القضية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد الرواشدة
    أديب وكاتب
    • 11-08-2014
    • 26

    القضية

    يمشي متعثرا بعد كل خطوتين يخطوها , مشتدٌّ في كل مفاصله إثر ارتياب بالفشل قد يصيبه و سقطة جديدة لنفسه أمام نفسه إذا ما حدثت سترعبه, شعره الأملس الأسود الداكن الذي ينام على أذنه اليسرى منذ أسابيع يدل على بؤس متشابك و غربة تنمو أطواره فيها باطراد , و نظارته ذات العدسات الرخامية السميكة تفضح شديد الارتباك يلازمه, و وهن قوة في التعبير عن عزيمته لا يتركه في سبيله, يخترق بكل القلق و التوجس و الفطنة المصطنعة و الشجاعة المتخاذلة بهو المحكمة الواسع المزركش بعظات عن العدل الضائع في الاسواق و طرقات البلدات الوسخة بكل ما هو إنساني و لا إنساني أعدَّ بكل مفخرة بليدة لينير طريق الآدمي القادم من عمق التاريخ الى مرفأ الحضارة الخادعة, بحث عن مقعد فارغ يلقي عليه حقيبته المتسخة ببواقي الطعام الرخيص و أغبرة لازمة لكل مهووس بعدم الرتابة. أرخى نفسه بكل التوتر و الحذر غير قادر على أن يبعد سحابة علامات الاستفهام التي تحيط ذروة تفكيره" مالذي جاء بي الى هنا؟ ألم يكن الاجدى بشخص على شاكلتي أن ينأى بنفسه حتى لو ألقى بها في جرف سحيق بعيدا عن هكذا ورطة؟ يا ليتني لم أنفعل و أجلد كبريائي بكل الغرور ؟ هل صعوبة تنفسي الآن تدل على أني خائف؟ لا أظن ذلك ؟ لا أدري لما أشعر أني سأتعرض الى ذبحة صدرية كلما أقترب الموعد؟ أنا لا أستطيع ! الأمر واضح ! لست ندّا لهذه المواقف!هذا هو الأمر. لا أستطيع. لما أخدع نفسي في كل مرة ؟ أريد أن أكون شخصا لو لمرة واحدة في أعينهم , يا لتهوري الغير مدروس! لو فشلت سأنتحر! حقا! ماذا لو فشلت؟ سأصبح أضحوكة بلا ريب بعد الآن بالرغم من أني أضحوكة في أعينهم الغبية, سأنتهي , لن تسعفني كل التبريرات التي ستكون جاهزة كما في كل مرّة. سأهرب! من ماذا سأهرب ؟ بل سأغادر, نعم هذه هي الكلمة المطابقة لهذه الحالة. سأقول أني نسيت أو حاولت الاتصال لأعتذر لكن لم يجب أحد. لكن كل ما حدث الاسبوع المنصرم سيتفوق على هذه الاعذار الصبيانية . حسنا , أنا في ورطة , أنا في تحدٍّ مع نفسي, سأبقى و ليحدث ما يحدث. آآخ , كان يجب أن أكون الآن متمددا بكل الكسل الفاتن على أريكتي. اللعنة عليه من يوم, من سنة , من حياة! حسنا سأقف و سأمشي عائدا كما أتيت بكل الرزانة و الرشاقة , فقط سأقف و بعد ذلك سينساب الامر عفويا, هيا, قف أيها الجسد المتصلب! قف أيها المنحط ! حسنٌ, سأبقى, و سأخوض الأمر و سأفشل , و ماذا في ذلك ؟ خاصة بأنها أول قضية لي في المحكمة, تبا لهذه القضية , تبا لها من نهاية عذرية قانونية طويلة! لن تعود شهاداتي تتمتع بالبتول المغري بعد الآن! ههههههه. أول قضية لي , هذا هو العذر الأقوى عند فشلي. نعم عندها سيختلقون قصصا أخرى عن متاهات المحاكم و حيل المحامين و أن الخبرة ضرورية في هذا المجال و ان التعابير الوجهية و النفسية و نبرات الصوت تلعب دائما الدور الحاسم في عقلية القاضي. الآن يمكنني أن أضع ساقا فوق ساق. يجب أن أسعل قليلا , أريد المزيد من الهواء... إسعل أقوى بعض الشيء... الآن أنا جاهز " بقي جالسا و التشويش ينال منه كل حين , يتخذ قرارات تنبلج فجأة من السخرية و الارتعاش اللذين يقودانه نحو نهاية محكمة الإغلاق, إلى ابهام كامل و ضياع يرتدي ثوب المعرفة, تنمو ثقته بشكل متسارع نحو الفراغ و من ثم تخبو عاموديا فوق كل الارواح التي يخفيها مفجرة لحظات من الانطواء الاعتباطي و الانفراج التائه و الإقدام نحو