف امرأة يرافقني ملازمة...وأضحى شكي يقينا لوقوفي على جزيئات لا تهتم بها إلا المرأة ولا تحسن إلا النساء التعبير عنها...وفعلا توقعي كان صائبا. ... النهاية كانت جميلة رغم الحزن اللافها ولكن كم من حزن جميل لا نرغب عنه لسموه ونبله.
      العنوان: كان بحق ملائم بل يكاد يندمج مع النص وكأنك ما اردت به عنوانا...بل وجدت وكأن العنوان والنهاية الوامضة المفاجئة صورة ذات وجهين مختلفين ولكن بمعنى واحد...
      أتساءل : هل هذه النهاية بل الموت ...رمزي ام مادي؟
      عموما نص جميل طربت لقراءته ...وسعدت..
      مودتي...
      حدريوي مصطفى
      (العبدي)
      التعديل الأخير تم بواسطة حدريوي مصطفى; الساعة 26-08-2014, 09:01.
      بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

      تعليق

      • دينا نبيل
        أديبة وناقدة
        • 03-07-2011
        • 732

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        كان العنوان فاتحة لعبور الحزن و الفقد الذي كان
        فقد كان موفقا إلي حد بعيدا
        و كأنه كان هو بداية الرحلة إلي الأعماق
        كانت الوجبة كثيرة و دسمة
        و ربما كان هناك بعض الطحالب التي شاكست الهضم بعض الشيء
        رغم أنها كانت تكشف جانبا من جوانب الشخصية الرئيسة و الثانية في آن

        ربما هنا خطأ في التقدير حين جاءت " يكن " بمعنى مر فكان لا بد من رفع الفاعل وقت كافٍ

        خالص احترامي و تقديري
        [align=justify]سعيدة جدا أستاذنا الربيع كونكم أول من صافحتم نصي
        بالفعل مر وقت طويل حتى عاودت القص وقد كانت بيني وبينه جفوة عانيت خلالها الأمرين
        ربما كانت هناك طحالب وعوالق بالنص ولكن أملي أن تعود المياه رائقة مجددا
        أما عن (يكن) فأرى أن (وقتا) هنا هي خبر كان المنصوب ( كافيا) نعت لــ(وقتا) لذا فوجب النصب واسم كان غائب تقديره (هذا)
        أشكرك أ. ربيع على قراءتك وفي انتظار توجيهكم دوما الذي أعتز به

        تحياتي[/align]

        تعليق

        • حسن لشهب
          أديب وكاتب
          • 10-08-2014
          • 654

          #5
          اللغة هنا فاتنة والسرد ينساب بهدوء وسلاسة، بقدر ما بين الشكل والمضمون من تساوق عذب ، فلا عجب أن يستمتع كاتب النص قبل المتلقي!
          أسجل إعجابي بنص ممتع .
          شكرا لهذا الجمال.

          تعليق

          • وسام دبليز
            همس الياسمين
            • 03-07-2010
            • 687

            #6
            دينا ويبفى حرفك كوردة جمراء بعبق جميل ...دوما يحمل قصك اسلوب عميق يغوص في الادب والابداع
            دمتي بخير

            تعليق

            • حسن لختام
              أديب وكاتب
              • 26-08-2011
              • 2603

              #7
              سرد محكم، ولغة متينة..وصف دقيق ومكثف ونهاية فانتاستيكية رائعة
              استمتعت هنا.شكرا لك سيدتي
              تقديري
              يثبت

              تعليق

              • دينا نبيل
                أديبة وناقدة
                • 03-07-2011
                • 732

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الأول مشاهدة المشاركة
                اللغة : ناعمة ....أريستقراطية
                السرد: سليم لا اعتوار ولا فضاضة.
                النص كان مصطبغا بهالة أنثوية تشع رقة وعذوبة... من اوله حتى آخر كلمة
                إني لم أهتم اولا بالكاتب ـ كالعادة ـ قدر ما اهتممت بالنص...رجحت أن يكون رجلا تلقائيا ـ ربما لكوني ذكراـ لكن ما ان تعمقت في النص حتى وجدت طيف امرأة يرافقني ملازمة...وأضحى شكي يقينا لوقوفي على جزيئات لا تهتم بها إلا المرأة ولا تحسن إلا النساء التعبير عنها...وفعلا توقعي كان صائبا. ... النهاية كانت جميلة رغم الحزن اللافها ولكن كم من حزن جميل لا نرغب عنه لسموه ونبله.
                العنوان: كان بحق ملائم بل يكاد يندمج مع النص وكأنك ما اردت به عنوانا...بل وجدت وكأن العنوان والنهاية الوامضة المفاجئة صورة ذات وجهين مختلفين ولكن بمعنى واحد...
                أتساءل : هل هذه النهاية بل الموت ...رمزي ام مادي؟
                عموما نص جميل طربت لقراءته ...وسعدت..
                مودتي...
                حدريوي مصطفى
                (العبدي)
                أ. حدريوي مصطفى
                كثير من الحزن يجذبنا إليه كونه مخلصا من آلام أخرى
                وكثيرة هي أشكال الموت .. هناك رمزي وهناك حقيقي وهناك نفسي وهو الأخطر
                ربما لم يمت جسد ماريا.. وظلت حية، ولكن ماتت فيها معان أخرى نجحت الوردة في الإبقاء عليها
                هل قدرتها على مسامحة نفسها وإسعاد الآخرين؟
                ربـمــــــــــــا
                ...
                تقديري الكبير لإنارتكم صفحتي المتواضعة

                تحياتي

                تعليق

                • دينا نبيل
                  أديبة وناقدة
                  • 03-07-2011
                  • 732

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
                  اللغة هنا فاتنة والسرد ينساب بهدوء وسلاسة، بقدر ما بين الشكل والمضمون من تساوق عذب ، فلا عجب أن يستمتع كاتب النص قبل المتلقي!
                  أسجل إعجابي بنص ممتع .
                  شكرا لهذا الجمال.

                  أ. حسن لشهب القدير

                  شرف لي إعجابكم بنصي.. والذي أتمنى أن يكون نقطة تزيد في رصيدي
                  لكم كل الامتنان على المرور الطيب
                  تحياتي

                  تعليق

                  • بسباس عبدالرزاق
                    أديب وكاتب
                    • 01-09-2012
                    • 2008

                    #10
                    نص ممتع صيغ بحرفية عالية

                    و القفلة كانت بها رمزية عالية
                    هل هو الموت أم الضياع و عدم وجود يد العون التي تنقذ مثل هذه الفتاة
                    أعجبني كثيرا الغوص في نفسية البطلة و الحبيب و التي جعلتنا نعانق النص و نتابع بهدوء لنصل للنهاية تحت صدى القفلة الحزينة

                    تقديري استاذة دينا نبيل
                    السؤال مصباح عنيد
                    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                    تعليق

                    يعمل...
                    X