الهرب و التردد لاطلاق كل صراعاته كثعابين شيطانية تلتهم أفكاره المتضادة في خوض الياذته المخجلة بظل رمح أخيل لكن في هاوية هكطور ينظر نافذا البصر عبر طيّات الزمن المتعرجة حتى أصبح معشوق أفلون محدقا فيه, يسترجع ما ألقى به هنا بترهل تركيز واهن للصوّر التي تعبث بنفسيته , حيث كان متمددا على أريكته الذائبة في شقته الهرمة تحت لسعات الرأس الحارة من شمس ظهيرة يوم لاهب فلقد درج يحدث نفسه دائما " هنا أجلس وأفكاري تحت الشمس تختمر ",عندما سمع نقرا خفيفا على باب الشقة , فقام متضايقا من كون لطافة الوحدة قد تشوشت و ركل في طريقه نحو الباب قميصا متسخا فارتطم بكومة من الاتربة تغلف تلة صغيرة من الكتب فثارت سدُمٌ صغيرة تنتشر بهدوء متمدد في أرجاء الغرفة ,كان حينها قد بلغ الباب و فتحه , عندها انطلقت ضحكة مدوية ملئت أدراج البناية بصخب شبابي, انهما صديقاه اللذين يكنّ لهما عداوة مستترة و مقتا هادئا ثقيلا, رحب بهما على عجالة و أدخلهما الشقة وكله رغبة في ركلهما و إغلاق الباب بكل القوة. جلسا و ضحكات صغيرة متقطعة تتفلت منهما بين الحين و الآخر وهو صامت ينتظر أن يتكلما و لم يطل الامر طويلا بعدما أحسا أنهما يظهران بمظهر فاقد الحياء نوعا ما ,مع أنهما لم يعيرا هذه الفكرة الكثير من البال, ومن ثم شرعا بالكلام, قال أحدهما " لم نرى بعضنا منذ مدة طويلة و لكن هذا لا يعني أننا لم نعد أصدقاء, فأيام الجامعة لا يمكن إغفالها بهذه البساطة" فردّ عليه بكل الفتور و العصبية المكبوتة "أمّا أنا فقد نسيتها تماما خاصة و أني كنت بالنسبة اليكم غير ذي قيمة, لا أريد الدخول في ذكريات مزيفة و رياء منتقع بالضحك, ماذا تريدان؟ فلا وقت لدي" شعر عندها ببعض الراحة المصحوبة بتوتر لا يزول ,من أنه كان قويا و صارما في كلامه, فأخبره صديقه الآخر أنهم خططوا لمهرجان ,و حددوا موعدا له, لكنه استقبل باستهجان شعبي و ان أحد المحامين رفع ضدهم قضية ترفض هذا النوع من المهرجانات الدخيلة على الوطن, و أنهم الآن يبحثون عن محام جيّد و المهم أن يكون بلا أجر, و أنهم توسّموا فيه الخير لذكائه و لمعرفتهم القديمة به. عندها قال " حسنا!" و نظر الى الارض عندها أحس بنوع من الانحطاط في قدره, حيث انهما لو كان لديهما بعض من الاحترام لقدره لامتنعا عن القدوم خوفا من ردة فعله على الاستهزاء الذي ناله منهما في السابق و لكنهما لا يحملان أي حظوة له في نفسهما مما دفع به للقول " ربما, لا أدري, إن كان لدي وقت سأفعل" لكن صديقاه شرعا يخبرانه أن القضية تصب فيما كان يدعو اليه في الجامعة من تقدمية و نبذ المتهالك البائد من الأفعال و الاندفاع نحو فكر مغاير, عندها شعر بنوع من الزهو بعدما أحسّ بنبرة رجاء و استعطاف منهما فقال مريدا زيادة في رفعة شأنه التي بدت واضحة له " حسنا, إنكما تعلمان ما لهذا النوع من القضايا من حساسية شديدة فالمجتمع اليوم كراقصة بثوب الصلاة" عندها انفجرا من الضحك بطريقة هستيرية و أوضحا له أنه لا يمكن خوض القضية بهذه الطريقة الساخرة لكنه دافع عن عبارته بأنها تعبير عميق لا يفهمه الا القلة من سابيري أغوار الأدب و دهاة الرسائل المشفرة, لكنهم بدؤوا بالسخرية منه ثانية و التكلم في نسيان الحديث كله و القضية برمتها و أنهما سيجدان محام آخر لكنه رفض و أصرّ على ذلك و أنه إذا خسر القضية سيدفع من جيبه الخاص أتعاب المحامي الآخر, فوافقا و خرجا باسمين يتحدثان غير مباليان الآن بالقضية إن خسراها لأنهما لن يخسرا شيئا, و ودّعهما و الغضب يملأه و الخوف من القضية شرع ينمو في أحشاءه.


    يقضم اسنانه كالفأر منتظرا موعد القضية, ينظر يمنة و يسرة بلا تركيز تغوص روحه في اغماءات متقطعة عمّا يدور حوله حين وقعت عيناه على احد الحراس منتصبا كشمعدان لحمي لا يتحرك قرب باب قاعة المحكمة مخفيا تحت نظارته السوداء عينيه الرهيبتين , كان بسلطته البرية تلك , لا يسعى فقط للسيطرة على الأشخاص المتواجدين في المبنى بل كان يسعى للسيطرة على أنفاسهم أيضا , لم يكن ذاك الملاك القادم ليرسي العدل و الحقيقة بل كان المقاتل القادم ليقيم الانتقام المجنون, و لقد انتصبت بقربه صورة الزعيم بوجهه المألوف البعيد, ذاك الهيكل الذي إذا نزعته إنما تنزع صورة من الجبس المبهرج, إنه الانتقال الذاتي من القناع الى الجثة الى القناع, ستستمر ذات الابتسامة الماكرة حتى لو صارت دخانا. كان يرقب المتواجدين في المبنى فيُخيّلُ اليه أنهم جميعا كاذبون و حمقى و معرفتهم بلا قيمة و ثقافتهم هي أردء القناعات حول الحقيقة, صورهم العبثية و حماقاتهم العمياء تستدعي نهاية مفجعة للعالم الرخيص الذي يعيشونه. فخطرت له فكرة بأن يفتعل شجارا مع الحارس البري و يكيل له الشتائم و بالطبع لن يسكت ذلك البربري فسينهال عليه بالصفع و الركل و التأديب و بذلك سيغيب عن الجلسة و بعذر مقنع أيضا و سيتردد أنه لو قدر له و حضر المحاكمة لأبلى فيها بلاء حسنا فهو قد تشاجر مع الحراس و لم يأبه بالرعب الذي يليه, لكنه سرعان ما وبخ نفسه ووصفها بالغباء و التهور و ضرب رأسه بقبضة يده لأنه تمادى بشكل سيلحق به الضرر لا محالة, و قطع سيل تقريعه لنفسه ظهور صديقاه اللذان ما أن رأوه حتى بدت على وجههما ملامح الضحك و الاستهزاء, فزاد حنقه و حدث نفسه انهما ما أن يقتربان سينهض و يصفع أقربهما اليه لأنهما تماديا بالسخرية الى حد لا يتحمله حمار, و عندما اقتربا منه ولا تزال الابتسامة الوقحة ملتصقة بهما , مدّ يده بكل القوة و صافحهما عابس الوجه و من ثم جلس دون أن ينطق بحرف شاغلا نفسه بحقيبته و اهتمامه منصب على صديقاه و على أية إيماءة مقلّلة من قيمته تبدر منهما.


    و بعد برهة نادى حاجب المحكمة بصوت كالقيء
    - القضية 1516 ! القضية 1516 !
    بعد هذا النداء تحرك الكثير من المتواجدين الى القاعة و انتصب عدنان بكل الصلابة و مشى بخطوات مشدودة نحو القاعة بينما كان صديقاه يربتان على كتفه مبتسمين كأم توصل ابنها الى المدرسة لأول مرة.


    جلس الجميع بسكون مفاجىء يخفي شوقا للفوضى لامرئي, ينتظرون دخول القاضي, حيث زرع عدنان نفسه في الكرسي المخصص للدفاع و كان نظيره في الهجوم ذو وجه ثعلبي يشد على اسنانه بطريقة غريبة تنم عن شراسة و تمرس غير مسبوقين في السلك القضائي. دخل القاضي مرتديا ثوب العدالة المظلم فنهض الجميع بجمود و من ثم جلسوا. أشار القاضي للمدعي العام أن يتلو نص القضية فانبرى كتلميذ نشيط و بطلاقة يحسد عليها


    " نص الدعوى رقم 1516 حيث تقدم السيد رأفت بدعوى لدى المحكمة في الرابع من أيلول لعام 2014 بالحق الشخصي و العام ضد المشتكى عليهم نزار و جميل حيث ادعى السيد رأفت أن الطرف الآخر المشتكى عليه سيقوم بتنظيم مهرجانا للبيجاما يوم الثلاثاء الثالث و العشرون من ايلول لعام 2014 حيث سيقوم الناس بالتجمهر مرتدين البيجامات في مكان عام مصحوبين بكل مظاهر الصخب و الغناء مما يخدش الحياء العام حيث ارتداء البيجاما على هذا النحو و الاطار مخالف للذوق العام و قدح بالاخلاق حيث تنص القوانين بمنع أي عمل أو قول مناف للحياء و الذوق العام و يتعرض مرتكبه بالحبس و الغرامة. إن المدعي السيد رأفت يرفع الأمر للقضاء لمنع تنظيم هذا المهرجان بالوسائل القانونية و السلمية. انتهى نص الدعوى "


    القاضي: محامي الدفاع, السيد عدنان. تفضل !


    ينظر عدنان و قد انتقعت ملابسه بالعرق كمن باغتته عاصفة غادرة سدت فمه برياح الجنون, فأصبح يرى من دون ان يسمع الى أن كرر القاضي نداءه و بدء الناس بالتهامس و الضحك الخجول الى أن هزه موكله و قطع عنه برزخه عندها نهض و أحس بعطش شديد قبل الكلام فعلم انه سيمضي ليلته بالشرب المفرط للإغماء مهما كانت النتيجة . نظر حوله كمن ينظر الى المجهول الذي يرفض أن يطلعنا على أسراره يوما ما , بلع ريقه بطريقة مقززة بعدما حنى ظهره للامام و رفعه بطريقة متموجة , و قال : سيدي القاضي, الأخوة الحضور, ما هي الالفاظ ؟ الالفاظ تعابير من كلمات صورية أو لا صورية , مخطوطة أو منطوقة أو موحى بها لكن الألفاظ كشيء مختزل بذاته لا تؤدي غرضا إذا لم يكن الغرض الناتج عنها يخدم غرضا قوميا و شعبيا, فلا يكفي بالالفاظ ان تكون مفهومة للناس بل يجب ان تستعمل للدلالة على ذات النوع من التجارب و الخبرات , أي أن للشعب تجربته المشتركة التي يتشاطرها الجميع. فكيف تتكون الأقوام؟ بهذه الطريقة تتولد الأقوام, فأبناء منطقة يتشاطرون ذات التجارب و يستدلون بها بكلمات تدل عليها, أكثر تفاهما من الأقوام الأخرى الذين لا يتشاطرون ذات التجارب و إن كانوا يتحدثون اللغة نفسها. إن التجارب تتوزع بنحو شبه متكافىء على الجميع في تلك الأمة فيكون استخدام اللفظ الدال أسرع للفهم و أقرب للمعرفة فيصبح الترابط أسهل و التقارب أوثق. سيدي القاضي, هنا تقع المشكلة والالتباس, فعند استخدام لفظ بيجاما, يتبادر للجميع تجارب مشتركة و أطر معينة لهذا اللفظ, لكن المشكلة تحدث عندما يتفاجىء أبناء التجارب المشتركة أن لفظ بيجاما هنا يلمّح الى تجارب غير متشابه و لا مشتركة بين الجميع, فالبيجاما مرتبطة بسياق معين أو أطر محددة , لكن هنا دلّت ,و هي الكلمة المألوفة, الى نوع من تجارب غير متشابهة و لا مألوفة , عندها أصاب الناس نوع من التيه و النفور و الغضب المتولّد عن الغرابة و البعد لكون اللفظ يزرع جانبا من الشك و الريبة و ينذر بتصدع في خط التواصل الأول بين الناس مما قد يولّد صدامات مستقبلية بعدم التفاهم و التجانس بين أبناء البيت الواحد.


    سيدي القاضي,إن هذا الشرح هو الاساس لمفهوم التقليد و العادة الذي يسّيران الانسان العامي, فكل تجربة جديدة تقابَلُ بهجوم عنيف كونها لا تحظى على رصيد مشترك بين أبناء القوم الواحد, فالعوام يتصدّون بكل البسالة لهذه التجارب و الألفاظ إن لم تكن مألوفة, فهم يريدون أن يرزح الواقع أبدا الى نمط يفهمونه ,و يهابون من تجارب عيشيّة جديدة لا يفهمونها, إنهم يريدون أن تبقى الحياة تجري على نمط معتاد يدركون أدق تفاصيله بأقل الجهد و التمعن. إن هذا المهرجان ليس خروجا عن العادات بل هو تجربة جديدة تصب في تجارب الشعب, فإن كل التجارب القديمة إنما كانت جديدة في وقتها و اصبحت قديمة بعدها و مألوفة. إن العادات و التقاليد تتلاشي تدريجيا العيون التي كانت مشدودة اليها, إنها لن تذهب, في رحلتها المتهالكة, أبعد مما هو موجود و لا دون ما هو موجود , إنها لن تكون تلك الحدود الهاربة المطلقة التي لا يصلها أحد, إنها تهبط الآن الى عالم النسيان, إنها لم تعد قاربا للنجاة, بل اصبحت مستنقعا يقذف الناس بالتصادمات, فتحوّلت من جامع الى مفرّق, الى مشعوذ خبيث يأبى الموت او التخلي عن السحر.


    يتوقف عن الكلام و ينظر حوله مرة أخرى بإرتعاشة واضحة , ينظر القاضي الى محامي الادعاء الذي قد طلب الإذن للحديث, فيسمح القاضي : محامي الادعاء!


    محام الإدعاء : سيدي القاضي, الأخوة الحضور, إن نظام الدولة لا يحتمل فوضى النفوس, و لا صدى الظواهر الغريبة الكئيبة التي تلف البوادي كذئاب جائعة,و تريد أن تقذف بنا الى أقبية مشيدة بزعاف الإبتسامة و التحضر و تتباهى بالتملص و النكوص عن تقاليدنا وعاداتنا , لماذا ينفر البعض عندما تكون قوانين الدولة تطابق قوانين القلوب ؟ لما يصمم البعض على اختراق جدار الوحدة و الاستهزاء بكل بسيط نشأ عليه كبار الدولة و مفكروها؟ إن الاعتدال يبعد كل الامراض و البساطة تنأى بنا عن كل عبثي و خطير. إن هذا المهرجان هو كلمة سوء تسمم هواء الصفاء و وحش يثبت نظره على كل وادع أليف, إن السماح به هو إهانة يتلقاها كل أجدادنا في قبورهم و لعنة تصيب ثوابت ارضنا المجبولة على الفضيلة, إن هذا المهرجان ليس كما أوضح محامي الدفاع يتصف بكل ملامح الخير و النبل, بل هو إختبار لمدى تشبث مواطنينا بكل ما هو سامٍ و مجيد و طريقة لا تتقنها إلا غربان المقابر المقفرة في تزويغ الناس و إلهائهم عن كل ما هو جاد و فاضل, فإن تم لهم الأمر اليوم فسنرى ما لم يُذكر في كتب التبصرة و الورع و سنتفاجىء كل شهر , لا بل كل يوم بتوافه جديدة تحت مسمى التجارب الحديثة. إن هذه الدعوى ملتصقة بالقوانين كالتصاق الروح بنا و هي متماهية مع الدستور و عدم الحكم في صالح الدعوى هو خرق لكل فطرة سوية و تصريح بالزج بنا في أودية سحيقة لا تعرف الشمس. سيدي القاضي, إن إنتمائنا لهذه الأرض ليس هو انتماء عبثي بل انتماءة ابن و حفيد, إن للارض التي نخطو عليها قوانين متفردة تختلف عن باقي الاصقاع, إن ما ذكره المحامي هو بعيد عن الحقيقة و تزييف في الخطاب, إن الغريب و المستهجن من العادات هو ردة فعل سوية و نظرة طويلة البعد, فأهل هذه الأرض قد تربوا على قيم حسنة أوصلتنا الى ما نحن فيه من هدوء و سكينة , و العبث بهذه القيم هي دعوة صريحة لزرع نبات الفرقة و الخلاف بين الشعب و الانسلاخ نحو ثقافات أقوام لم يشاطرونا بؤسنا و فرحنا. إني لأدعو المحكمة الى تحكيم الرشد و الصلاح و أن تأخذ في بالها ما هو صاف بلا شائبة لتوصد الباب في وجه الإنفلات اللامسؤول الذي بدأ ينفذ من تراخينا.


    يجلس محام الادعاء بعد أن مسح وجهه وفمه بقطعة من القماش على كرسيه الخاص. ينظر القاضي نحو عدنان إن كان ينوي الرد. فيقوم عدنان من مجلسه و يشرع بالمشي في الفضاء الموجود بين منصة القاضي و أمكنة المحامين, يضع يده على خده و يقول بصوت لا يخلو من التوتر: حضرة القاضي, اخواني و أخواتي الحضور, لنوجه لأنفسنا سؤالا: هل فطرة العوام هي منبع الأخلاق و القيم؟ إن العوام على مدى التاريخ هم رمز العبث و الرذيلة و البعد عن الصالح و الارتماء في احضان الخطيئة. إن أخلاق العوام الماثلة اليوم قد أملاها فئة قليلة من الناس ذوو حظ بالعلم و السلطة, فالعوام لم تنتج يوما ما الأخلاق و لا كانت مصدرا له, بل كانت تابعة لما يسنه له كبراؤهم , كانوا التبع دائما و العبد للسيد القاسي الذي يرفض عدم نفاذ رؤيته, ومع ذلك, فهم يتلقون هذه التعاليم و يحرفونها لتتماشى مع ما ألفوه قبلا فتصبح الاخلاق عند العوام مزيجا من العادات القديمة و الرؤى الحديثة و هذا ما يجعل الأخلاق غير متوازنة لديهم و لا مفهومة, فعندما يغادر المواطن البسيط قريته اللطيفة و يذهب الى المدينة فأنه يشعر بالاغتراب لأن ما يراه مخالف عما الفه في قريته و يحدث نفسه كيف أن أهل تلك المدينة مارقون على الأخلاق محتقرون لها, بالرغم من أن سكان تلك المدينة إن سألتهم لأوجعوا رأسك بالحث على الاخلاق و التمسك بها. إن الاختلاف في النظر نحو الأخلاق يدل على أن الأخلاق تختلف من منطقة الى أخرى من شارع الى آخر لا بل من بيت الى بيت , فليس للقيم من تحديد واضح , وعليه , فالارتكان الى العوام و جعلهم مصدرا للحكم على الجيد و السيء و الشر و الخير هو كتحكيم أعمى على مبصرين. إن الأخلاق و العادات مرنة شيء ضروري لتسيير الأمور البسيطة بين الناس لكنها ليست الفيصل على كل إيماءة من الفرد. كم هو رائع و نبيل أن يكون الانسان صريحا: إن هذا التلاطف و التساهل مع العادات و عدم الالتفات الى تلوّنها لهو فنّ شيطاني , يأمل أن يبقى الأعوج و المتناقض أساس تسيير الناس و الأخذ بهم الى حيث يريد تحت نفس المسمى دائما " الحفاظ على التراث" " القيم الأصيلة".


    يعترض محامي الأدعاء و يصرخ : لا تشتم قيمنا أيها البائس المنطوي على نفسه! سيدي القاضي , إني أطلب من المحكمة إسكات هذا المتخبط فلقد علمتُ أنه ذو طبع غريب, منطوي على نفسه كئيب, و يعاني من الإنفصام و العزلة, إني أطلب من المحكمة الكشف عن قواه العقلية إن كان مخولا للدفاع عن القضية!


    القاضي : إعتراض مرفوض. أكمل سيد عدنان!


    عدنان : أشكرك سيدي القاضي, سأسامح السيد على الإهانات التي وجهها لي و لكني أريد أن أوضح شيئا, نعم أنا منطوٍ على نفسي و كئيب, و لما لا أكون هكذا؟ إن عدم إختلاطي بالناس مردّه إلى عدم الحاجة لذلك, فيكفيني أن أخالط شخصا واحدا و بهذا أكون قد أصبحت رفيقا للجميع. سيدي القاضي, إن الشعب ما هو إلا نسخة تكرر بعضها البعض, فهم كالسنابل لا تمييز فيها و لا فرق, و هذا ما أوصلنا اليه الحرص المبالغ على القيم و العادات , فلقد اختفى التميز و الانفراد , ففي زمن العادات تسود العملة المزيّفة , و في عصر الإنجرار خلف القيم الهرمة تصبح الاستقامة غرورا, و ويغدو الإنصياع الى التقليد ميزة و فضلا . سأعود الى ما كنت أقول فلا أريد الخروج عن الموضوع . ( ينزع نظارته و يمسحها و يعيدها مرة أخرى) سيدي , إن هذا المهرجان هو إعلان أن الإختلاف في نمط الحياة ممكن و التمايز مستحب, وأن الغرابة تكمن في الأذى و الإساءة تكمن في الإعتداء على حقوق الآخرين , فجوهر هذا المهرجان هو ترسيخ مبدأ الحرية المصون و التفرّد المسالم, إني أرى الناس دائما يرتدون البيجامات عند ارتيادهم الأسواق و في طوابير الخبز حتى في بيوت الله المقدسة و الدوائر الحكومية فما اشتكى منها أحد و لم تُغظ إنسانا, فلم كل هذه الجلبة على أمر لو لم يؤخذ بعين الريبة لما أثار أحد, و لكن ورود لفظ البيجاما مقترنة مع كلمة مهرجان, جعل الناس في عقم شديد عن التفكير و لوثة من الإنبهار السلبي حول هذا المصطلح الذي لم يألفوه. إن مثل هذه الدعاوى لهي وسيلة مفضلة للثأر ممن هم أقل محدودية و نوع من التعويض أيضا لأن الحياة لم تجزل لهم العطاء و حرمتهم من غرائبها المشوّقة و النادرة و جعلتهم في قارب أجدادهم يسبرون لجج البحر من دون نظرة غرابة و لا متعة بجديد. إن هؤلاء الفتية منظمو المهرجان أرادوا أن يغيروا الشيء الرتيب الذي يحيط بلحظاتهم و يروّحوا عن أنفسهم المجهدة المتعبة من كدّ الليل و النهار و لكن البعض ارتأى أن يخلصهم من عالم لا يزيد سوى عن عالم يدعو الى ارتكاب الخطيئة. إن هؤلاء الفتية هم صانعو التندر و المغاير, فهم كنز لا يمكن التفريط به, أليس صانعوا التاريخ هم مميزون و مبتكرون لأشياء غريبة جديدة بينما كانوا دائما مدعاة للسخرية و التفكّه من قبل العامة؟ أطلقوا أيديهم من الغلال و سترون فجر جديدا يلوح في الصبح و إلا فإن هؤلاء الغرباء سيخلقون غرباء آخرين, ستجدونهم في المكان الذي لم تتوقعوا أن تجدوهم فيه, سيستميلون آخرين و سيغيرون وجههم و لن تتمكنوا من التمييز بينهم و بين الآخرين , سيستمرون في البحث عن أناس لا يعرفونهم إنما يشاطرونهم ذات الرغبات. ستجعلون النفاق مستحب لأنه يخدم الفضيلة و لكن أركان الفضيلة ستنزع ثوبها الناصع و ترتدي خرقة مهترئة و ستقولون لا يهم إن كانت ساترة, لكني أقول لكم ستتفسخ عاجلا.


    يصمت و يتجه الى مقعده و أعينه مسمّرة نحو الارض و بحركة شبه آلية يجلس و ينظر من فوق نظارته نحو القاضي.


    ينهض محامي الأدعاء و قد أذن له القاضي بالحديث فيقترب من الحضور و يقول بصوت عالٍ : يا لهذه الأرض التي تُخرج نَفثا أسودا فيحجب سماء الحق و النور, يا لهذه الأرض التي تشهد إنتقاما إلهيا عادلا بعد أن فسدت من غرور الإنسان. سيدي القاضي, إننا لن ندع هؤلاء المجموعة من أصحاب النزعات الغريبة و المريبة أن يرتعوا كما يشاؤون بكل الزهو و اللامبالاة بأعرافنا و تاريخنا. إنهم لن يكفوا إلا أن يغرروا بكل شريف و يستميلون كل صعلوك, سيضعفون وحدتنا و يجعلونا كنبات الصحراء كلّ ينبت في واد. ستكون السيادة للاعقل و القرار للنزوات , ستكون أمورنا مرهونة بيد منحرفين ينظرون إلى كل شيء الا لحياة كريمة. حذاري سيدي القاضي , إن فتح هذا الباب يعد بداية كل فوضى و صعود كل تدهور, سننظر الى مجتمعنا ولا نعرفه, سنستذكر الماضي أكثر من الحاضر, سنبكي في جوف الليل لعادات ستُسلب منا أمام أعيننا فآثرنا القيام باللافعل لنجدتها. سيدي القاضي, لن أتكلم كثيرا فأنت إبن هذا المجتمع و تعرف ما أعني, و سيكون الكلام الكثير دليل ضعف و دفاع عن قضية هشّة.


    يتجه نحو كرسيه و تبدو عليه علامات التأثر الواضحة.


    القاضي : محامي الدفاع هل لديك شيء؟


    عدنان: لا! لقد قلت كلّ ما لدي.


    القاضي: حسنا, ستنفرد الهيئة القضائية لمناقشة القرار.


    ينهض القاضي و المحلفون بكل صعوبة و تصطدم بطونهم الضخمة بحواف الكراسي و يتجهون نحو غرفة جانبية. تتعالى أصوات الناس في القاعة و يتحلق مجموعة من الناس حول محامي الإدعاء و تبدو عليهم ملامح الإمتنان الخفي و هو يبتسم بإطمئنان متحدثا موجها كلامه لأحدهم و البقية يستمعون و يرمقون عدنان بنظرات إزدراء حيث كان لا يزال يجلس وحيدا ينظر الى حذاءه القديم, عندها اقترب منه نزار و جميل وجلسا بجانبه


    فقال نزار بإمتعاض : ما هذا سيد عدنان؟


    - أجابه عدنان مستغربا : لا تقلق الأمور تسير على ما يرام.


    - ماذا؟ أنت لم تدخل في صلب الموضوع أبدا! إنك لم تذكر كلمة بيجاما سوى أربع أو خمس مرات فقط.


    علت وجه عدنان الدهشة و لم يستطع الإجابة فقال جميل : لا يهم يا نزار إن كان هو من سيدفع أتعاب محامي الإدعاء. ضحك الإثنان بلا اكتراث و نهضا و انضما الى مجموعة تجلس بالقرب و تركا عدنان و قلبه الذي كان ينتفض بشكل مؤذٍ و عرقه الذي أصبح كمد و جزر البحر. بعد دقائق دخل الحاجب و صرخ : محكمة ! و دخل القاضي و المحلفون و قام الناس احترام لهم و عمّ الصمت و من ثم جلسوا بعد جلوس الهيئة القضائية


    يتكلم القاضي بعدما أرهقته أعين الحضور المتسائلة :


    "إن المحكمة تحترم الإختلاف بين الناس و تصون الحريات الفردية و الجمعية و تنهض بدورها الرقابي العادل للحفاظ على كل ما ييسر حياة الناس و يوثق اللحمة بينهم و يدرأ عنهم الأخطار الخارجية و الداخلية و بناء عليه, قررت المحكمة إلغاء المهرجان لما أرتأت فيه من مدخل لزعزعة الجبهة الداخلية و حيث أن موعده يتضارب مع مصالح الدولة العليا التي تتطلب و حدة متينة و جبهة داخلية موحدة. رفعت الجلسة "


    تتعالى أصوات الناس بالابتهاج و يصدر هدير من التصفيق و يقفز مجموعة من الناس مهنئين محام الإدعاء. يقف عدنان محاولا الكلام لكنه لا يستطيع و بدأ يحس بثقل في أنفاسه و من ثمة يسقط على الارض فتصطدم نظارته بالارض و تفارقه بعيدا تحت الكراسي, يشعر بثقل لا يعرف كنهه يمنعه من القيام و الحركة , يديرنفسه باتجاه النظارة و يمد يده نحوها خائر القوى ضعيف الإبصار فيتراءى له خلف النظارة ساق ترتدي بيجاما و تحيط بها قطعة سوداء من قماش طويل, ففتح عيناه ليرى بشكل أوضح, لكن حدة نظره قد تخلّت عنه فلم يعلم أكان ذلك رداء القاضي أم محامي الإدعاء.

    تمت
  • ابن الجنوب
    أديب وكاتب
    • 25-09-2014
    • 10

    #2
    رائع استاذ خالد..فبرغم براعة تمكنك من تفاصيل الحدث اوالأأحداث إلا ان لديك حصيلة لغوية تغلف النص برؤية خاصة تحمل بصمة أديب متفرد له عالمه الخاص المتميز
    التعديل الأخير تم بواسطة ابن الجنوب; الساعة 27-09-2014, 20:01.
    الحرية

    تعليق

    يعمل...
    X